الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رواه أحمد (6/ 147)، والبخاري (315)، ومسلم (332)، وأبو داود (314 - 316)، والنسائي (1/ 135 - 137).
* * *
(29) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة
[260]
عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: جَاءَت فَاطِمَةُ بِنتُ أَبِي حُبَيشٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَت: يَا رسولَ الله! إِنِّي امرَأَةٌ أُستَحَاضُ فَلا أَطهُرُ. أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ: لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرقٌ، وَلَيسَ بِالحَيضَةِ.
ــ
وأما فرصة من مسك فالمشهور فيه أنه بفتح الميم، ويراد به الجلد؛ أي: قطعة منه. قال الخطابي: تقديره: قطعة من جلد عليها صوف، وقال أبو الحسن بن سراج: في مُمَسَّكة مجلدة؛ أي: قطعة صوف لها جلد، وهو المسك ليكون أضبط لها، وأمكن لمسح أثر الدم به، قال: وهذا مثل قوله: فرصة مسك.
وقال القتبي: معنى ممسكة: محتملة يُحتشى بها؛ أي: خذي قطعة من صوف أو قطن فاحتمليها وامسكيها لتدفع الدم، وأظنه أنه قال لها: ممسكةً بضم الأولى وتسكين الثانية وتخفيف السين مفتوحة، وقيل فيها: مُمسِكة بكسر السين، اسم فاعل من أمسك، كما قال في الحديث الآخر: أنعتُ لك الكرسُفَ فإنه يذهب الدم) (1) أي: القطن. والأقرب والأليق القول الأول، والله أعلم.
(29)
ومن باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
(قوله: إنما ذلك عرقٌ) دليل لنا على العراقيين في أن الدم السائل من
(1) رواه أحمد (6/ 439)، وأبو داود (287)، والترمذي (128) من حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها.
فَإِذَا أَقبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ. فَإِذَا أَدبَرَت فَاغسِلِي عَنكِ الدَّمَ وَصَلِّي.
رواه أحمد (6/ 82)، والبخاري (306)، ومسلم (333 و 334)، وأبو داود (282 - 298)، والترمذي (125)، والنسائي (1/ 183 و 185).
ــ
الجسد لا ينقض الوضوء، فإنه قال بعد هذا: فاغسلي عنك الدم وصلي، وهذا أصح من رواية من روى: فتوضئي وصلي باتفاق أهل الصحيح، وهو قول عامة الفقهاء. ويعني بقوله: ذلك عرق أي: عرق انقطع فسال، أي: هو دمُ علَّة، ويدل أيضًا على أن المستحاضة حكمها حكم الطاهر مطلقًا فيما تفعل من العبادات وغيرها، فيطؤها زوجها، خلافًا لمن منع ذلك، وهو عائشة وبعض السلف.
و(قوله: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) يدل على أن هذه المرأة مُمَيزةٌ (1)، فإنه عليه الصلاة والسلام أحالها على ما تعرف من تغير الدم، وقد نص على هذا في هذا الحديث أبو داود، فقال: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (2). وبهذا تمسك مالك في أن المستحاضة إنما تعمل على التمييز، فإن عدمته صلت أبدًا، ولم تعتبر بعادة؛ خلافًا للشافعي، ولا تتحيض في علم الله من كل شهر، خلافًا لأحمد وغيره، وهو رد على أبي حنيفة حيث لم يعتبر التمييز.
و(قوله في حديث فاطمة: فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي) لم يختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ، وقد فسره سفيان فقال: معناه إذا رأت الدم بعدما تغتسل تغسل الدم فقط، وقد رواه جماعة وقالوا فيه: فاغسلي عنك
(1) في (م): كبيرة.
(2)
رواه أبو داود (286) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها.
[261]
وَعَنهَا؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنتَ جَحشٍ خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،
ــ
الدم ثم اغتسلي، وهذا ردٌّ على من يقول: إن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وهو قول ابن علية، وجماعة من السلف، وعلى من رأى عليها الجمع بين صلاتي النهار بغُسل واحد، وصلاتي الليل بغسل، وتغتسل للصبح، وروي هذا عن عليّ رضي الله عنه، وعلى من رأى عليها الغسل من ظُهر إلى ظُهر (1)، وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وغيرهم. وقد روي عن سعيد خلافه.
و(قوله: إن أم حبيبة بنت جحش) قال الدارقطني عن أبي إسحاق الحربي: الصحيح قول من قال: أم حبيب، بلا هاء، واسمها: حبيبة. قال الدارقطني: قول أبي إسحاق صحيح. وقال غيره: وقد رُوي عن عمرة عن عائشة: أن أم حبيبة. . الحديث، وهي ختنة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال فيه كثير من رواة الموطأ: زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف. قال أبو عمر ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى وغيره، لم يختلفوا في ذلك عن مالك، وهو وهم من مالك، فإن زينب بنت جحش هي أم المؤمنين، لم يتزوجها قط عبد الرحمن بن عوف، إنما تزوجها أولاً زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أم حبيبة، كما جاء في كتاب مسلم على ما ذكرناه.
وقال أبو عمر: إن بنات جحش الثلاث زينب، وأم حبيبة، وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله، كنَّ يستحضن كلهن، وقيل: إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة، وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه الموعب في شرح الموطأ مثل هذا، وأن اسم كل واحدة منهن زينب، ولقبت إحداهن بحمنة، وكنيت الأخرى بأم حبيبة، وإذا صح هذا فقد برأ الله مالكًا عن الوهم.
(1) قال الخطابي: إنما هو من طهر إلى طهر، وهو وقت انقطاع دم الحيض. وَرَسْمُ بعض الأصول يوافق ما ذهب إليه الخطابي رحمه الله.
(2)
أي: أخت زوجته.
وَتَحتَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، استُحِيضَت سَبعَ سِنِينَ. فَاستَفتَت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ هَذِهِ لَيسَت بِالحَيضَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِرقٌ، فَاغتَسِلِي وَصَلِّي.
قَالَت عَائِشَةُ: فَكَانَت تَغتَسِلُ فِي مِركَنٍ فِي حُجرَةِ أُختِهَا زَينَبَ بنت جَحشٍ. حَتَّى تَعلو حُمرَةُ الدَّمِ المَاءَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: امكُثِي قَدرَ مَا كَانَت تَحبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغتَسِلِي، فَكَانَت تَغتَسِلُ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ.
ــ
و(قوله: ولكن هذا عرق فاغتسلي) قد يتمسك به من يوجب الغسل على المستحاضة من حيث أمرها بالغسل، وعلله بكونه دم عرق، وهذا لا حجة فيه؛ لما بيِّنَ في الرواية الأخرى: أن هذا الغسل إنما هو للحيضة، فإنه قال فيها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وهذا اللفظ قد يتمسك به من يقول: إنها تعتبر عادتها، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحالها على تقدير الحيضة التي عرفت أولها بتغير الدم، ثم تمادى بها بحيث لم تعرف إدباره، فردّها إلى اعتبار حالتها في عدد أيامها المتقدمة، قبل أن تصيبها الاستحاضة، وفارق حال أم حبيبة حال فاطمة بنت أبي حبيش، بأن فاطمة كانت تعرف حيضتها بتغير الدم، في إقباله وإدباره، وأم حبيبة كانت تعرف إقباله لا غير، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فكانت تغتسل في مركن) المركن: الإجَّانة، وهي القصرية التي تغسل فيها الثياب، كانت تقعد فيها فتصب عليها الماء من غيرها، فيستنقع فيها فتعلو حمرة الدم السائل منها الماء، ثم تخرج منها، فتغسل ما أصاب رجليها من ذلك الماء المتغير بالدم.
و(قوله: فكانت تغتسل لكل صلاة) قال الليث: لم يقل ابن شهاب: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته. وقد رواه
رواه أحمد (6/ 83)، والبخاري (327)، ومسلم (334)، وأبو داود (288 - 291)، والترمذي (129)، والنسائي (1/ 181 - 182).
* * *
ــ
ابن إسحاق عن الزهري، وفيه: فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة، ولم يتابع أصحاب الزهري ابن إسحاق على هذا. وأما قول مسلم في الأصل في حديث حماد بن زيد: حرفٌ تركنا ذكره. هذا الحرف هو قوله: اغسلي عنك الدم وتوضئي، ذكره النسائي (1)، وقال: لا نعلمُ أحدًا قال: وتوضئي (2)، في الحديث غير حماد، يعني - والله تعالى أعلم - في حديث هشام.
وقد روى أبو داود وغيره ذكر الوضوء من رواية عدي بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب بن أبي مسكين، قال أبو داود: وكلها ضعيفة (3). ولم ير مالك عليها الوضوء، وليس في حديثه، ولكن استحبه لها في قوله الآخر إما لرواية غيره للحديث، أو لتدخل الصلاة بطهارة جديدة، كما قال في سلس البول. وأوجب عليها الوضوء أبو حنيفة والشافعي وأصحابُهما والليث والأوزاعي، ولمالك أيضًا نحوه، وكلهم مجمعون على أنها لا غسل عليها غير مرة واحدة عند إدبار حيضتها، لكن اختلف في الغسل إذا انقطع عنها دم استحاضتها. واختلف فيه قول مالك رحمه الله.
* * *
(1) رواه النسائي (1/ 181 - 182).
(2)
ساقط من (م).
(3)
انظر سنن أبي داود (1/ 210).