الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: إذا نكح العبد بإذن سيده نكاحًا صحيحًا، ولكن فسَدَ المهر، فهل يتعلق المهر بذمته، أم برقبته، أم بكسبه
؟
معنى ذمة العبد: ما يطرأ له بعد النكاح من مال بصدقة أو هبة أو نحو ذلك، فبه يتعلق المهر والنفقة على الزوجة دون مكاسبه التي هي عوض حركاته بصنعة أو خدمة (1).
في رقبته: أي أن المهر دَين في رقبة العبد يباع فيه، ويُستوفى المهر منه، والسيد يتخير بين تسليمه للبيع وبين فدائه (2).
كسبه: الذي هو عوض حركاته بتجارة أو صنعة أو خدمة (3).
ولتحرير محل البحث سأُجمل ذِكرَ بعض المسائل، وهي كالتالي:
1.
إذا نكح العبد بإذن سيده نكاحًا صحيحًا، وكان المهر صحيحًا.
2.
إذا نكح العبد بإذن سيده نكاحًا صحيحًا، وكان المهر فاسدًا.
3.
إذا نكح العبد بإذن سيده ولم يدخل بها، وكان عقد النكاح فاسدًا.
4.
إذا نكح العبد بإذن سيده ودخل بها قبل التفريق، وكان عقد النكاح فاسدًا.
5.
إذا نكح العبد بغير إذن سيده.
والمسألة المراد بحثها هي المسألة الثانية: إذا نكح العبد بإذن سيده نكاحًا صحيحًا، ولكن فسَدَ المهر، فهل يتعلق المهر بذمته، أم برقبته، أم بكسبه؟
اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن المهر دَين في رقبة العبد يباع فيه منه حال رقِّه، بإذن السيد إلا أن يفديه المولى، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ورواية عن أحمد (4).
(1) المنتقى شرح الموطأ (3/ 339).
(2)
انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (2/ 161)، العناية شرح الهداية (3/ 392)، المغني (4/ 186).
(3)
المنتقى شرح الموطأ (3/ 339).
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 127)، مختصر القدوري (ص: 148)، فتح القدير (3/ 392)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (3/ 203)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (2/ 161)، العناية شرح الهداية (3/ 392)، الفروع وتصحيح الفروع (8/ 326)، الإنصاف (8/ 254).
القول الثاني: أن المهر في ذمة العبد إلا أن يُشترط على السيد، وهو قول الإمام مالك (1).
القول الثالث: أن المهر متعلقٌ بكسب العبد، وهو مذهب الشافعية (2)، ورواية عن أحمد (3)، واختيار الصيدلاني (4).
القول الرابع: أن المهر متعلقٌ بذمة سيده، وهو المشهور عند الحنابلة (5).
القول الخامس: أن المهر متعلقٌ بذمتيهما، وهو رواية عن أحمد (6).
أدلة القول الأول:
1.
كونه دَينًا وجب في رقبة العبد لوجود سببه من أهله، وقد ظهر في حق المولى لصدور الإذن من جهته فيتعلق برقبته (7).
2.
قياسًا على ديون العبد المأذون له في التجارة فيتعلق الدين برقبته (8).
3.
دفعًا للضرر عن المرأة؛ وهذا لأن ذمة العبد ضعيفة فلو لم يتعلق المهر برقبته لتضررت (9).
(1) انظر: المدونة (2/ 134)، الذخيرة للقرافي (4/ 234)، شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 202).
(2)
انظر: الأم (5/ 45)، منهاج الطالبين (ص: 217)، مغني المحتاج (4/ 361)، أسنى المطالب (3/ 95).
(3)
انظر: المغني (7/ 57).
(4)
في العزيز شرح الوجيز (8/ 206)، وروضة الطالبين (5/ 557): "لو أذن سيده في النكاح، فنكح نكاحًا فاسدًا ودخل بها قبل التفريق فهل يتعلق المهر بذمته، أم برقبته، أم بكسبه؟
أقوال. أظهرها الأول. ولو نكح بالإذن صحيحًا، لكن فسد المهر، قال الصيدلاني: تعلق مهر المثل بالكسب قطعا"
(5)
انظر: الفروع وتصحيح الفروع (8/ 326)، منتهى الإرادات (4/ 144)، كشاف القناع (5/ 39).
(6)
المصدر نفسه.
(7)
انظر: العناية شرح الهداية (3/ 392)، فتح القدير (3/ 392)، تبيين الحقائق (2/ 161).
(8)
نفس المراجع.
(9)
نفس المراجع.
دليل القول الثاني:
قالوا: لأنه ليس جناية، فتبقى في ذمته (1).
دليل القول الثالث (2):
1.
أنَّ إذن السيد لعبده بالنكاح إذن باكتساب المهر ودفعه.
2.
تعلق المهر والنفقة في كسبه؛ لأنه لا يخلو: إما أن يتعلق ذلك بذمة السيد، أو برقبة العبد، أو بذمته إلى أن يعتق، أو بكسبه، فبطل أن يقال: يتعلق بذمة السيد؛ لأنه لم يضمن ذلك، وإنما أذن في النكاح، وذلك ليس بضمان.
وبطل أن يقال: يتعلق ذلك برقبة العبد؛ لأنه حق وجب برضا من له الحق، وإنما يتعلق برقبته ما وجب بغير رضا من له الحق.
وبطل أن يقال يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأنه يجب في مقابلة ما يستحقه من الاستمتاع حالًا. فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا تعلقه بكسبه.
دليل القول الرابع:
1.
أنَّ ذلك حق تعلق بالعبد بعقدٍ بإذن سيده ورضاه، فتعلق بذمة السيد كثمن ما اشتراه بإذنه، فإن باعه سيده أو أعتقه لم يسقط الصداق عنه (3).
2.
القياس على أرش جنايته (4).
3.
القياس على دين العبد؛ فإنّ سداده يكون على سيده (5).
دليل القول الخامس:
لم يَنص أصحاب هذا القول على دليل حسب علمي، ولعله مركب من أدلة القول الثاني والرابع.
(1) انظر: الذخيرة للقرافي (4/ 234).
(2)
انظر: الأم (5/ 45)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (9/ 455).
(3)
انظر: المغني (7/ 57)، شرح منتهى الإرادات (3/ 14)، كشاف القناع (5/ 139).
(4)
نفس المراجع.
(5)
نفس المراجع.
الترجيح:
الخلاف قوي كما يظهر، وأرجحها -والعلم عند الله- القول الأول: أن المهر دَين في رقبة العبد، وسيده بالخيار إن شاء باعه وإن شاء فداه، وهو قول أبي حنيفة، وهى إحدى الروايات عن أحمد، وسبب الترجيح أمران:
1.
أن ذمةَ العبد ضعيفةٌ، فلو لم يتعلق المهر برقبته لتضررت الزوجة، كما تقدَّم.
2.
قياسًا على جناية العبد حيث قال علي رضي الله عنه: «ما جنى العبد ففي رقبته، ويخيّر مولاه، إن شاء فداه وإن شاء دفعه» (1).
* * *
(1) انظر: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (5/ 384)، رقم (27179).