المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ١

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم

- ‌كلمة الناشر

- ‌(1) مقدمة التحقيق

- ‌(2) توثيق التلخيص والمفهم ومنهج المؤلف فيهما

- ‌أولًا - التوثيق:

- ‌ثانيًا - المنهج والأسلوب:

- ‌(3) فوائد إخراج كتاب "المفهم

- ‌ مكانته في شرح صحيح مسلم:

- ‌ أهميته في شرح غريب الأحاديث:

- ‌ تفرّده في تدوين فوائد الأحاديث:

- ‌ أسبقيته في حل الأحاديث المشكلة:

- ‌ إنصافه في عَرْض الآراء المذهبية:

- ‌ لماذا هذه الطبعة؟ وما فائدتها

- ‌(4) وصف النسخ الخطية المعتمدة وخطة التحقيق

- ‌أولًا - نسخ التلخيص:

- ‌ثانيًا - نُسَخ المفهم:

- ‌ثالثًا - خطة تحقيق كتاب "المفهم

- ‌(5) ترجمة المؤلف

- ‌1 - نسبُه ونشأته:

- ‌2 - عالم الإسكندرية:

- ‌3 - الفقيه المُحدِّث:

- ‌ مواقفه وآراؤه:

- ‌5 - شيوخه وتلاميذه:

- ‌6 - كتبه:

- ‌7 - وفاته:

- ‌صور النسخ المخطوطة

- ‌مقدمة كتاب المفهم

- ‌ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم

- ‌(1) بابُ ما تضمَّنتهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب

- ‌(2) بَابُ

- ‌(3) بَابُالنَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ

- ‌(4) بَابُالتَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ

- ‌(5) بَابالإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ

- ‌(6) بَابُ الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم وَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ

- ‌(1) كِتَابُ الإِيمَانِ

- ‌(1) بَابُ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا

- ‌(2) بَابُ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ

- ‌(3) بَابُ مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(4) بَابُ مَبَانِي الإِسلَامِ

- ‌(5) بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا

- ‌(6) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ

- ‌(7) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ

- ‌(8) بَابٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ

- ‌(9) بَابُ مَن لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(10) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ

- ‌(11) بَابٌ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ

- ‌(12) بَابُ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ

- ‌(13) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا

- ‌(14) بَابُ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ

- ‌(15) بَابٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ

- ‌(16) بَابٌ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(17) بَابٌ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(18) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ

- ‌(19) بَابٌ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(20) بَابٌ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ

- ‌(21) بَابُ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ

- ‌(22) بَابُ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ

- ‌(23) بَابٌ نِسبَةُ الاِختِرَاعِ لِغَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ

- ‌(24) بَابٌ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ آيَةُ الإيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ

- ‌(25) بَابُ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ

- ‌(26) بَابُ تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ

- ‌(27) بَابٌ الإِيمَانُ بِاللهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ

- ‌(28) بَابٌ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ

- ‌(29) بَابُ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ

- ‌(30) بَابٌ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ

- ‌(31) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمِنَ مِن إِيمَانِهِ

- ‌(32) بَابٌ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ

- ‌(33) بَابٌ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(34) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ

- ‌(35) بَابٌ مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ

- ‌(36) بَابُ لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ لَهُ

- ‌(37) بَابٌ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ

- ‌(38) بَابُ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ

- ‌(39) بَابٌ الإسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ

- ‌(40) بَابُ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ

- ‌(41) بَابٌ فِي قَولِهِ عز وجل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ

- ‌(42) بَابُ مَا يَهُمُّ بِهِ العَبدُ مِنَ الحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ

- ‌(43) بَابُ استِعظَامُ الوَسوَسَةِ وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ وَالأَمرِ بِالاِستِعَاذَةِ عِندَ وُقُوعِهَا

- ‌(44) بَاب إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ

- ‌(45) بَابُ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ

- ‌(46) بَابُ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَجتَهِد، وَلَم يَنصَح لَهُم لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ، وَمَن نَمَّ الحَدِيثَ لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ

- ‌(47) بَابٌ فِي رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ، وَعَرضِ الفِتَنِ عَلَيهَا

- ‌(48) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود

- ‌(49) باب إعطاء من يخاف على إيمانه

- ‌(50) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وشدة عذابه إذا لم يؤمن

- ‌(51) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به

- ‌(52) باب في قوله تعالى: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا الآية

- ‌(53) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاؤه

- ‌(54) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه

- ‌(55) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم ثانية، وتطهير قلبه، وحشوه حكمة وإيمانًا عند الإسراء

- ‌(56) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا صلى الله عليه وسلم من كرامة الإسراء

- ‌(57) باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال

- ‌(58) باب هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه

- ‌(59) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة

- ‌(60) باب ما خُصَّ به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الشفاعة العامة لأهل المحشر

- ‌(61) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن أدخل النار من الموحدين

- ‌(62) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين

- ‌(63) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار

- ‌(64) باب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة، وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته

- ‌(65) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه في التخفيف عنه

- ‌(66) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة

- ‌(67) باب يدخل الجنة من أمة النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفًا بغير حساب

- ‌(68) باب أمة محمد صلى الله عليه وسلم شطر أهل الجنة

- ‌(2) كتاب الطهارة

- ‌(1) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة

- ‌(2) باب في صفة الوضوء

- ‌(3) باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات

- ‌(4) باب ما يقال بعد الوضوء

- ‌(5) باب توعد من لم يُسبِغ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة

- ‌(6) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره

- ‌(7) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور

- ‌(8) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها

- ‌(9) باب ما يُستَنجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين

- ‌(10) باب ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال

- ‌(11) باب ما جاء في البول قائمًا

- ‌(12) باب المسح على الخفين والتوقيت فيه

- ‌(13) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار

- ‌(14) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث

- ‌(15) باب إذا ولغ الكلب في الإناء أريق الماء، وغسل الإناء سبع مرات

- ‌(16) باب النهي أن يبال في الماء الراكد وصب الماء على البول في المسجد

- ‌(17) باب نضح بول الرضيع

- ‌(18) باب غَسلِ المَنِيّ مِنَ الثَّوبِ وغسلِ دَمِ الحَيضِ

- ‌(19) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء

- ‌(20) باب ما يحل من الحائض

- ‌(21) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه

- ‌(22) باب وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله

- ‌(23) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل

- ‌(24) باب الولد من ماء الرجل وماء المرأة

- ‌(25) باب في صفة غسله عليه الصلاة والسلام من الجنابة

- ‌(26) باب قدر الماء الذي يُغتَسَل به ويُتَوَضَّأُ به واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها

- ‌(27) باب كم يُصَبُّ على الرأس، والتخفيف في ترك نقض الضفر

- ‌(28) باب صفة غسل المرأة من الحيض

- ‌(29) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة

- ‌(30) باب لا تقضي الحائض الصلاة

- ‌(31) باب سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة

- ‌(32) باب ما يستتر به لقضاء الحاجة

- ‌(33) باب ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنزِلُ

- ‌(34) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه

- ‌(35) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن

- ‌(36) باب في الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث

- ‌(37) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت

- ‌(38) باب ما جاء في التيمم

- ‌(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام

- ‌(40) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له

الفصل: ‌(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام

(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام

[289]

عَن شَقِيقٍ؛ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ عَبدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أبو مُوسَى: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلاً أَجنَبَ فَلَم يَجِدِ المَاءَ شهرًا. كَيفَ يَصنَعُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ وَإِن لَم يَجِدِ المَاءَ

ــ

(39)

ومن باب تيمم الجنب

(قوله: لو أن رجلاً أجنب) قال الفراء: يقال: أجنب الرجل وجنب، من الجنابة، قال غيره: يقال: جُنُب؛ للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث. قال ابن فارس: وقد قيل في الجمع: أجناب. والجنابة: البعد، ومنه قوله (1):

فلا تَحرِمَنَّي نائِلاً عن جنابةٍ (2)

. . . . . . . . . . . . . . . .

أي: بعدٍ. قال الأزهري: وسمي: جنبًا؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر فيجتنبها. وقال الشافعي: إنما سمي جنبًا من المخالطة. ومن كلام العرب: أجنب الرجُل: إذا خالط امرأته. وهذا ضد المعنى الأول، كأنه من القُرب منها. وكان مذهب عبد الله بن مسعود: أن الجنب لا يتيمم؛ لأنه ليس داخلاً في عموم فَلَم تَجِدُوا مَاءً؛ ألا تراه قد سلم ذلك لأبي موسى ونحا إلى منع الذريعة، وكأنه كان يعتقد تخصيص العموم بالذَّريعة؛ ولا بُعد في القول به على ضعفه.

وأما عمر بن الخطاب فكان يرى أن الآية لا تتناول الجنب رأسًا؛ فمنعه التيمم لذلك، وتوقف في حديث عمار لكونه لم يذكره حين ذكّره به. وقد

(1) القائل: علقمة بن عبدة.

(2)

هذا صدر البيت وعجزه: فإنِّي امرؤٌ وَسْطَ القباب غريبُ.

ص: 613

شهرًا. فَقَالَ أبو مُوسَى: فَكَيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لَو رُخِّصَ لَهُم فِي هَذِهِ الآيَةِ، لأوشَكَ، إِذَا بَرَدَ عَلَيهِمُ المَاءُ، أَن يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ

ــ

صح عن عمر وابن مسعود: أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمم، وهو الصحيح؛ لأن الآية بعمومها متناولة له، ولحديث عمار، وحديث عمران بن حصين حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال له: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (1)، وهذا نصٌّ رافع للخلاف.

واختلف في الصعيد ما هو؟ فروي عن الخليل: أنه وجه الأرض؛ ويدل عليه قول ذي الرُّمة:

كأنَّه بالضُّحى تَرمِي الصَّعِيدَ به

دَبَّابةٌ في عِظامِ الرَّأسِ خُرطُومُ (2)

فعلى هذا فيجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض باقيًا على أصل أرضيته، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وقد صار عليٌّ رضي الله عنه إلى أنه التراب خاصة، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقَولةٌ شاذَّةٌ عن مالك. وقد استدل أصحاب هذا القول بقوله عليه الصلاة والسلام: وجعلت تربتها لنا طهورًا (3)، ولا حجة فيه؛ لأن التراب جزء مما يتناوله وجه الأرض، فهو مساو لجميع أجزائها، وإنما ذكر التراب لأنه الأكثر، وصار هذا مثل قوله: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ والله أعلم.

و(قوله: لأوشك) أي: لأسرع، وقد تقدم. و (قوله عليه الصلاة والسلام: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) خاطبه بإنما ليحصر له القدر

(1) رواه أحمد (4/ 434)، والبخاري (348)، والنسائي (1/ 171).

(2)

ديوان ذي الرمة (1/ 389).

"دَبَّابةٌ": خمرٌ تدبُّ في العظام. "خرطوم": أول ما ينزل ويُؤخَذ من الدَّنِّ.

(3)

رواه مسلم (522) من حديث حذيفة رضي الله عنه.

ص: 614

أبو مُوسَى لِعَبدِ اللهِ: أَلَم تَسمَع قَولَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَاجَةٍ فَأَجنَبتُ، فَلَم أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ. ثُمَّ أَتَيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَقُولَ بِيَدَيكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيهِ الأَرضَ ضَربَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيهِ، وَوَجهَهُ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: أَوَلَم تَرَ عُمَرَ لَم يَقنَع بِقَولِ عَمَّارٍ؟

وَفِي رِوَايَةٍ: وَضَرَبَ بِيَدَيهِ إلى الأَرضِ، فَنَفَضَ يَدَيهِ، فَمَسَحَ وَجهَهُ وَكَفَّيهِ.

ــ

الواجب، وهو أن يضرب الأرض بيديه، ثم يمسح وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح كفيه. ولم يُختلف أن الوجه كله لا بد من إيعابه.

واختلفوا: هل الواجب أن يبلغ به إلى المرفقين أم يقتصر على الكوعين (1)؟ إنما يستحب الإيصال إلى المرفقين، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه، وهذا مذهب ابن القاسم.

ومسحه الشمال على اليمين مراعاة لحال اليمين حتى تكون هي المبدوء بها. وكونه في هذه الرواية أخر الوجه في الذكر، وكونه في الثانية قدّمَه؛ يدل على عدم ترتيب الواو. ولم ينكر عمر على عمار إنكار قاطع برد الخبر، ولا لأن عمارًا غير (2) ثقة، بل منزلة عمار وعظم شأنه ومكانته كل ذلك معلومٌ، وإنما كان ذلك من عمر؛ لأنه لما نسبه إليه ولم يذكرهُ توقف عمر، ولذلك قال له: نوليك من ذلك ما توليت أي: ما تحملت عهدته مما ذكرتَهُ، حدَّث به إن شئت. وقول عمار: إن شئت لم أحدث، ليس لضعف الحديث، ولا لأن عمارًا شك فيما رأى وروى، وإنما ذلك للزوم الطاعة، وقد صرَّحَ بهِ.

و(قوله: فنفض يديه فنفخ فيهما) حجّةٌ لمن أجاز نفض اليدين من

(1)"الكوع": طرف الزند الذي يلي الإبهام.

(2)

في (ل): ليس.

ص: 615

رواه البخاري (7105 و 7106)، ومسلم (368)، وأبو داود (321)، والنسائي (1/ 170).

[290]

وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبزَى؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجنَبتُ فَلَم أَجِد مَاءً. فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِذ أَنَا وَأَنتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجنَبنَا، ولَم نَجِد مَاءً، فَأَمَّا أَنتَ فَلَم تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيتُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَضرِبَ بِيَدَيكَ الأَرضَ، ثُمَّ تَنفُخَ، ثُمَّ تَمسَحَ بِهِمَا وَجهَكَ وَكَفَّيكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ، يَا عَمَّارُ! قَالَ: إِن شِئتَ لَم أُحَدِّث بِهِ.

فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيتَ.

وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! إِن شِئتَ! لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِن حَقِّكَ، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا.

رواه البخاري (338)، ومسلم (368)، وأبو داود (318 - 328)، والنسائي (1/ 165 - 170).

[291]

وَعَن أَبِي الجَهيمِ بنِ الحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ الأَنصَارِيِّ؛ قَالَ: أَقبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن نحو بِئرِ جَمَلٍ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيهِ. فَلَم يَرُدَّ

ــ

التراب، وهو قول مالك والشافعي؛ دون استقصاء لما فيهما، لكن لخشية ما يضر به من ذلك، من تلويث وجهه أو شيء يؤذيه.

و(قوله في حديث أبي الجهيم (1): أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل) هو موضع معروف بقرب المدينة.

(1) في الأصول والتلخيص وصحيح مسلم: أبي الجهم، وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه.

انظر رجال صحيح مسلم رقم (1982).

ص: 616

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيهِ، حَتَّى أَقبَلَ عَلَى الجِدَارِ فَمَسَحَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ رَدَّ عليه السلام.

رواه أحمد (4/ 169)، والبخاري (337)، ومسلم (369)، وأبو داود (329)، والنسائي (1/ 165) كلهم من حديث أبي الجهيم رضي الله عنه.

[292]

وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبُولُ، فَسَلَّمَ. فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ.

رواه مسلم (370)، وأبو داود (330 و 331)، والترمذي (90)، والنسائي (1/ 36).

* * *

ــ

وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت.

وهذا الحديث يؤخذ منه: أن حضور سبب الشيء كحضور وقته؛ وذلك أنه لما سلم هذا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعين عليه صلى الله عليه وسلم الرد، وخاف الفوت، فتيمم، ويكون هذا حجة لأحد القولين عندنا، أن من خرج إلى جنازة متوضئًا فانتقض وضوؤه أنه يتيمم، وقد روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ: أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم (1) وهو يبول، فلم يَرُدّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كنت كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة (2). وهذا يتمم معنى حديث ابن عمر الآتي وحديث أبي الجهيم هذا. ذكر القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله: أن

(1) ساقط من (ع).

(2)

رواه أبو داود (17).

ص: 617