الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: لو أقام المدعي بينة على الملك المطلق، وأقام صاحب اليد بينة على أن الدار ملكُه اشتراها من المدعي
.
"أراد بالملك المطلق: أن يدعي الملك من غير أن يتعرض للسبب؛ بأن يقول: هذا ملكي، ولا يقول: هذا ملكي بسبب الشراء أو الإرث أو نحو ذلك؛ هذا لأن المطلق ما يتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، وقُيِّد الملك بالمطلق احترازًا عن المقيد بدعوى النتاج، وعن المقيد بما إذا ادعيا تلقي الملك من واحد وأحدهما قابض، وبما إذا ادعيا الشراء من اثنين وأرّخا وتاريخ ذي اليد أسبق، فإن في هذه الصورة تقبل بينة ذي اليد بالإجماع"(1).
ومن ادعى شيئًا في يد غيره، فأنكر صاحب اليد الدعوى، ولكل واحد منهما بينة، فإن بينة المدعي تسمى بينة الخارج، وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل (2).
والدعوى في اللغة: إضافة الإنسان إلى نفسه شيئًا، ملكًا، أو استحقاقًا، أو صفقة، أو نحو ذلك (3).
ولما كان مدار القضاء وعموده والفصل بين الخصوم هو التمييز بين المدعِي والمدَّعى عليه، اهتم الفقهاء في تعريفهما في الشرع:
فقال بعضهم: المدعي: من لا يُجبَر على الخصومة إذا تركها. والمدعى عليه: من يُجبَر على الخصومة (4).
وقيل: المدعي: من تجردت دعواه عن أمر يصدّقه، أو كان أضعف المتداعيين أمرًا في الدلالة على الصدق، واقترن بها ما يوهنها عادة (5).
(1) فتح القدير للكمال ابن الهمام (8/ 173 - 174)، حاشية ابن عابدين (5/ 570).
(2)
انظر: المغني (10/ 245).
(3)
انظر: المعجم الوسيط (1/ 287)، المغني (10/ 242).
(4)
انظر: مختصر القدوري (ص: 214)، الهداية في شرح بداية المبتدي (3/ 154)
(5)
انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (3/ 1075)، التاج والإكليل لمختصر خليل (8/ 122)
وقيل: المدعي: من يدعي أمرًا خفيًا يخالف الظاهر، والمدعى عليه: من يوافق قولُه الظاهرَ (1).
وقيل: المدعي: إضافته إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره، أو في ذمته.
والمدعى عليه: مَنْ يضاف إليه استحقاق شيء عليه (2).
وقيل المدعي: مَنْ إذا سكت عن الطلب تُرك، والمدعى عليه: مَنْ إذا سكت عن الجواب لم يُترك (3).
لو أقام المدعي بينة على الملك المطلق، وأقام صاحب اليد بينة على أن الدار ملكُه اشتراها من المدعي.
وهذه المسألة من صور تعارض البينات.
اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول: بينة المدعي أولى بالقبول، وهو قول الحنفية والحنابلة (4).
القول الثاني: تُقدَّم بينة صاحب اليد، وهو قول المالكية والشافعية (5)، واختاره الصيدلاني (6).
(1) انظر: روضة الطالبين (12/ 7)، مغني المحتاج (6/ 404).
(2)
انظر: المغني لابن قدامة (10/ 242)، كشاف القناع (6/ 384).
(3)
نفس المراجع.
(4)
انظر: بدائع الصنائع (6/ 232)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (5/ 570)، الإنصاف (11/ 380)، الإقناع (4/ 423).
(5)
انظر: المدونة (4/ 45)، النوادر والزيادات (9/ 368)، روضة الطالبين (12/ 60)، منهاج الطالبين (ص: 354).
(6)
في نهاية المطلب (19/ 97): "لو أقام المدعي بيّنة على الملك المطلق، وأقام صاحب اليد بينة على أن الدار ملكُه اشتراها من المدعي، فقد قال الصيدلاني: صاحب اليد أَولى في هذه الصورة".
أدلة القول الأول:
1.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (1). فجعل البينة حجة المدّعي، وذو اليد ليس بمدعٍ، فلا تكون البينة حجته، والدليل على أنه ليس بمدع لأن المدعي: اسم لمن يُخبر عما في يد غيره لنفسه. والموصوف بهذه الصفة هو الخارج-أي المدِّعي- لا ذو اليد؛ لأنه يخبر عما في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعيًا، فالتحقت ببينته بالعدم فبقيت بينة الخارج بلا معارض، فوجب العمل بها (2).
ونوقش:
بأنَّ قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» يقتضي أنه ليس للمدعى عليه بينة، ولو أخذنا بظاهر الحديث لقلنا في المسألة التي ذكرتم: إنه إذا كان للمدعى عليه بينة سقطت اليمين.
وهذا لا يصح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل اليمين على المدعى عليه، وأنتم تقولون: إذا كان له بينة لا حاجة لليمين، فتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد دعوى فيها بينة للمدعي، وليس فيها بينة للمدعى عليه، وحينئذٍ ما يبقى إلا اليمين إذا لم يكن لديه بينة. ولم يُرد الرسول عليه الصلاة والسلام إذا تعارضت البينتان، فإنّ مقتضى الشرع القيام بالعدل، والقيام بالعدل أن نقول: كل بينة عارضت الأخرى أسقطتها، فيبقى كأن الرجلين ليس معهما بينة، وحينئذٍ نرجع إلى الأصل، ونقول للمدعى عليه وهو الداخل: احلف، فإذا حلف قُضي بأن العين التي بيده له، وألغيت الدعوى (3).
(1) أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في السنن الكبرى (10/ 427)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ:"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، وهو في الصحيحين بلفظ:«لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» واللفظ لمسلم، رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ} [آل عمران: 77]، رقم (4552)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية: باب اليمين على المدعى عليه، رقم (1711).
(2)
انظر: بدائع الصنائع (6/ 232)، المغني (10/ 246).
(3)
انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (15/ 388).
2.
ولأن بينة الخارج -المدِّعي- أظهرت له سبق الملك، فكان القضاء بها أولى، كما إذا وقتت البينتان نصًا ووقتت بينة الخارج دلالة، ودلالة الوصف أنها أظهرت له سبق اليد؛ لأنهم شهدوا له بالملك المطلق (1).
3.
ولا تحل لهم الشهادة بالملك المطلق إلا بعلمهم به، ولا يحصل العلم بالملك إلا بعد العلم بدليل الملك، ولا دليل على الملك المطلق سوى اليد، فإذا شهدوا للخارج فقد أثبتوا كون المال في يده، وكون المال في يد ذي اليد ظاهرًا ثابت للحال، فكانت يد الخارج سابقة على يده، فكان ملكه سابقًا ضرورة، وإذا ثبت سبق الملك للخارج يقضي ببينته؛ لأنه لما ثبت له الملك واليد في هذه العين في زمان سابق، ولم يعرف لثالث فيها يد وملك علم أنها انتقلت من يده إليه، فوجب إعادة يده وردّ المال إليه، حتى يقيم صاحب اليد الآخر الحجة أنه بأي طريق انتقل إليه، كما إذا عاين القاضي كون المال في يد إنسان ويدعيه لنفسه، ثم رآه في يد غيره، فإنه يأمره بالرد إليه إذا ادعاه ذلك الرجل إلى أن يبين سببًا صالحًا للانتقال إليه، وكذا إذا أقر المدَّعَى عليه أنَّ هذا المال كان في يد المدَّعي، فإنه يؤمر بالرد إليه إلى أن يبين بالحجة طريقًا صالحًا للانتقال إليه، كذلك هذا، وصار كما إذا أرَّخَا نصًا، وتاريخُ أحدهما أسبق؛ لأن هذا تاريخ من حيث المعنى (2).
نوقش بأن:
الأصل عدم الانتقال، وحينئذٍ تبقى العين في يد المدَّعى عليه مع اليمين (3).
4.
ولأن بينة المدَّعي أكثر فائدة، فوجب تقديمها، كتقديم بينة الجرح على التعديل. ودليل كثرة فائدتها، أنها تُثبت شيئًا لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرًا تدل اليد عليه، فلم تكن مفيدة (4).
5.
ولأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف، فإن ذلك جائز عند كثير من أهل العلم، فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة، فتُقدَّم عليها بينة المدعي،
(1) انظر: بدائع الصنائع (6/ 232).
(2)
نفس المرجع.
(3)
انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (15/ 388).
(4)
انظر: المغني (10/ 246).
كما تقدم على اليد، كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل، لم تكن لهما مزية عليهما (1).
أدلة القول الثاني:
1.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (2).
2.
ما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ناقة، فقال كل واحد منهما نُتجت هذه الناقة عندي وأقام بينة، «فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده» (3). فهذا يدل على أن جانب المدَّعى عليه أقوى؛ لأن الأصل معه، ويمينه تقدم على يمين المدَّعي (4).
3.
ولأن المدَّعى عليه مع بينته زيادة علم، وهو الانتقال (5).
4.
ولأنه عند الإطلاق مقدم، فهنا أولى (6).
5.
جانب المدعى عليه أقوى؛ لأن الأصل معه، ويمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان تساقطتا، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، ووجب إبقاء يده على ما فيها، وتقديمه، كما لو لم تكن بينة لواحد منهما (7).
كما لو اختلف الجماعة على الإمام فقال بعضهم: سبحان الله، يريدون أن يقوم، وقال آخرون: سبحان الله، يريدون أن يجلس، قال العلماء: يسقط قولهما جميعًا، ويرجع
(1) انظر: المغني (10/ 246).
(2)
تقدم قريبًا، رواه البيهقي وأصله في الصحيحين.
(3)
رواه الشافعي في مسنده (2/ 180)، والدارقطني في سننه (5/ 373)، والبيهقي في السنن الصغير (4/ 190) واللفظ للدارقطني. وإسناده ضعيف، "فيه زيد بن نعيم، الراوي عن محمد بن الحسن لا يعرف في غير هذا الحديث"، قاله الذهبي في ميزان الاعتدال (2/ 106)، وقال ابن القطان في كتاب «الوهم والإيهام»:"هو رجل لا يعرف حاله". وانظر: البدر المنير لابن الملقن (9/ 695).
(4)
انظر: المغني لابن قدامة (10/ 245).
(5)
انظر: روضة الطالبين (12/ 60).
(6)
نفس المرجع.
(7)
انظر: المغني لابن قدامة (10/ 245).
الإمام إلى ما في نفسه، وهنا لما تعارضت البينتان تساقطتا، فقلنا للخارج: نلغي بينتك وللداخل نلغي بينتك، ويبقى اليمين على مَنْ أنكر، فيحلف المدَّعى عليه بأنها له، ولم ينتقل ملكه عنها، وتكون له (1).
الترجيح:
الأدلة فيها تكافؤ، والعمل بأثر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أولى، وإن كان فيه ضعف، فهو أقدم ما دُوّن نصًا في المسألة، فهو قول صحابي، واحتمال صحته في نفس الأمر وارد، وإن وصل إلينا ضعيفًا، والأصل انتقال المال إلى مَنْ بيده الدار، والناقل مقدّم على الأصل، كما هو قول الجمهور والمشهور عند الأصوليين (2)، والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
* * *
(1) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (15/ 388).
(2)
وهو الصحيح كما قاله الغزالي وابن السمعاني وغيرهما. انظر: المحصول للرازي (5/ 433)، البحر المحيط في أصول الفقه (8/ 221)، مذكرة في أصول الفقه (ص: 387)، التحبير شرح التحرير (8/ 4195).