الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(25) بَابُ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ
[62]
عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقنَ، وَأَكثِرنَ الاِستِغفَارَ؛ فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ. فَقَالَتِ امرَأَةٌ مِنهُنَّ جَزلَةٌ: وَمَا لَنَا - يَا رسولَ الله - أَكثَرَ أهل النَّارِ؟ قَالَ: تُكثِرنَ اللَّعنَ،
ــ
(25)
وَمِن بَابِ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ
(قوله: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقنَ، وَأَكثِرنَ الاِستِغفَارَ؛ فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ) هذا نداءٌ لجميع (1) نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشادٌ لهنَّ إلى ما سيُخَلِّصُهُنَّ من النار، وهو الصدقةُ مطلقًا، واجبُهَا وتطوُّعُهَا.
والظاهر: أنّ المراد هنا القدرُ المشترَكُ بين الواجبِ والتطوُّع؛ لقوله في بعض طرقه: ولو مِن حُلِيِّكُنَّ (2). والاستغفار: سؤالُ المغفرة، وقد يعبَّر به عن التوبة؛ كما قال تعالى: استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا أي: توبوا، وإنما عبَّر عن التوبةِ بالاستغفارِ؛ لأنَّه إنَّما يصدُرُ عن الندمِ وجل الإصرار، وذلك هو التوبة. فأمَّا الاستغفارُ مع الإصرار، فحالُ المنافقين والأشرار، وهو جديرٌ بالردِّ وتكثيرِ الأوزار، وقد قال بعضُ العارفين: الاستغفارُ باللسانِ توبةُ الكذَّابين.
و(قوله: رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ) أي: اطَّلَعَ على نساءٍ آدميَّات من نوع المخاطَبَات، لا أنفس المخاطبات؛ كما قال في الرواية الأخرى: اطَّلَعتُ عَلَى
(1) ساقط من (ع).
(2)
رواه الترمذي (635 و 636) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
وَتَكفُرنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِذِي لُبٍّ مِنكُنَّ! قَالَت: يَا رسولَ الله وَمَا نُقصَانُ العَقلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: أَمَّا نُقصَانُ العَقلِ:
ــ
النَّارِ، فَرَأَيتُ أكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ (1). فلمَّا سمع النساءُ ذلك، عَلِمنَ أنَّ ذلك كان لسبب ذنبٍ سبَقَ لهنَّ، فبادرَت هذه المرأةُ لجزالتها وشِدَّةِ حرصها على ما يُخَلِّصُ من هذا الأمر العظيم، فسأَلَت عن ذلك، فقالت: وَمَا لَنَا أَكثَرَ أهل النَّارِ؟ ، فأجابها صلى الله عليه وسلم: تُكثِرنَ اللَّعنَ، وتَكفُرنَ العشيرَ، أي: يدور اللعنُ على ألسنتهنَّ كثيرًا لمن لا يجوزُ لعنه؛ وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب، كما قد غَلَبَت بعد ذلك على النساءِ والرجال، حتَّى إنَّهم إذا استحسنوا شيئًا ربَّما لعنوه، فيقولون: ما أشعرَهُ! لَعَنَهُ الله! ! ، وقد حكى بعضهم أنَّ قصيدةَ ابنِ دُرَيدٍ كانت تسمَّى عندهم: الملعونة؛ لأنَّهم كانوا إذا سمعوها، قالوا: ما أشعرَهُ! لعَنَهُ اللهُ! ! ، وقد تقدَّم أنَّ أصل اللعن: الطردُ والبُعد.
والعَشِير: هو المعاشرُ والمخالط مطلقًا، والمرادُ به هنا: الزَّوج، والكفر: كفرانُ الحقوق؛ ويدلُّ على صحَّة الأمرين: حديثُ الموطَّأ، الذي قال فيه: لكفُرهنَ، قيل: أَيَكفُرنَ بالله؟ فقال: يَكفُرنَ العَشِيرَ، وَيَكفُرنَ الإِحسَانَ، لَو أَحسَنتَ إِلَى إِحدَاهُنَّ الدَّهرَ، ثُمَّ رَأَت مِنكَ شَيئًا، قَالَت: مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ (2).
والجَزَالَة: الشهامةُ والجدَّة، مع العقل والرفق؛ قال ابن دُرَيد: الجزالةُ: الوقارُ والعقل، وأصلُ الجزالة: العِظَمُ من كلِّ شيء، ومنه: عطاءٌ جَزلٌ. واللُّبُّ: العقلُ، سمِّي بذلك؛ لأنَّه خلاصةُ الإنسان ولبُّه ولبابُهُ، ومنه سُمِّيَ قلب الحبّ: لُبًّا.
والعقلُ الذي نُقِصَهُ النساء: هو التثبُّتُ في الأمور، والتحقيقُ فيها، والبلوغُ فيها إلى غاية الكمال، وهُنَّ في ذلك غالبًا بخلافِ الرجال.
وأصل العقل: العلمُ، وقد يقال على الهدوءِ والوقارِ والتثبُّتِ في الأمور،
(1) رواه أحمد (4/ 429 و 443)، والبخاري (3241)، والترمذي (2605) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(2)
رواه مالك في الموطأ (1/ 187) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
فَشَهَادَةُ امرَأَتَينِ تَعدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ؛ فَهَذَا نُقصَانُ العَقلِ، وَتَمكُثُ اللَّيَالِيَ وَمَا تُصَلِّي، وَتُفطِرُ فِي رَمَضَانَ؛ فَهَذَا نُقصَانُ الدِّينِ.
رواه أحمد (2/ 66)، ومسلم (79)، وابن ماجه (4003).
* * *
ــ
وللعلماءِ خلافٌ في حَدِّ العقل المشتَرَطِ في التكليف، ليس هذا موضعَ ذكره.
والدِّين هنا يرادُ به: العباداتُ، وليس نقصانُ ذلك في حقِّهنَّ ذمًّا لهنَّ؛ وإنَّمَا ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك مِن أحوالهنَّ على معنى التعجبِ من الرجال، حيثُ يغلبهم مَن نقَصَ عن درجتهم، ولم يبلُغ كمالهم؛ وذلك هو صريحُ قوله عليه الصلاة والسلام: مَا رَأَيتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إِحدَاكُنَّ (1)؛ وذلك نحوا ممَّا قاله الأعشى فيهنَّ:
وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٌ لِمَن غَلَب
ونحو قولهم فيما جرَى مجرى المثل: يَغلِبنَ الكِرَام، ويَغلِبُهُنَّ اللِّئَام. وفيه: ما يدلُّ على أنَّ الحائضَ لا تُصَلِّي ولا تصومُ مُدَّةَ حَيضِها، وهو مجمعٌ عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
* * *
(1) رواه البخاري (304) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.