الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة: حكم نكاح الأمة فيما لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ وثقلت عليه المِنّة
.
ذكر الفقهاء أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة إلا بشروط (1) منها:
الشرط الأول: ألا يكون تحته زوجة حرة يمكنه أن يستعف بها (2).
الشرط الثاني: أن لا يقدر على نكاح حرة، لعدم الحرة، أو عدم صداقها (3).
الشرط الثالث: ألا يجد ثمن شراء أمة (4).
الشرط الرابع: أن يخشى العنت، وهو الزنا (5).
الشرط الخامس: أن تكون الأمة مسلمة (6).
(1) مع اختلافهم في بعضها.
(2)
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "لا نعلم في هذا خلافًا". المغني (7/ 137)، وانظر: فتح القدير للكمال ابن الهمام (3/ 236)، روضة الطالبين (7/ 129).
(3)
انظر: المعونة (ص: 796)، شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 227)، روضة الطالبين (7/ 129)، تحفة المحتاج (7/ 318)، المغني لابن قدامة (7/ 136)، شرح منتهى الإرادات (2/ 661).
(4)
انظر: شرح منتهى الإرادات (2/ 661)، كشاف القناع (5/ 85).
(5)
انظر: النوادر والزيادات (4/ 518)، الثمر الداني (ص: 454)، روضة الطالبين (7/ 129)، مغني المحتاج (4/ 304)، المغني لابن قدامة (7/ 136)، كشاف القناع (5/ 85).
قال الإمام النووي رحمه الله: "قال الإمام الجويني: ليس المراد بالخوف أن يغلب على ظنه الوقوع في الزنا، بل أن يتوقعه لا على الندور. وليس المراد بغير الخائف أن يعلم اجتنابه، بل غلبة الظن بالتقوى، والاجتناب ينافي الخوف، فمن غلبت عليه شهوته، وضعف تقواه، فهو خائف. ومن ضعفت شهوته، وهو يستبعد الزنا لدين أو مروءة أو حياء، فهو غير خائف. وإن غلبت شهوته، وقوي تقواه، ففيه احتمالان للإمام. أصحهما: لا يجوز نكاح الأمة، وبه قطع الغزالي، لأنه لا يخاف الوقوع في الزنا. والثاني: إن كان ترك الوقاع يجر ضررًا أو مرضًا، فله نكاح الأمة" روضة الطالبين (7/ 131).
(6)
انظر: المغني لابن قدامة (7/ 135)
فإذا حصلت هذه الشروط جاز للحر المسلم أن يتزوج الأمة بالإجماع (1).
والأصل في ذلك قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (2).
والمسألة المراد بحثها: في حكم نكاح الأمة فيما لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ وثقلت عليه المِنّة.
القول الأول: لا تحل له الأمة، وهو قول الشافعية، ووجه عند الحنابلة (3)، واختاره الصيدلاني (4).
(1) انظر: مراتب الإجماع (ص: 64)، المغني لابن قدامة (7/ 135)، الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 12).
(2)
سورة النساء: 25.
"قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} «الطول» : الغنى والسعة في قول الجماعة.
و«المحصنات» : الحرائِر، قال الزجاج: والمعنى: من لم يقدر على مهر الحرّة، يقال: قد طال فلان طَولًا على فلان، أي: كان له فضل عليه في القدرة. والمراد بالفتيات هاهنا: المملوكات، يقال للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وقد سُمّي بهذا الاسم من ليس بمملوك. فأما ذِكر الايمان، فشرْط في إِباحتهن، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية، هذا قول الجمهور، لمفهوم قوله تعالى:{مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} وقال أبو حنيفة: يجوز; لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عُرف في أصوله رحمه الله.
انظر: زاد المسير في علم التفسير (1/ 393)، أضواء البيان (1/ 233 - 238).
(3)
انظر: روضة الطالبين (7/ 130)، أسنى المطالب (3/ 158)، الفروع (8/ 255)، الإنصاف (8/ 141).
(4)
في نهاية المطلب (12/ 259): "لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ فلو ثقلت عليه المِنّة، فهل له أن ينكح أمة؟ فيه اختلاف مشهور بين الأصحاب: فمنهم من لم يوجب عليه تقلّد المِنّة، وأباح له نكاح الأمة.
ومنهم من لم يبح له نكاح الأمة، وهذا هو الذي اختاره الصيدلاني"، وانظر: الوسيط (5/ 119)، المطلب العالي-تحقيق يوسف العمري (ص: 251).
القول الثاني: يجوز له نكاح الأمة، وهو قول الحنابلة ووجه عند الشافعية (1).
دليل القول الأول:
1.
قالوا: لما يترتب على ذلك من ضرر المنة (2).
2.
القياس على ما إذ وجد الماء بثمن بخس لا يتيمم (3).
أدلة القول الثاني:
قالوا: لأن المنة فيه قليلة؛ إذ العادة المسامحة في المهور (4).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم-القول الثاني:
1.
لما عللوه.
2.
ولأنه عند التأمل في علة النهي عن نكاح الأمة نجد أن المفسدة المترتبة على نكاح من رضيت بمهر دون مثلها أهون بكثير من مفسدة نكاح الأمة؛ وذلك:
ا. لأن من نكح أمةً يلحقه من العار أكثر مما يلحقه لو نكح حرة بدون مهر مثلها، هذا مع التسليم بأن فيه عارًا، وإلا فالأصل عدمه؛ إذ من المحتمل أن ييسَّر مهره رغبة فيه.
ب. لأن المنة هنا علة غير مؤثرة في الحكم الشرعي على التحقيق؛ إذ لو أعملناها لأغلقنا كثيرًا من الأنكحة التي تفاوتت فيه الكفاءة بين الزوجين في (العلم أو العقل أو المال أو الغنى أو الجمال أو الحسب والشرف)، مع رضا جميع الأطراف.
ج. ولأنه إذا نكح أمة صار أولاده أرقَّاء، وإذا نكح حرة صار أولاده أحرارًا، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله:"إذا تَزوَّج الحرُّ أمةً رَقَّ نصفُهُ"، يعني صار رقيقًا؛ لأن عياله من هذه الأَمَة يكونون مماليك لسيدها (5).
(1) انظر: نهاية المطلب (12/ 259)، المغني (7/ 137)، الإنصاف (8/ 141) منتهى الإرادات (4/ 94).
(2)
انظر: المغني (7/ 137).
(3)
انظر: أسنى المطالب (3/ 158).
(4)
انظر: روضة الطالبين (7/ 130)، أسنى المطالب (3/ 158).
(5)
انظر: المغني (7/ 137)، الشرح الممتع على زاد المستقنع (12/ 150).
فحينئذٍ نرتكب أهون المفسدتين-إن سلمنا أنها مفسدة- (1).
* * *
(1) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 93)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: 76).