الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام
[289]
عَن شَقِيقٍ؛ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ عَبدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أبو مُوسَى: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلاً أَجنَبَ فَلَم يَجِدِ المَاءَ شهرًا. كَيفَ يَصنَعُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ وَإِن لَم يَجِدِ المَاءَ
ــ
(39)
ومن باب تيمم الجنب
(قوله: لو أن رجلاً أجنب) قال الفراء: يقال: أجنب الرجل وجنب، من الجنابة، قال غيره: يقال: جُنُب؛ للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث. قال ابن فارس: وقد قيل في الجمع: أجناب. والجنابة: البعد، ومنه قوله (1):
فلا تَحرِمَنَّي نائِلاً عن جنابةٍ (2)
…
. . . . . . . . . . . . . . . .
أي: بعدٍ. قال الأزهري: وسمي: جنبًا؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر فيجتنبها. وقال الشافعي: إنما سمي جنبًا من المخالطة. ومن كلام العرب: أجنب الرجُل: إذا خالط امرأته. وهذا ضد المعنى الأول، كأنه من القُرب منها. وكان مذهب عبد الله بن مسعود: أن الجنب لا يتيمم؛ لأنه ليس داخلاً في عموم فَلَم تَجِدُوا مَاءً؛ ألا تراه قد سلم ذلك لأبي موسى ونحا إلى منع الذريعة، وكأنه كان يعتقد تخصيص العموم بالذَّريعة؛ ولا بُعد في القول به على ضعفه.
وأما عمر بن الخطاب فكان يرى أن الآية لا تتناول الجنب رأسًا؛ فمنعه التيمم لذلك، وتوقف في حديث عمار لكونه لم يذكره حين ذكّره به. وقد
(1) القائل: علقمة بن عبدة.
(2)
هذا صدر البيت وعجزه: فإنِّي امرؤٌ وَسْطَ القباب غريبُ.
شهرًا. فَقَالَ أبو مُوسَى: فَكَيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لَو رُخِّصَ لَهُم فِي هَذِهِ الآيَةِ، لأوشَكَ، إِذَا بَرَدَ عَلَيهِمُ المَاءُ، أَن يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ
ــ
صح عن عمر وابن مسعود: أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمم، وهو الصحيح؛ لأن الآية بعمومها متناولة له، ولحديث عمار، وحديث عمران بن حصين حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال له: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (1)، وهذا نصٌّ رافع للخلاف.
واختلف في الصعيد ما هو؟ فروي عن الخليل: أنه وجه الأرض؛ ويدل عليه قول ذي الرُّمة:
كأنَّه بالضُّحى تَرمِي الصَّعِيدَ به
…
دَبَّابةٌ في عِظامِ الرَّأسِ خُرطُومُ (2)
فعلى هذا فيجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض باقيًا على أصل أرضيته، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وقد صار عليٌّ رضي الله عنه إلى أنه التراب خاصة، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقَولةٌ شاذَّةٌ عن مالك. وقد استدل أصحاب هذا القول بقوله عليه الصلاة والسلام: وجعلت تربتها لنا طهورًا (3)، ولا حجة فيه؛ لأن التراب جزء مما يتناوله وجه الأرض، فهو مساو لجميع أجزائها، وإنما ذكر التراب لأنه الأكثر، وصار هذا مثل قوله: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ والله أعلم.
و(قوله: لأوشك) أي: لأسرع، وقد تقدم. و (قوله عليه الصلاة والسلام: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) خاطبه بإنما ليحصر له القدر
(1) رواه أحمد (4/ 434)، والبخاري (348)، والنسائي (1/ 171).
(2)
ديوان ذي الرمة (1/ 389).
"دَبَّابةٌ": خمرٌ تدبُّ في العظام. "خرطوم": أول ما ينزل ويُؤخَذ من الدَّنِّ.
(3)
رواه مسلم (522) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
أبو مُوسَى لِعَبدِ اللهِ: أَلَم تَسمَع قَولَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَاجَةٍ فَأَجنَبتُ، فَلَم أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ. ثُمَّ أَتَيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَقُولَ بِيَدَيكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيهِ الأَرضَ ضَربَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيهِ، وَوَجهَهُ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: أَوَلَم تَرَ عُمَرَ لَم يَقنَع بِقَولِ عَمَّارٍ؟
وَفِي رِوَايَةٍ: وَضَرَبَ بِيَدَيهِ إلى الأَرضِ، فَنَفَضَ يَدَيهِ، فَمَسَحَ وَجهَهُ وَكَفَّيهِ.
ــ
الواجب، وهو أن يضرب الأرض بيديه، ثم يمسح وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح كفيه. ولم يُختلف أن الوجه كله لا بد من إيعابه.
واختلفوا: هل الواجب أن يبلغ به إلى المرفقين أم يقتصر على الكوعين (1)؟ إنما يستحب الإيصال إلى المرفقين، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه، وهذا مذهب ابن القاسم.
ومسحه الشمال على اليمين مراعاة لحال اليمين حتى تكون هي المبدوء بها. وكونه في هذه الرواية أخر الوجه في الذكر، وكونه في الثانية قدّمَه؛ يدل على عدم ترتيب الواو. ولم ينكر عمر على عمار إنكار قاطع برد الخبر، ولا لأن عمارًا غير (2) ثقة، بل منزلة عمار وعظم شأنه ومكانته كل ذلك معلومٌ، وإنما كان ذلك من عمر؛ لأنه لما نسبه إليه ولم يذكرهُ توقف عمر، ولذلك قال له: نوليك من ذلك ما توليت أي: ما تحملت عهدته مما ذكرتَهُ، حدَّث به إن شئت. وقول عمار: إن شئت لم أحدث، ليس لضعف الحديث، ولا لأن عمارًا شك فيما رأى وروى، وإنما ذلك للزوم الطاعة، وقد صرَّحَ بهِ.
و(قوله: فنفض يديه فنفخ فيهما) حجّةٌ لمن أجاز نفض اليدين من
(1)"الكوع": طرف الزند الذي يلي الإبهام.
(2)
في (ل): ليس.
رواه البخاري (7105 و 7106)، ومسلم (368)، وأبو داود (321)، والنسائي (1/ 170).
[290]
وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبزَى؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجنَبتُ فَلَم أَجِد مَاءً. فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِذ أَنَا وَأَنتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجنَبنَا، ولَم نَجِد مَاءً، فَأَمَّا أَنتَ فَلَم تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيتُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَضرِبَ بِيَدَيكَ الأَرضَ، ثُمَّ تَنفُخَ، ثُمَّ تَمسَحَ بِهِمَا وَجهَكَ وَكَفَّيكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ، يَا عَمَّارُ! قَالَ: إِن شِئتَ لَم أُحَدِّث بِهِ.
فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيتَ.
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! إِن شِئتَ! لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِن حَقِّكَ، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا.
رواه البخاري (338)، ومسلم (368)، وأبو داود (318 - 328)، والنسائي (1/ 165 - 170).
[291]
وَعَن أَبِي الجَهيمِ بنِ الحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ الأَنصَارِيِّ؛ قَالَ: أَقبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن نحو بِئرِ جَمَلٍ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيهِ. فَلَم يَرُدَّ
ــ
التراب، وهو قول مالك والشافعي؛ دون استقصاء لما فيهما، لكن لخشية ما يضر به من ذلك، من تلويث وجهه أو شيء يؤذيه.
و(قوله في حديث أبي الجهيم (1): أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل) هو موضع معروف بقرب المدينة.
(1) في الأصول والتلخيص وصحيح مسلم: أبي الجهم، وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه.
انظر رجال صحيح مسلم رقم (1982).
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيهِ، حَتَّى أَقبَلَ عَلَى الجِدَارِ فَمَسَحَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ رَدَّ عليه السلام.
رواه أحمد (4/ 169)، والبخاري (337)، ومسلم (369)، وأبو داود (329)، والنسائي (1/ 165) كلهم من حديث أبي الجهيم رضي الله عنه.
[292]
وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبُولُ، فَسَلَّمَ. فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ.
رواه مسلم (370)، وأبو داود (330 و 331)، والترمذي (90)، والنسائي (1/ 36).
* * *
ــ
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت.
وهذا الحديث يؤخذ منه: أن حضور سبب الشيء كحضور وقته؛ وذلك أنه لما سلم هذا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعين عليه صلى الله عليه وسلم الرد، وخاف الفوت، فتيمم، ويكون هذا حجة لأحد القولين عندنا، أن من خرج إلى جنازة متوضئًا فانتقض وضوؤه أنه يتيمم، وقد روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ: أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم (1) وهو يبول، فلم يَرُدّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كنت كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة (2). وهذا يتمم معنى حديث ابن عمر الآتي وحديث أبي الجهيم هذا. ذكر القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله: أن
(1) ساقط من (ع).
(2)
رواه أبو داود (17).