المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(8) باب في قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ١

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم

- ‌كلمة الناشر

- ‌(1) مقدمة التحقيق

- ‌(2) توثيق التلخيص والمفهم ومنهج المؤلف فيهما

- ‌أولًا - التوثيق:

- ‌ثانيًا - المنهج والأسلوب:

- ‌(3) فوائد إخراج كتاب "المفهم

- ‌ مكانته في شرح صحيح مسلم:

- ‌ أهميته في شرح غريب الأحاديث:

- ‌ تفرّده في تدوين فوائد الأحاديث:

- ‌ أسبقيته في حل الأحاديث المشكلة:

- ‌ إنصافه في عَرْض الآراء المذهبية:

- ‌ لماذا هذه الطبعة؟ وما فائدتها

- ‌(4) وصف النسخ الخطية المعتمدة وخطة التحقيق

- ‌أولًا - نسخ التلخيص:

- ‌ثانيًا - نُسَخ المفهم:

- ‌ثالثًا - خطة تحقيق كتاب "المفهم

- ‌(5) ترجمة المؤلف

- ‌1 - نسبُه ونشأته:

- ‌2 - عالم الإسكندرية:

- ‌3 - الفقيه المُحدِّث:

- ‌ مواقفه وآراؤه:

- ‌5 - شيوخه وتلاميذه:

- ‌6 - كتبه:

- ‌7 - وفاته:

- ‌صور النسخ المخطوطة

- ‌مقدمة كتاب المفهم

- ‌ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم

- ‌(1) بابُ ما تضمَّنتهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب

- ‌(2) بَابُ

- ‌(3) بَابُالنَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ

- ‌(4) بَابُالتَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ

- ‌(5) بَابالإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ

- ‌(6) بَابُ الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم وَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ

- ‌(1) كِتَابُ الإِيمَانِ

- ‌(1) بَابُ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا

- ‌(2) بَابُ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ

- ‌(3) بَابُ مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(4) بَابُ مَبَانِي الإِسلَامِ

- ‌(5) بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا

- ‌(6) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ

- ‌(7) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ

- ‌(8) بَابٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ

- ‌(9) بَابُ مَن لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(10) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ

- ‌(11) بَابٌ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ

- ‌(12) بَابُ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ

- ‌(13) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا

- ‌(14) بَابُ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ

- ‌(15) بَابٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ

- ‌(16) بَابٌ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(17) بَابٌ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(18) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ

- ‌(19) بَابٌ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(20) بَابٌ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ

- ‌(21) بَابُ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ

- ‌(22) بَابُ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ

- ‌(23) بَابٌ نِسبَةُ الاِختِرَاعِ لِغَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ

- ‌(24) بَابٌ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ آيَةُ الإيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ

- ‌(25) بَابُ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ

- ‌(26) بَابُ تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ

- ‌(27) بَابٌ الإِيمَانُ بِاللهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ

- ‌(28) بَابٌ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ

- ‌(29) بَابُ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ

- ‌(30) بَابٌ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ

- ‌(31) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمِنَ مِن إِيمَانِهِ

- ‌(32) بَابٌ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ

- ‌(33) بَابٌ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(34) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ

- ‌(35) بَابٌ مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ

- ‌(36) بَابُ لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ لَهُ

- ‌(37) بَابٌ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ

- ‌(38) بَابُ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ

- ‌(39) بَابٌ الإسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ

- ‌(40) بَابُ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ

- ‌(41) بَابٌ فِي قَولِهِ عز وجل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ

- ‌(42) بَابُ مَا يَهُمُّ بِهِ العَبدُ مِنَ الحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ

- ‌(43) بَابُ استِعظَامُ الوَسوَسَةِ وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ وَالأَمرِ بِالاِستِعَاذَةِ عِندَ وُقُوعِهَا

- ‌(44) بَاب إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ

- ‌(45) بَابُ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ

- ‌(46) بَابُ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَجتَهِد، وَلَم يَنصَح لَهُم لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ، وَمَن نَمَّ الحَدِيثَ لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ

- ‌(47) بَابٌ فِي رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ، وَعَرضِ الفِتَنِ عَلَيهَا

- ‌(48) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود

- ‌(49) باب إعطاء من يخاف على إيمانه

- ‌(50) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وشدة عذابه إذا لم يؤمن

- ‌(51) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به

- ‌(52) باب في قوله تعالى: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا الآية

- ‌(53) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاؤه

- ‌(54) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه

- ‌(55) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم ثانية، وتطهير قلبه، وحشوه حكمة وإيمانًا عند الإسراء

- ‌(56) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا صلى الله عليه وسلم من كرامة الإسراء

- ‌(57) باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال

- ‌(58) باب هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه

- ‌(59) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة

- ‌(60) باب ما خُصَّ به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الشفاعة العامة لأهل المحشر

- ‌(61) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن أدخل النار من الموحدين

- ‌(62) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين

- ‌(63) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار

- ‌(64) باب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة، وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته

- ‌(65) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه في التخفيف عنه

- ‌(66) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة

- ‌(67) باب يدخل الجنة من أمة النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفًا بغير حساب

- ‌(68) باب أمة محمد صلى الله عليه وسلم شطر أهل الجنة

- ‌(2) كتاب الطهارة

- ‌(1) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة

- ‌(2) باب في صفة الوضوء

- ‌(3) باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات

- ‌(4) باب ما يقال بعد الوضوء

- ‌(5) باب توعد من لم يُسبِغ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة

- ‌(6) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره

- ‌(7) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور

- ‌(8) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها

- ‌(9) باب ما يُستَنجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين

- ‌(10) باب ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال

- ‌(11) باب ما جاء في البول قائمًا

- ‌(12) باب المسح على الخفين والتوقيت فيه

- ‌(13) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار

- ‌(14) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث

- ‌(15) باب إذا ولغ الكلب في الإناء أريق الماء، وغسل الإناء سبع مرات

- ‌(16) باب النهي أن يبال في الماء الراكد وصب الماء على البول في المسجد

- ‌(17) باب نضح بول الرضيع

- ‌(18) باب غَسلِ المَنِيّ مِنَ الثَّوبِ وغسلِ دَمِ الحَيضِ

- ‌(19) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء

- ‌(20) باب ما يحل من الحائض

- ‌(21) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه

- ‌(22) باب وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله

- ‌(23) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل

- ‌(24) باب الولد من ماء الرجل وماء المرأة

- ‌(25) باب في صفة غسله عليه الصلاة والسلام من الجنابة

- ‌(26) باب قدر الماء الذي يُغتَسَل به ويُتَوَضَّأُ به واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها

- ‌(27) باب كم يُصَبُّ على الرأس، والتخفيف في ترك نقض الضفر

- ‌(28) باب صفة غسل المرأة من الحيض

- ‌(29) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة

- ‌(30) باب لا تقضي الحائض الصلاة

- ‌(31) باب سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة

- ‌(32) باب ما يستتر به لقضاء الحاجة

- ‌(33) باب ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنزِلُ

- ‌(34) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه

- ‌(35) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن

- ‌(36) باب في الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث

- ‌(37) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت

- ‌(38) باب ما جاء في التيمم

- ‌(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام

- ‌(40) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له

الفصل: ‌(8) باب في قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت

(8) بَابٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ

[19]

عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَت أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدَ عِندَهُ أَبَا جَهلٍ، وَعَبدَ اللهِ بنَ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ

ــ

(8)

وَمِن بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ

(قوله: لَمَّا حَضَرَت أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أبو طالب هذا: هو ابنُ عبد المطَّلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنَافِ بنِ قُصَيٍّ، وهو عمُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ووالدُ عليّ بن أبي طالبِ، واسمُهُ: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأوَّل أصحّ، واسمُ عبد المطَّلب: شَيبَةُ، وكان يُقالُ له: شيبةُ الحمد، واسمُ هاشمٍ: عمرو، وهاشمٌ لَقَبٌ له؛ لأنَّه أوّلُ من هَشَمَ الثريدَ لقومه. واسمُ عبد منافٍ: المغيرة، واسمُ قُصَيٍّ: زيدٌ، وقيل له: مجمِّعٌ؛ لأنَّه جَمَّعَ إليه قومَهُ.

وكان والدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو عبدُ الله قد توفِّيَ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَملٌ في بطنِ أمِّه على الأصحِّ، فوُلِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ونشَأَ في كَفَالَةِ جَدِّهِ عبد المُطَّلِبِ إلى أن تُوُفِّي، فكفله عمُّه أبو طالب، ولم يَزَل يحبُّه حُبًّا شديدًا، ويحوطُهُ ويحفظه إلى أن بعَثَ اللهُ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بالنبوَّة، فنصره أبو طالب وأعانه وأجارَهُ ممَّن يريدُ به سوءًا، وقامَ دونه، وعادى في حَقَّهِ قريشًا وجميعَ العرب، إلى أن ناصبوه القتالَ وجاهروه بالعداوة والأذى؛ وطلبوا أن يُسَلِّمَهُ لهم، فلم يفعَل. ثُمَّ إنَّ قريشًا وجميعَ أهلِ مَكَّةَ تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على هَجرِهِ وجميعِ بني هاشمٍ ومقاطعتهم، وعلى ألَاّ يقاربوهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يَصِلُوهُم بشيء من وجوه الرفق كلِّها، حتَّى يُسَلِّموا إليهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب وبنو هاشم في شِعبهم، وأقاموا على ذلك نحو ثَلَاثِ سنين في جَهدٍ جهيد، وحالٍ شديد، إلى أن نقَضَ اللهُ أمرَ الصحيفة، وأظهر أمرَ نبيِّه على ما هو مذكورٌ في كتب

ص: 192

المُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَا عَمِّ، قُل: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، كَلِمَةً أَشهَد لَكَ بِهَا عِندَ اللهِ، فَقَالَ أبو جَهلٍ وَعَبدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرغَبُ عَن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؟ ! فَلَم يَزَل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعرِضُهَا عَلَيهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أبو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُم: هو عَلَى مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَن يَقُولَ: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَمَا وَاللهِ لأستَغفِرَنَّ لَكَ

ــ

السير. وكان أبو طالب يَعرِفُ صدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلِّ ما يقوله، ويقولُ لقريش: تَعلمُون واللهِ أنّ محمّدًا لم يكذب قطُّ، ويقولُ لابنه عليٍّ: اتَّبِعهُ، فإنَّه على الحقِّ. غير أنَّه لم يدخُل في الإسلام، ولم يَتَلفَّظ به، ولم يَزَل على ذلك إلى أن حَضَرتهُ الوفاةُ، فدخل عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طامعًا في إسلامه، وحريصًا عليه، باذلاً في ذلك جُهده، مستفرغًا ما عنده، لكن عاقت عن ذلك عوائقُ الأقدار، التي لا ينفَعُ معها حرصٌ ولا اقتدار.

و(قوله: يَا عَمِّ، قُل: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، كَلِمَةً أَشهَد لَكَ بِهَا عِندَ اللهِ) أحسنُ ما تُقيَّد به كلمة النصبُ؛ على أن تكون بدلاً من لا إله إلاّ الله، ويجوزُ رفعُها (1) على إضمار المبتدأ. وأَشهَد: مجزومٌ على جواب الأمر، أي: إن تقل أشهد.

وكلُّ ذلك ترغيبٌ وتذكيرٌ لأبي طالب، وحِرصٌ على نجاته، ويأبى الله إلَاّ ما يريد.

و(قوله: فَلَم يَزَل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعرِضُهَا عَلَيهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ) هكذا هو في الأصول وعند أكثر الشيوخ، ويعني بذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أقبَلَ على أبي طالب يعرضُ عليه الشهادة، ويكرِّرها عليه.

ووقع في بعض النسخ: وَيُعِيدَانِ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ، ووجههما: أنّ أبا جهل وعبد الله بن أبي أُميَّة أعادا على أبي طالب قولهما له: أَتَرغَبُ عَن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؟ ! حتَّى أجابهما إلى ذلك.

و(قوله: وأبى أن يقولَ: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، أي: امتنع من قولها.

(1) ساقط من (ع).

ص: 193

مَا لَم أُنهَ عَنكَ، فَأَنزَلَ اللهُ عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ، وَأَنزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ.

رواه البخاري (4675)، ومسلم (24)، والنسائي (4/ 90 - 91).

[20]

وَفِي رِوَايَةٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: قَالَ أبو طَالِبٍ: لَولَا أَن تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ، لَأَقرَرتُ بِهَا عَينَكَ،

ــ

و(قوله: يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ)(1) بالجيم والزاي: صحيحُ لرواية؛ لا يُعرَفُ في كتاب مسلم غيرها، وهو بمعنى: الخَوفِ من الموت.

وفي كتاب أبي عُبَيد: الخَرَع - بالخاء المعجمة والراء المهملة - وقال: يعني: الضعفَ والخَوَر، وكذلك قال ثعلبٌ وفسَّره به، قال شَمِرٌ: يقال: جزعَ الرجلُ؛ إذا ضَعُف، وكلُّ رِخو ضعيفٍ: خَريعٌ وخرِعٌ، والخَرِعُ: الفصيلُ الضعيف، قال: والخَرَعُ: الدَّهَشُ. وفي الصحاح: الخَرَعُ، بالتحريك: الرَّخَاوة في الشيء، وقد خَرِعَ الرجلُ، بالكسر، أي: ضَعُف، فهو خَرِعٌ، ويقال لِمِشفَرِ البعير إذا تدلَّى: خَرِيعٌ.

و(قوله: لَولَا أَن تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ لَأَقرَرتُ بِهَا عَينَكَ) أي: تَسُبَّني وتقبِّحَ عليَّ؛ يقال: عَيَّرتُهُ بكذا تعييرا، والعامَّةُ تقولُ بالباء، والأوَّل كلامُ العرب؛ كما قال النابغة:

وَعَيَّرَتنِي بَنُو ذُبيَانَ خَشيَتَهُ

وَمَا عَلَيَّ بِأَن أَخشَاكَ مِن عَارِ

(1) في (ع): حمله ذلك على الجزع.

ص: 194

فَأَنزَلَ اللهُ: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ الآية.

رواه مسلم (25)، والترمذي (3187).

* * *

ــ

ومعنى: أقرَرتُ عينَك بها، أي: سرَرتُك بقولها، وأبلغتُكَ أُمنيتك: قال ثعلب: يقال: أقرَّ اللهُ عينَكَ، أي: بلَّغه أمنيتَهُ حتَّى ترضَى نفسُهُ، وتَقرَّ عيناُهُ؛ ومنه قولهم فيمن أدرَكَ ثأرَهُ: وَقَعتَ بِقُرِّك، أي: أدرَكَ قلبُكَ ما كان يتمنَّى. وقال الأصمعيُّ: معناه: بَرَّدَ الله دمعته؛ لأنَّ دمعةَ الفرح باردةٌ.

قال غيره: ودمعةُ الحزن حارَّة؛ ولذلك يقال: أسخَنَ اللهُ عينَهُ، أي: أراه ما يسوؤُهُ فيبكي فتَسخَنُ عينُهُ.

وقوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ أي: ما يجوزُ ولا ينبغي لهم ذلك، مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ أي: الموت على الكفر.

والجحيمُ: اسمٌ من أسماء النار المُعَدَّة للكفَّار، وكل نارٍ في مَهواة، فهي جحيمٌ؛ ومنه قوله تعالى: ابنُوا لَهُ بُنيَانًا فَأَلقُوهُ فِي الجَحِيمِ. والجاحمُ: المكانُ الشديد الحرِّ، وأصحابُ الجحيم مَستَحِقُّوها وملازموها.

ثَمَّ بيَّن الله عُذرَ إبراهيم عن استغفاره في قوله: وَاغفِر لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ بأنَّ ذلك: إنما كان منه لأجلِ وَعدِ إبراهيمَ لأبيه حين قال له سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وقيل: إنَّ الموعدة هي مِن أبي إبراهيم له بِأن يُسلِم، فلمَّا لم يَفِ بها، وتبيَّن له أنَّه لا يُسلِم إمَّا بالوحي وإمَّا بموته على الكفر؛ تبرَّأ منه، كما قال تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ، والقولان لأهل التفسير.

قال القاضي أبو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ: يروى عن عمرو بن دينار أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: استغفَرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشركٌ؛ فلا أَزَالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتّى ينهاني الله (1)، وقال أصحابُهُ: استغفِرُوا

(1) أحكام القرآن لابن العربي (2/ 1021).

ص: 195