الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: أثر الملامسة في حرمة المصاهرة
.
المصاهرة: مصدر صاهرهم: إذا تزوج إليهم. والصهر بمعنى: المصاهرة. والصهر: مَنْ كان مِنْ أقارب الزوج، أو الزوجة (1).
ويحرم على التأبيد بسبب المصاهرة أربع:
1.
أم الزوجة بنسب أو رضاع (2).
2.
زوجة الابن وابن الابن وإن سفل بنسب أو رضاع.
3.
زوجة الأب والأجداد وإن علوا من قبل الأب والأم جميعًا، وتحرم زوجة الأب من الرضاع.
4.
بنت الزوجة، سواء بنت النسب والرضاع.
وتحرم الثلاث الأوليات بمجرد العقد. وأما الرابعة، وهي بنت الزوجة، فلا تحرم إلا بالدخول بالزوجة (3).
(1) انظر: المطلع (ص: 391)، المصباح المنير (1/ 349).
(2)
تحريم المصاهرة بالرضاع هو قول عامة أهل العلم، وحَكى الإجماع على ذلك الإمام ابن حزم رحمه الله وخالف في ذلك الإمامان ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله -، وقالا: لا يثبت بالرضاع؛ تحريم المصاهرة.
وفي الفتاوى الكبرى نص ابن تيمية رحمه الله على اختياره؛ فقال: "وتحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا على المرأة نكاح أبي زوجها وأمه من الرضاع".
ونقل ابن القيم توقف الإمام ابن تيمية رحمه الله وأنه قال: "إن كان قد قال أحدٌ بعدم التحريم، فهو أقوى".
انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 141)، المدونة (2/ 298)، روضة الطالبين (7/ 111)، منتهى الإرادات (4/ 83)، مراتب الإجماع (ص: 67)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 458)، زاد المعاد (5/ 113 - 114، 495 - 502)، الإنصاف (8/ 114).
ولمناقشة المسألة ينظر: اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية د. فهد اليحيى (8/ 354).
(3)
انظر: نهاية المطلب (12/ 225)، روضة الطالبين (7/ 111).
قال الإمام النووي رحمه الله: "لا تحرم بنت زوج الأم، ولا أمه، ولا بنت زوج البنت، ولا أمه، ولا أم زوجة الأب، ولا بنتها، ولا أم زوجة الابن، ولا بنتها، ولا زوجة الربيب ولا زوجة الراب". روضة الطالبين (7/ 112).
تحرير المسألة:
1.
أجمع العلماء على أن النكاح الحلال الصحيح يُحرِّم أمَّ المرأة أو ابنتها إذا دخل بها (1).
2.
وذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة (2) إلى أن المس بغير شهوة لا يؤثر في حرمة المصاهرة؛ فمن مس امرأة بغير شهوة أو قبَّلها فله أن يتزوج بنتها أو أمها، ويجوز لها الزواج بأصوله أو فروعه، وكذلك من مس أمَّ امرأته أو قبَّلها بغير شهوة لا تحرم عليه امرأته.
أما المس بشهوة فاختلفوا في انتشار الحرمة به على قولين:
القول الأول: إن الملامسة والمباشرة في غير الفرج والتقبيل ولو بشهوة لا يُحرِّم أصول من مسها أو قبَّلها ولا فروعها، زوجة كانت أَمْ أجنبية، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (3).
القول الثاني: أن المس بشهوة يوجب حرمة المصاهرة، وهو قول الحنفية (4)، ووجه
(1) الاستذكار (5/ 463)، الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 17).
(2)
المبسوط للسرخسي (4/ 207)، الفتاوى الهندية (1/ 274)، التاج والإكليل (5/ 109)، حاشية الدسوقي (2/ 251)، منهاج الطالبين (ص: 211)، تحفة المحتاج (7/ 304)، المغني (6/ 400)، الإنصاف (8/ 119).
(3)
التاج والإكليل (5/ 109)، حاشية الدسوقي (2/ 251)، منهاج الطالبين (ص: 211) تحفة المحتاج (7/ 304)، المغني (6/ 400)، الإنصاف (8/ 119).
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي (4/ 207)، فتح القدير (3/ 221)، الفتاوى الهندية (1/ 274)، حاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 32).
قال ابن عابدين: "ولو من أحدهما" أي ولو كان المس بشهوة من أحدهما.
عند الشافعية (1)، ورواية عن أحمد (2) وهو اختيار الصيدلاني (3).
في حاشية ابن عابدين الحنفي (4): "ولو من أحدهما" أي: ولو كان المس بشهوة من أحدهما.
وقد ذهب الحنفية إلى التحريم بالمس بشهوة بشروط (5)، هي:
1 ـ أن يكون المس بدون حائل، أو بحائل خفيف لا يمنع الحرارة.
2 ـ أن يكون المس لغير الشعر المسترسل عن أعضاء الجسم، فإذا كان مسًّا للشعر المسترسل، فإنه لا يحرم به. أما الشعر الملاصق للرأس فإنَّ مسه يثبت المصاهرة المحرمة على الراجح، وكذلك كل جسم المرأة، فإنَّ مسَّه محرِّم، حتى الوجه والكفين والقدمين.
3 ـ أن يكون المس بشهوة مقارنة للمس، فإذا حدثت الشهوة بعد المس لم يحرم المس.
وحَدُّ الشهوة المحرَّمة في مس الرجل المرأة أن تتحرك آلة الرجل، أو تزيد حركتها إذا كانت متحركة من قبل المس، وحَدُّها إذا مست المرأة الرجل أن يتحرك قلبها وتشعر باللذة، ومثل المرأة الشيخ الكبير.
4 ـ أن يغلب على ظن الرجل صدق المرأة إذا أخبرته أنها تلذذت بمسه، ويغلب على ظن أب الرجل وابنه صدقه في قوله إنه تلذذ بمس المرأة، وإلا فلا يثبت التحريم بهذا المس.
5 ـ أن لا ينزل الرجل بالمس، فإذا أنزل به لم يعد المس محرمًا، وذلك لأن المس إنما
(1) انظر: كفاية النبيه في شرح التنبيه (13/ 106).
(2)
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى (2/ 100)، المحرر في الفقه (2/ 19)، الإنصاف (8/ 119).
(3)
في نهاية المطلب (12/ 238 - 239): "في تعلق الحرمة بالملامسة قولان:
…
فأما الملامسة؛ فقد قيّد شيخي والصيدلاني الملامسة بكونها واقعة بالشهوة" يقصد بشيخه والده الإمام عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني رحمه الله ت 438 هـ.
(4)
حاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 32).
قال ابن عابدين: "ولو من أحدهما" أي ولو كان المس بشهوة من أحدهما.
(5)
انظر: فتح القدير (3/ 221)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 32).
حرم لأنه موصل إلى الوطء غالبًا، والوطء محرم عند الحنفية سواء أكان حلالًا أم حرامًا، كما تقدم ـ فكذلك ما أوصل إليه. فإذا أنزل الرجل بالمس فعلًا، علم أنه غير موصل إلى الوطء فلم يعط حكمه، فلم يثبت التحريم به.
6 ـ أن لا تكون الممسوسة دون سن التاسعة، وهي سن الشهوة، وأن يكون الماس من أهل الشهوة أيضًا ـ
وفي المبسوط للسرخسي (4/ 208): "معنى الشهوة المعتبرة في المس والنظر أن تنتشر به الآلة أو يزداد انتشارها، فأما مجرد الاشتهاء بالقلب غير معتبر"(1).
أدلة القول الأول:
1 -
عموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (2).
2 -
قوله تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} (3).
وجه الدلالة:
إن تحريم الرَّبَائب في الآية معلَّقٌ بأمرين (كون الربائب لنسائنا، وكوننا دخلنا على نسائنا)، والمرأة لا تكون مضافة إلينا إلا بالنكاح، فكان الدخول بالنكاح شرط ثبوت
(1) قال ابن الهمام رحمه الله في فتح القدير (3/ 222): "وما ذُكر في حدّ الشهوة من أن الصحيح أن تنتشر الآلة أو تزداد انتشارًا هو قول السرخسي وشيخ الإسلام.
وكثير من المشايخ لم يشترطوا سوى أن يميل قلبه إليها ويشتهي جماعها، وفرع عليه ما لو انتشر فطلب امرأته فأولج بين فخذي بنتها خطأ لا تحرم عليه الأم ما لم يزدد الانتشار. ثم هذا الحدّ في حق الشاب، أما الشيخ والعنين فحدّها تحرك قلبه أو زيادة تحركه إن كان متحركًا لا مجرد ميلان النفس، فإنه يوجد فيمن لا شهوة له أصلًا كالشيخ الفاني، والمراهق كالبالغ، حتى لو مس وأقر أنه بشهوة تثبت الحرمة عليه. وكان ابن مقاتل لا يفتي بالحرمة على هذين؛ لأنه لا يعتبر إلا تحرك الآلة. ثم وجود الشهوة من أحدهما كافٍ، ولم يحدوا الحد المحرم منها في حق الحرمة وأقله تحرك القلب على وجه يشوش الخاطر".
(2)
سورة النساء: 24. انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (9/ 255).
(3)
سورة النساء: 23. انظر: المغني (7/ 120).
الحرمة، والملامسة بدون جماع دخول بلا نكاح، فلا تثبت به الحرمة (1).
ونوقش:
أأن في هذه الآية إثبات الحرمة بالدخول في النكاح، وهذا ينفي الحرمة بالدخول بلا نكاح، فكان هذا احتجاجًا بالمسكوت عنه، ولا يصح الاحتجاج بالمسكوت عنه (2).
ب إن اسم الدخول يقع على الحلال والحرام، أو يحتمل أن يكون المراد الدخول بعد النكاح، ويحتمل أن يكون قبله، فكان الاحتياط هو القول بالحرمة، وإذا احتمل هذا واحتمل هذا فلا يصح الاحتجاج به (3).
ج- في هذه الآية الحجة على إثبات الحرمة بالمس؛ لأنه ذكر الدخول بهن، وحقيقة الدخول بالشيء عبارة عن إدخاله في العورة إلى الحصن، فكان الدخول بها هو إدخالها في الحصن، وذلك بأخذ يدها أو شيء منها؛ ليكون هو الداخل بها، فأما بدون ذلك فالمرأة هي الداخلة بنفسها، فدل أن المس موجب للحرمة أو يحتمل الوطء ويحتمل المس، فيجب القول بالحرمة احتياطًا (4).
3 -
قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} (5).
فأثبت الله تعالى الصهر في الموضع الذي أثبت فيه النسب، فلما لم يثبت بالزنا النسب لم يثبت به الصهر (6).
4 -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يَتْبَعُ المرأةَ حرامًا، أينكح أمها؟ أو يَتْبَعُ الأم حرامًا، أينكح ابنتها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يحرِّم الحرامُ الحلال، إنما يُحرِّم ما كان بنكاح حلال» (7).
(1) انظر: بدائع الصنائع (2/ 261)، الأم للشافعي (5/ 164).
(2)
انظر: بدائع الصنائع (2/ 261).
(3)
نفس المصدر.
(4)
نفس المصدر.
(5)
سورة الفرقان: 54.
(6)
انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (9/ 255).
(7)
روي من حديث عائشة ومن حديث ابن عمر رضي الله عنهم.
فأما حديث عائشة فأخرجه ابن حبان في "المجروحين"(2/ 98 - 99) والطبراني في "الأوسط"(5/ 104)، وابن عدي في الكامل (6/ 271)، والدراقطني في سننه (4/ 400)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 274) من طرق عن عثمان بن عبد الرحمن الزهري الوقّاصي عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة مرفوعًا.
والوقاصي كذبه ابن معين، وقال البخاري وأبو حاتم والنسائي:"متروك"، وقال ابن المديني:"ضعيف جدًا".
وقال ابن حبان: "كان يروي عن الثقات الموضوعات لا يجوز الاحتجاج به"، وقال ابن عدي:"وعامة أحاديثه مناكير إما إسناده أو متنه منكرًا" قال أبو حاتم: "هذا حديث باطل، والمغيرة بن إسماعيل وعمر هذا: هما مجهولان". وقال الألباني: "باطل".
وروى عبد الرزاق في مصنفه (7/ 199) عن معمر، عن الزهري قال: قلت لابن شهاب، أتأثره عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكر أن يكون حدثه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سمعه من أناس من الناس.
انظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (4/ 63)، المجروحين لابن حبان (2/ 98)، الكامل في ضعفاء الرجال (6/ 273)، الكاشف (2/ 3717)، تهذيب التهذيب (7/ 134)، سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 565) رقم (388).
وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب لا يحرم الحرام الحلال رقم (2015)، والدارقطني في سننه (4/ 401)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان"(1/ 200)، والبيهقي في السنن (7/ 274) من طريق إسحاق بن محمد الفَرْوي ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا "لا يحرم الحرام الحلال" وضعفه البوصيري والألباني لأجل عبد الله بن عمر العمري.
انظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (2/ 123)، سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 564) رقم (385).
(1) انظر الحاشية السابقة، وبدائع الصنائع (2/ 261).
(2)
رواه والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 274)، وبنحوه رواه سعيد بن منصور في سننه (1/ 441)، في كتاب الطلاق، باب الرجل يفجر بالمرأة، أله أن يتزوج بها أو يتزوج أمها، رقم (1722).
ونوقش:
بأن رواية علي رضي الله عنه منقطعة (1).
6 -
سئل ابن عباس رضي الله عنهما في رجل غشي أم امرأته قال: «تخطى حرمتين ولا تحرم عليه امرأته» (2).
7 -
القياس على إجماع الفقهاء على جواز نكاح الزاني المرأة التي زنا بها إذا استبرأها، فنكاح أمّ المزني بها وابنتها أحرى (3)، ونكاح أم الملموسة وابنتها أحرى وأولى.
ونوقش:
بعدم التسليم بهذا القياس؛ ذلك أن نكاح الزاني للزانية لا يلزم من جوازه جواز نكاح أمها وابنتها؛ ذلك أن الشخص لو تزوج امرأةً ثم طلقها ثم أراد الزواج بها مرة أخرى فذلك جائز بالاتفاق، ومع هذا فلا يجوز له بالإجماع نكاح أمها في هذه الحال.
فإذًا قد يجوز نكاح أمها أو ابنتها، فضلًا عن أن يكون أولى (4).
8 -
أن حرمة المصاهرة تثبت بما يؤثر في إثبات النسب والعدة، وليس للمس والتقبيل عن شهوة تأثير في إثبات النسب والعدة، فكذلك في إثبات الحرمة (5).
9 -
القياس على النكاح الفاسد؛ فإن التقبيل والمس في النكاح الفاسد لا يُجعل
(1) قال البيهقي: رواه الزهري عن علي مرسلًا، يعني منقطعًا؛ وقد ولد الزهري بعد وفاة علي رضي الله عنه بعشر سنوات؛ فقد ولد سنة خمسين وقيل بعدها، ومات علي رضي الله عنه سنة أربعين.
انظر: معرفة السنن والآثار (10/ 115)، تهذيب الكمال (26/ 440)، تقريب التهذيب (ص: 402).
(2)
رواه البخاري معلقًا في كتاب النكاح، باب ما يحل من النساء وما يحرم، ووصله عبد الرزاق في مصنفه (7/ 197)، وسعيد بن منصور في سننه (1/ 440)، وابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 491)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 273)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في "الفتح"(9/ 156)، والألباني في إرواء الغليل (6/ 287) وقال:"إسناد صحيح على شرط الشيخين".
(3)
انظر: الاستذكار (5/ 464).
(4)
انظر: اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية (8/ 363) د. فهد اليحيى.
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي (4/ 207).
كالدخول في إيجاب المهر والعدة (1).
10 -
القياس على إيجاب الحل للزوج الأول؛ فمن بانت منه زوجته بالطلاق الثلاث فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ولا تحل له بمجرد الملامسة، بل لا بد من الجماع، فكذا هنا، فلا تحرم المصاهرة بالملامسة (2).
أدلة القول الثاني:
1.
روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا جامع الرجل المرأة، أو قبَّلها بشهوة، أو لمسها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وابنتها» (3).
(1) المصدر السابق.
(2)
المصدر السابق.
(3)
انظر: المبسوط للسرخسي (4/ 207).
لم أجده بهذا اللفظ.
وقد ورد في مصنف ابن أبي شيبة (3/ 481)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 275) عن الحجاج بن أرطاة عن أبي هانئ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نظر إلى فرج امرأة، لم تحل له أمها، ولا ابنتها» .
قال البيهقي: "رواه الحجاج بن أرطاة، عن أبي هانئ، أو أم هانئ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا منقطع ومجهول وضعيف؛ الحجاج بن أرطاة لا يحتج به فيما يسنده فكيف بما يرسله عمن لا يعرف، والله أعلم".
وضعفه ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/ 627)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (9/ 156)، والألباني في السلسلة الضعيفة (13/ 252) رقم (6110)، وقال:"منكر".
وقد جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال: «إذا قبَّل الرجل المرأة من شهوة، أو مسها، أو نظر إلى فرجها لم تحل لأبيه، ولا لابنه» رواه عبد الرزاق في مصنفه (6/ 278).
ورواه الدارقطني في سننه (4/ 402) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ "لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها"، قال الدارقطني:"موقوف، ليث وحماد ضعيفان"، وضعفه البيهقي في السنن الكبرى (7/ 275).
2.
قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نظر إلى فرج امرأة، لم تحلَّ له أمها، ولا ابنتها» (1). فلما ثبتت الحرمة بالنظر فبالمس أولى (2).
3.
لقول الله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} (3).
وجه الدلالة:
في هذه الآية حجة على إثبات الحرمة بالمس؛ لأنه ذكر الدخول بهن، وحقيقة الدخول بالشيء عبارة عن إدخاله في العورة إلى الحصن، فكان الدخول بها هو إدخالها في الحصن، وذلك بأخذ يدها أو شيء منها؛ ليكون هو الداخل بها.
أما بدون ذلك، فالمرأة هي الداخلة بنفسها فدل أن المس موجب للحرمة أو يحتمل الوطء ويحتمل المس، فيجب القول بالحرمة احتياطًا (4).
4.
ولأن المس والتقبيل سبب يتوصل به إلى الوطء، فإنه من دواعيه ومقدماته، فيقام مقامه في إثبات الحرمة، كما أن النكاح الذي هو سبب الوطء شرعًا يقام مقامه في إثبات الحرمة إلا فيما استثناه الشرع وهي الربيبة (5).
ويناقش:
أن القياس مع الفارق، فعقد النكاح حلال، والملامسة هنا حرام، والنفاذ فرع عن الصحة.
5.
قالوا: ولأن الحرمة تنبني على الاحتياط؛ فيقام السبب الداعي إلى الوطء فيه مقام الوطء احتياطًا، وإن لم يثبت به سائر الأحكام، كما تقام شبهة البعضية بسبب
(1) انظر: الحاشية السابقة.
(2)
انظر: المبسوط للسرخسي (4/ 207)، بدائع الصنائع (2/ 260 - 261).
(3)
سورة النساء: 23.
وقد قدموا الاستدلال بالحديث على الآية؛ لأن الحديث أصرح دلالة عندهم، وهذا صنيع بعض الفقهاء.
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي (4/ 207)، بدائع الصنائع (2/ 260 - 261).
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي (4/ 207)، بدائع الصنائع (2/ 260 - 261).
الرضاع مقام حقيقة البعضية (1) في إثبات الحرمة دون سائر الأحكام (2).
وكما أقيم النوم المفضي إلى الحدث مقام الحدث في انتقاض الطهارة احتياطًا لأمر الصلاة، والقبلة والمباشرة في التسبب والدعوة أبلغ من النكاح، فكان أولى بإثبات الحرمة (3).
ويناقش:
بأن ثبوت الحرمة بالرضاع علته الرضاع، وأما شبهة البعضية فهي حِكمة من حِكَم ثبوت الحرمة بالرضاع، كما أن العلة في الترخص في السفر هو السفر، أما المشقة فهي حكمة غير مؤثرة في الحُكم؛ فقد يسافر ولا يجد مشقة ومع ذلك جاز له الترخص برخص السفر.
هذا إذا سلمنا أن الحكمة شبهة البعضية.
وأما القياس على النوم المفضي إلى الحدث مقام الحدث في انتقاض الطهارة احتياطًا لأمر الصلاة، فهو قياس مع الفارق؛ فإن النائم ينتقض وضوؤه لاحتمال الحدث، والعلة في الحدث وجود الحدث.
أما هنا ليست العلة في التحريم مجرد الملامسة، بل عقد النكاح (والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا).
الترجيح:
بعد التأمل يظهر- والله أعلم- رجحان القول الأول لقول الله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ
(1)"الرضاع من أسباب التحريم، وهو بمنزلة النسب في ثبوت الحرمة؛ لأن ثبوت الحرمة بالنسب لحقيقة البعضية أو شبهة البعضية، وفي الرضاع شبهة البعضية بما يحصل باللبن الذي هو جزء الآدمية في إنبات اللحم وإنشاز العظم وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» ". المبسوط للسرخسي (5/ 132).
(2)
نفس المصدر.
(3)
بدائع الصنائع (2/ 260 - 261).
مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (1)، ولا معارض لها، وكما قال مسروق رحمه الله:"ما أرسل الله فأرسلوه، وما بيَّن فاتبعوه"(2)، وهذه الآية نص عام في المسألة، ولا اجتهاد ولا قياس مع النص، واتفق العلماء على أن دلالة العام قطعية على أصل المعنى، وعند الحنفية أن دلالة العام على أفراده قطعية أيضًا، توجب الحكم بعمومه قطعًا (3).
ويؤيد عموم الآية فتوى حَبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
* * *
(1) سورة النساء: 24.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 484)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 259) وصحح إسناده الألباني في الإرواء (6/ 285).
وتمامه: "قال مسروق، في قول الله عز وجل: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [سورة النساء: 23]: "ما أرسل الله، فأرسلوه وما بين فاتبعوه، ثم قرأ:{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [سورة النساء: 23] قال: فأرسل هذه وبين هذه".
(3)
انظر: أصول السرخسي (1/ 132)، البحر المحيط في أصول الفقه (4/ 35)، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (ص/420).
قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «حاصله: أن التحقيق ومذهب الجمهور وجوب اعتقاد العموم والعمل به من غير توقف على البحث عن المخصص؛ لأن اللفظ موضوع للعموم فيجب العمل بمقتضاه، فإن اطلع على مخصص عمل به» مذكرة في أصول الفقه ص 261.