الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: الحكم عند نصبِهم القتال من غير شبهة
.
إذا نصب أهل الذمة القتال على المسلمين لا يخلو من أمرين: إما أن يكون نصبهم القتال لشبهة، أو لغير شبهة، فإن كان لشبهة؛ كأن أعانوا طائفة من أهل البغي وادَّعوا الجهل، أو صال عليهم طائفة من متلصصي المسلمين وقطاعهم فقاتلوهم دفعًا (1)، أو قاتلوا لظلم ركبهم فلا يكون ذلك نقضًا (2).
أما نصبهم القتال من غير شبهة، إما أن يكونوا منفردين عن البغاة المسلمين، أو يكونوا مع البغاة المسلمين.
فإن كانوا منفردين عن البغاة المسلمين فقد اتفقت المذاهب الأربعة على انتقاض عهدهم بذلك (3)، وهو ما قرره الصيدلاني (4).
أدلتهم:
نفس أدلة القول الثاني في المسألة السابقة. ومنها: لإتيانهم بنقيض عهد الذمة، ولمخالفتهم مقتضى العقد (5).
ويمكن أن يُستدل لهم بنقض يهود بني النضير العهدَ؛ بسبب عزمهم على قتل النبي
(1) انظر: أسنى المطالب (4/ 223)، مغني المحتاج (6/ 83)، نهاية المحتاج (8/ 104).
(2)
انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 149).
(3)
انظر: بداية المبتدي (ص: 122)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (4/ 212)، مختصر خليل (ص: 92)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (2/ 204)، منهاج الطالبين (ص: 314)، مغني المحتاج (6/ 83) شرح منتهى الإرادات (3/ 392)، كشاف القناع (6/ 166).
(4)
في نهاية المطلب (18/ 39): (ولفظ الصيدلاني في الكتاب: "بعض ما يصدر منه نقضٌ للعهد شرط ذلك عليهم أو لم يشرط، مثل منع الجزية، والامتناع عن إجراء أحكام الإسلام عليهم، ونصبِ القتال من غير شبهة"، ونصبُ القتال من غير شبهة أراد به أن يستعين بطائفة من أهل الذمة أهلُ البغي).
(5)
انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 149)، تحفة المحتاج (9/ 302)، مغني المحتاج (6/ 83).
- صلى الله عليه وسلم والغدر به (1).
وأما إذا كانوا قد بغوا مع البغاة المسلمين فللفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا ينتقض عهدهم، وحكمهم فيما فعلوا كحكم البغاة، وهو مذهب الحنفية (2).
القول الثاني: خروج أهل الذمة مع البغاة المتأولين لا يعدُّ نقضًا للعهد، فلا يضمنوا نفسًا ولا مالًا، وإِن قاتلوا مع أهل العصبية المعاندين المخالفين للإمام العدل فهو نقض لعهدهم يوجب استحلالهم مالم يكره الذمي، وإِن كان السلطان غير عدل وخافوا جوره، واستعانوا بأهل العصبية لم يكن ذلك منهم نقضًا لعهد أهل الذمة، وهذا هو مذهب المالكية (3).
وقال المالكية: " (إعانة الذمي للباغي المعاند ناقض للعهد): محله ما لم يكن المعاند أَكْره ذلك الذميَّ على الخروج معه على الإمام، وإلا فلا يكون ناقضًا، لكن إن قَتل ذلك الذميُّ أحدًا قُتل به ولو كان مكرهًا"(4).
القول الثالث: لو استعان البغاة بأهل الذمة في قتالنا نُظر، إن كانوا عالمين بأنه لا يجوز لهم قتالنا، ولم يكرهوا انتقض عهدهم، وحكمهم حكم أهل الحرب، فيقتلون مقبلين ومدبرين، ولو أتلفوا بعد القتال شيئًا لم يضمنوه، وإن كانوا مكرهين لم ينتقض عهدهم.
ويقاتلون مقاتلة أهل البغي، وإن قالوا: ظننا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض، أو أنهم يستعينون بنا على الكفار، أو أنهم المحقون، لم ينتقض، وإن لم يذكروا عذرًا،
(1) انظر: مغازي الواقدي (1/ 364 - 367)، زاد المعاد (3/ 115) وما بعدها.
(2)
انظر: السير الصغير (ص: 230)، المبسوط للسرخسي (10/ 128)، حاشية ابن عابدين (4/ 212).
(3)
انظر: النوادر والزيادات (14/ 549)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (4/ 300)، المختصر الفقهي لابن عرفة (10/ 176)، شفاء الغليل في حل مقفل خليل (2/ 1100).
(4)
انظر: المختصر الفقهي لابن عرفة (10/ 176)، حاشية البناني على شرح الزرقاني (8/ 107)، حاشية الدسوقي (4/ 300)، بلغة السالك (4/ 430).
انتقض عهدهم، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة (1).
وصرح الحنابلة: بأن أهل الذمة والعهد يضمنون ما أتلفوه على المسلمين من نفس ومال، كما لو انفردوا بإتلافه (2).
وظاهر اختيار الصيدلاني: ينتقض عهدهم بذلك (3).
تعليل القول الأول:
1.
إن خروج أهل البغي ليس بناقض للإيمان، فكذلك لا يكون من أهل الذمة ناقضًا للعهد (4).
2.
لأنهم أتباع للبغاة المسلمين، فلهم حكمهم بطريق التبعية (5).
تعليل القول الثاني:
لم أجد لهم ما يستدلون به، وقد يعللون بالقياس على البغاة الذين هم سبب القتال، فهم من لهم تأويل فيأخذون حكمهم.
أما إذا لم يكن تأويل فلم يلحقوا بالبغاة؛ إذ من صفاتهم التأويل، فينقض عهد أهل الذمة حينئذ.
وأما قولهم: وإِن كان السلطان غير عدل وخافوا جوره،
…
الخ؛ لأنه عند المالكية ليس للسلطان غير العدل أن يقاتل البغاة أصلًا؛ لاحتمال أن خروجهم لجوره، وإن لم يجز
(1) انظر: المهذب (3/ 253)، روضة الطالبين (10/ 61)، منهاج الطالبين (ص: 292)، الإنصاف (10/ 319)، شرح منتهى الإرادات (3/ 392)، كشاف القناع (6/ 166).
(2)
انظر: شرح المنتهى (3/ 392)، كشاف القناع (6/ 166)، مطالب أولي النهى (6/ 272).
(3)
في نهاية المطلب (18/ 39): "ولفظ الصيدلاني في الكتاب: "بعض ما يصدر منه نقضٌ للعهد شرط ذلك عليهم أو لم يشرط، مثل منع الجزية، والامتناع عن إجراء أحكام الإسلام عليهم، ونصبِ القتال من غير شبهة"، ونصبُ القتال من غير شبهة أراد به أن يستعين بطائفة من أهل الذمة أهلُ البغي".
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي (10/ 128).
(5)
انظر: السير الصغير (ص: 230)، النهر الفائق (3/ 265)، حاشية ابن عابدين (4/ 264).
الخروج عليه (1). فأهل الذمة يأخذون حكم البغاة هنا، والله أعلم.
تعليل القول الثالث:
1.
أدلتهم في المسائل السابقة من عدم استقامتهم، ومنافاتهم لعقد الذمة ومقتضاه.
2.
قالوا: إذا أعانوا أهل البغي بدون شبهة ولا إكراه ينتقض عهدهم:
أولًا: لأنهم إذا قاتلونا، لزمنا قتالهم، وذلك ضد الأمان (2).
ثانيًا: القياس على ما إذا انفرد أهل الذمة بقتال المسلمين (3).
3.
قولنا: وإن أكرههم البغاة على معونتهم، لم ينتقض عهدهم، وإن ادعوا ذلك، قبل قولهم؛ لأنهم تحت أيديهم وقدرتهم (4).
4.
قولنا: إن قال أهل الذمة ظننا أنهم من أهل العدل، وأنه يجب علينا القتال معهم، يقبل ذلك منهم؛ لأنه ممكن، ولم يتحقق سبب النقض (5).
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- القول الثالث لما يلي:
1.
لأن قتالهم للمسلمين مع البغاة كقتالهم منفردين.
2.
فيه سدٌ لذرائع تقوية الخوارج والبغاة وأهل الذمة بعضهم لبعض لإسقاط أهل الحق، وإن كانوا ظلمة، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما
(1) انظر: المختصر الفقهي لابن عرفة (3/ 175)، شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (8/ 104)، منح الجليل (9/ 195، 199)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (4/ 299)، شرح الخرشي (8/ 60).
(2)
انظر: المغني لابن قدامة (9/ 354).
(3)
انظر: المغني لابن قدامة (8/ 539) شرح المنتهى (3/ 392)، كشاف القناع (6/ 166).
(4)
انظر: المغني لابن قدامة (8/ 539).
(5)
انظر: شرح المنتهى (3/ 392)، مطالب أولي النهى (6/ 272).
ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث (1).
ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين" (2).
(1) ابن الأشعث هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، كان قائدًا عسكريًا أمويًا من أهل الكوفة وأشرافها، وصاحب أعنف الثورات ضد الدولة الأموية، وبايعه فئام من الناس على خلع عبد الملك ونائبه الحجاج بن يوسف، ووافقه على خلعهما خلق كثير من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب، وكان منهم سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.
ولابن الأشعث مع الحجاج وقعات كثيرة، ويقال: إنه خرج مع ابن الأشعث ثلاثة وثلاثون ألف فارس، ومائة وعشرون ألف راجل، فيهم علماء وفقهاء وصالحون، خرجوا معه طوعًا على الحجاج.
واجتمعوا على قتال الحجاج لظلمه وسفكه الدماء.
قال الحافظ ابن عبد البر: "ومن أهل العلم طائفة تكفره"، وقال الحافظ ابن حجر:"وكفَّره جماعة؛ منهم: سعيد بن جبير، والنخعي، ومجاهد، وعاصم بن أبي النجود، والشعبي وغيرهم".
وقيل: كان بين الحجاج وابن الأشعث أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، فكانت منها ثلاث وثمانون على الحجاج، وواحدة له.
وكانت آخر وقعة بدير الجماجم التي دامت مئة وثلاثة أيام، انهزم فيها ابن الأشعث وفرَّ إلى الترك، وقتل من أصحابه ناس كثير، وغرق منهم ناس كثير.
قال ابن جرير الطبري: كانت وقعة دير الجماجم في شعبان سنة اثنتين، وفي قول بعضهم هي سنة ثلاث وثمانين.
انظر: تاريخ الطبري (6/ 334، 346)، التمهيد (10/ 6)، تاريخ الإسلام (2/ 906، 907، 911)، البداية والنهاية (12/ 297، 310، 321، 338)، تهذيب التهذيب (2/ 210 - 211)، الأعلام للزركلي (3/ 324).
(2)
منهاج السنة النبوية (4/ 529 - 530).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمة الحسن بن صالح: "كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر" تهذيب التهذيب (2/ 288).
وقال الإمام النووي رحمه الله في الخروج على أئمة الجور: "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله، مخالف للإجماع، قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه" شرح النووي على مسلم (12/ 229)، وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 247).
* * *