الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: إن عفا المبذِّر عن الدية
.
التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق: أن بينهما فرقًا؛ وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير: صرفه فيما لا ينبغي (1).
وقال الماوردي: "السرف: هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير: هو الجهل بمواقع الحقوق. وكلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف يخطئ في الزيادة، والمبذر يخطئ في الجهل"(2).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه ليس من الإسراف صرف المال إلى وجوه الخيرات (3)، ومن رشيق كلام بعض المتقدمين:"لا خير في السرف ولا سرف في الخير"(4).
ويرى بعض الفقهاء أن الإسراف كما يكون في الشر، يكون في الخير، فمن الإسراف
(1) الكواكب الدراري (2/ 169)، فيض القدير (1/ 51)، حاشية ابن (6/ 759 - 760).
(2)
أدب الدنيا والدين (ص: 187).
(3)
انظر: نهاية المطلب (6/ 438)، الوسيط في المذهب (4/ 39)، تفسير القرطبي (7/ 110)، مفاتيح الغيب (13/ 165).
(4)
نهاية المطلب (6/ 438).
وقيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. وجاء عن بعض الشافعية أنها من قول الحسن بن سهل. وأعدها بعضهم من بلاغات الزمخشري، والذي في الكشاف نسبه إلى مجاهد، ولفظ مجاهد عند غير الزمخشري:"لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبًا في طاعة الله ما كان سرفًا، ولو أنفقت صاعًا في معصية الله كان سرفًا". وقد ناقش هذه المقالة القرطبي في تفسيره.
ونسب بعض الشافعية إلى سفيان الثوري أنه قال: الحلال لا يحتمل السرف.
انظر: تفسير ابن أبى حاتم (5/ 1465)، جامع البيان - تفسير الطبري (19/ 299)، الكشاف (2/ 661)، تفسير القرطبي (7/ 110)، مفاتيح الغيب (13/ 165)، مغني المحتاج (1/ 393)، حاشية إعانة الطالبين (4/ 70).
عندهم مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال (1).
وهذه المسألة فيما إن عفا المبذِّر عن الدية متفرعة عن مسألة حكم الحجر على السفيه.
وهل عفو السفيه نافذ أو ليس له ذلك؟
والمراد بالمبذّر هنا من كان بالغًا.
والمبذر في الأموال يعدّ سفيهًا عند الفقهاء؛ لأن السفه: تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل (2).
ولهذا جرى على لسان الفقهاء: أن السفه هو التبذير، والسفيه هو المبذر (3).
وعلاقة التبذير بالسفه هي علاقة السبب بالمسبب؛ فمن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفًا لا لغرض أو عوض لا يعده العقلاء من أهل الديانة عوضًا (4).
وللعلماء في مسألة حكم عفو المبذِّر عن الدية ثلاثة أقوال:
القول الأول: عفو المبذر نافذ، وهو مقتضى قول أبي حنيفة (5).
القول الثاني: ليس للمبذِّر العفو عن الدية، ولا أثر لقوله، ولا حكم لعفوه. وهو
(1) انظر: تفسير الطبري (9/ 614)، زاد المسير في علم التفسير (2/ 85)، تفسير ابن كثير (3/ 350).
(2)
انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (6/ 147).
(3)
انظر: المبسوط للسرخسي (24/ 157)، البناية (11/ 88)، القوانين الفقهية (ص: 211)، شرح الخرشي (4/ 8)، بلغة السالك لأقرب المسالك (3/ 393)، الحاوي الكبير (6/ 354)، روضة الطالبين (4/ 177)، الفروع وتصحيح الفروع (5/ 225)، كشاف القناع (2/ 386).
(4)
انظر: البناية شرح الهداية (11/ 88).
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي (24/ 157)، بدائع الصنائع (7/ 171).
مقتضى قول الصاحبين والفتوى عند الحنفية، ومذهب الشافعية والحنابلة (1)، وقطع به الصيدلاني (2).
القول الثالث: له العفو مجانًا عن الدية في جناية عمد أوجبت قصاصًا، وأما الخطأ والعمد الذي يتعين فيه المال كالجائفة فليس له العفو، وهو قول المالكية (3).
أدلة القول الأول:
عموم الأدلة التي تدل على عدم الحجر على السفيه المبذِّر، ومنها:
1.
قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} (4).
وجه الدلالة:
أن الله تعالى نهى الولي عن الإسراف في مال اليتيم مخافة أن يكبر، فلا يبقى له عليه ولاية، والتنصيص على زوال ولايته عنه بعد الكبر يكون تنصيصًا على زوال الحجر عنه بالكبر؛ لأن الولاية عليه للحاجة، فهذه الآية تدل على زوال ولاية الولي بالكبر.
وتصرف السفيه المبذر تصرف صحيح نافذ (5).
2.
قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي يخدع في البيع: «إذا بايعت فقل لا خلابة (6)» ، ولم يأخذ
(1) انظر: مجمع الأنهر (2/ 439)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (3/ 297)، روضة الطالبين (9/ 242)، منهاج الطالبين (ص: 278)، كشاف القناع (3/ 440).
(2)
في نهاية المطلب (16/ 141): "فأما المبذر، فالحجر عليه بسبب النظر له في نفسه، والقول الجامع فيه أن الأئمة اختلفوا، فذهب بعضهم إلى أنه كالمفلس في الترتيب المقدّم، وذهب آخرون إلى القطع بأنه يَثْبتُ المال، مهما عفا عن القصاص على الأقوال كلها، وهذا هو الذي قطع به الصيدلاني، ولا وجه غيرُه"
(3)
انظر: بلغة السالك (3/ 388)، شرح الخرشي (5/ 270).
(4)
سورة النساء: 6.
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي (24/ 159)، تبيين الحقائق (5/ 193).
(6)
قوله: "لا خلابة": أي لا خديعة. انظر: فتح الباري لابن حجر (1/ 113).
النبي صلى الله عليه وسلم ماله (1).
وفي رواية "وأن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه"(2).
وجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحجر عليه (3).
ونوقش:
بأن هذا الحديث يدل على استحقاق الحجر على البالغ من وجهين:
أحدهما: أنه حجر عليه حجر مثله بأن أثبت له الخيار في عقوده ولم يجعلها منبرمة.
والثاني: سؤالهم الحجر عليه وإمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن الإنكار.
فلو كان الحجر لا يجوز على البالغ، لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم سؤالهم، وإنما لم يجبهم إلى الحجر عليه؛ لأنه يحتمل أن الذي كان يغبن به مما يتغابن الناس بمثله (4).
3.
الاستدلال بآيات الكفارات من الظهار، والقتل، وغيرها، ففي هذه العمومات بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا سفيهًا كان أو غير سفيه، وارتكاب هذه الأسباب اختيارًا نوع من السفه، فدل أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال (5).
4.
أن السفيه المبذر حرٌّ مخاطب، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد وفي هذين الوصفين إشارة إلى أهلية التصرف والمحلية فيه؛ لأن بكونه مخاطبًا نثبت أهلية التصرف، فإن التصرف كلام ملزم وأهلية الكلام بكونه مميزًا، والكلام المميز بنفسه بكونه
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل، وإن لم يكن حجر عليه الإمام، رقم (2414)، ومسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب من يخدع في البيع رقم (1533).
(2)
رواه النسائي في سننه، كتاب البيوع، باب الخديعة في البيع، رقم (4485)، وابن ماجه في سننه، أبواب الأحكام، باب الحجر على من يفسد ماله، رقم (2354)، وصحح الرواية الألباني في سنن النسائي وابن ماجه في نفس الموضع.
(3)
الاختيار لتعليل المختار (2/ 96).
(4)
انظر: الحاوي الكبير (6/ 356)، البيان (6/ 231).
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي (24/ 159).
مخاطبًا والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه، وذلك يثبت باعتبار حرية المالك وبعد ما صدر التصرف من أهله في محله لا يمتنع نفوذه إلا لمانع، والسفه لا يصلح أن يكون معارضًا للحرية، والخطاب في المنع من نفوذ التصرف؛ لأن بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله، ويتابع هواه وهذا لا يكون معارضًا في حق التصرف، كما لا يكون معارضًا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع، وكونه معاقبًا على تركه (1).
أدلة القول الثاني:
عموم أدلة الحجر على السفيه المبذِّر، ومنها:
1.
قول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (2).
2.
وقال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} (3). يعني: أموالهم (4).
وجه الدلالة:
نهانا عن الدفع إليه ما دام سفيهًا، وأمرنا بالدفع إن وجد منه الرشد؛ إذ لا يجوز الدفع إليه قبل وجوده، ولأن منع ماله لعلة السفه، فيبقى المنع ما بقيت العلة؛ لأن الحكم يدور معها (5).
3.
قالوا: ويدل على ما ذكرناه: إجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ فقد قال
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (24/ 159)، التجريد للقدوري (6/ 2929)، الغرة المنيفة (ص: 100).
(2)
سورة النساء: 6.
(3)
سورة النساء: 5.
(4)
المغني لابن قدامة (4/ 344).
قال في الكشاف (1/ 471): "السُّفَهاءَ المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. والخطاب للأولياء: وأضاف الأموال إليهم، لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم".
(5)
انظر: تبيين الحقائق (5/ 195)، مجمع الأنهر (2/ 439).
عروة بن الزبير رضي الله عنهما (1): ابتاع عبد الله بن جعفر (2) بيعًا، فقال علي: لآتين عثمان فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابنُ جعفر الزبير، فقال: أنا شريكك في بيعك، فأتى علي عثمان، فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه. قال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير (3).
وجه الدلالة:
(1) هو عروة ابن (حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية: الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، الإمام، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي، الأسدي، المدني، الفقيه، أحد الفقهاء السبعة. ولد عروة سنة ثلاث وعشرين. رَوى عن أبيه الزبير وأخيه عبد الله وأمه أسماء بنت أبي بكر وخالته عائشة وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت وغيرهم. قال عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن: دخلت مع أبي المسجد، فرأيت الناس قد اجتمعوا على رجل، فقال أبي: انظر من هذا؟ فنظرت، فإذا هو عروة، فأخبرته، وتعجبت. فقال: يا بني، لا تعجب، لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه! ! .
قال ابن المديني، وأبو نعيم: مات عروة سنة ثلاث وتسعين.
انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (40/ 237 - 254)، سير أعلام النبلاء (4/ 421 - 434).
(2)
هو عبد الله بن جعفر ذي الجناحين الطيار بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي السيد، العالم، أبو جعفر، ويقال: أبو محمد القرشي الهاشمي، الحبشي المولد، المدني الدار، الجواد ابن الجواد ذي الجناحين. له: صحبة، ورواية، عداده في صغار الصحابة. استشهد أبوه يوم مؤتة، فكفله النبي صلى الله عليه وسلم، ونشأ في حجره. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وروى عن أمه أسماء بنت عميس وعمه علي بن أبي طالب. ولد بأرض الحبشة إذ كان أبواه مهاجرين بها، مات في سنة ثمانين، وقيل غير ذلك.
انظر: سير أعلام النبلاء (3/ 456 - 462) تاريخ دمشق لابن عساكر (27/ 248)
(3)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (8/ 267)، والشافعي في الأم (3/ 220)، والدارقطني في (4/ 232)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (8/ 272). وصححه الألباني في الإرواء (1449)، وقال الإمام أحمد رحمه الله:"لم نسمع هذا إلا من أبي يوسف القاضي". العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (3/ 371). قال الألباني: "ولم يتفرد أبو يوسف به؛ فقد أخرجه البيهقي من طريق محمد بن القاسم الطلحي عن الزبير بن المديني قاضيهم عن هشام بن عروة به، لكنى لم أجد ترجمة لمحمد بن القاسم الطلحي والزبير هذا." إرواء الغليل (5/ 274).
إنما قال هذا في الزبير؛ لأنه كان معروفًا بجودة التجارة والتبصر فيها، فدل على: أن الحجر جائز عندهم؛ إذ إنَّ عليًا رضي الله عنه حاول الحَجْر على عبد الله بن جعفر، وأن الزبير لما وقف على ذلك، سأل عبد الله بن جعفر أن يشركه في ذلك البيع الذي حاول علي الحَجْر عليه من أجله؛ ليرتفع بذلك عنه ما خافه على نفسه من عثمان فيه، ووقوف عثمان على ذلك، ومحاجته عليًا شركة الزبير عبد الله بن جعفر في ذلك، وكان في ذلك ما قد دل أنه لولا شركة الزبير إياه فيه حَجْر، ورأى عبد الله بن جعفر ذلك؛ لخوفه على نفسه من عثمان أن يحجر عليه من أجله، وكان ذلك منهم جميعًا بمحضر من حضرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواهم، فلم ينكروا ذلك عليهم، ولم يخالفوهم فيه، فدل ذلك على متابعتهم إياهم عليه (1).
فهذا يدل على أن المبذر يمنع من التصرف في العفو عن الدية.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم يخالفها أحد في عصرهم، فتكون إجماعًا"(2).
4.
حدثت عائشة رضي الله عنهما: "أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما (3) قال: في بيع أو
(1) انظر: الأم للشافعي (3/ 225)، شرح مشكل الآثار (12/ 340 - 341)، البيان (6/ 231)، المغني (4/ 352).
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "فعلي رضي الله عنه لا يطلب الحجر إلا وهو يراه، والزبير لو كان الحجر باطلًا قال: لا يحجر على حر بالغ، وكذلك عثمان رضي الله عنهم؛ بل كلهم يعرف الحجر في الحديث".
(2)
المغني (4/ 352).
(3)
هو عبد الله ابن (حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية: الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أمّه أسماء بنت أبي بكر الصديق. ولد عام الهجرة، وحفظ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة. وبويع بالخلافة سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية،
واجتمع على طاعته أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان، وحج بالناس ثماني حجج، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام. قتل على رأس اثنتين وسبعين في عهد عبد الملك بن مروان، قال مالك:"ابن الزبير كان أفضل من مروان، وكان أولى بالأمر من مروان ومن ابنه".
انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 905)، الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 78).
عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله عليّ نذر، أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا.
فأتاها ابن الزبير، واعتنقها وطفق يناشدها ويبكي
…
حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة" (1).
وجه الدلالة:
وهذا يدل على أن الحَجْر على البالغين مشهور بينهم، وإلا لأنكر عليه ذلك، ولأنكرته هي أيضًا، لا باعتبار أنها صرفت المال في وجهه، بل باعتبار أن الحَجْر على البالغة لا يجوز (2).
قال الإمام البيهقي رحمه الله: "فهذه عائشة رضي الله عنها لا تنكر الحجر"(3).
وتعقبه ابن التركماني رحمه الله وقال: "أي إنكار أشد من قولها: "أهو قال هذا؟ ! لله على نذر أن لا أكلمه" - حتى استشفع ابن الزبير إليها وأعتقت في نذرها أربعين رقبة"(4).
ويجاب:
بأن البيهقي رحمه الله قال: "لا تنكر الحجر"، ولم يقل: لا تنكر حجرها؛ فعائشة رضي الله عنها أنكرت فعل ابن الزبير رضي الله عنه لكونه أراد الحجر عليها، وهي لا تستحق الحجر؛ لأنها غير مبذرة، بل تنفق في الخير كما كان أبوها رضي الله عنه، لا لكون الحَجْر ممنوعًا على السفيه المبذّر.
5.
قالوا: ولأن كل معنى لو قارن البلوغ منع من تسليم المال إليه، فإذا طرأ بعد البلوغ اقتضى إعادة الحَجْر عليه، كالمجنون (5).
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الهجرة، رقم (6073).
(2)
انظر: البيان (6/ 231)، المغني (4/ 352)، المطلب العالي لوحة 10/ 23/أ.
(3)
السنن الكبرى للبيهقي (6/ 102).
(4)
الجوهر النقي (6/ 62).
(5)
انظر: البيان (6/ 232)، المغني (4/ 352).
أدلة القول الثالث:
قالوا: الواجب في قتل العمد القصاص عينًا، فيصح عفوه؛ لأنه لم يتضمن تضييع المال. فلا يجب للولي إلا أن يقتص أو يعفو عن غير دية، إلا أن يرضى بإعطاء الدية للقاتل، وأنه إذا لم يرد المقتص منه أن يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إلا القصاص مطلقًا أو العفو.
أولًا: لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة سن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كتاب الله القصاص» (1).
وجه الدلالة:
كون النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالقصاص ولم يخيّر، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما (2).
ونوقش:
1.
بأن قوله صلى الله عليه وسلم: «كتاب الله القصاص» ، إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود، فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه، وليس فيه ما ادُّعي من تأخير البيان (3).
2.
والواجب في قتل العمد أحد شيئين لا بعينه: القصاص أو الدية. وذلك لأمرين:
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ، رقم (4500)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان، رقم (675).
(2)
انظر: الذخيرة للقرافي (12/ 413)، مواهب الجليل (6/ 234)، المغني (4/ 355)، بداية المجتهد (4/ 184)، فتح الباري (12/ 209).
(3)
انظر: فتح الباري (12/ 209).
أولًا: لحديث "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل"(1). فلا يصح عفوه عن المال، ووجب المال؛ لأنه ممنوع من التصرف (2).
قال ابن رشد في الجمع بين حديث «كتاب الله القصاص» ، وحديث «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يأخذ الدية وبين أن يعفو»:
"هما حديثان متفق على صحتهما، الأول ضعيف الدلالة في أنه ليس له إلا القصاص.
والثاني نص في أن له الخيار، والجمع بينهما يمكن إذا رفع دليل الخطاب من ذلك، فإن كان الجمع واجبًا وممكنًا فالمصير إلى الحديث الثاني واجب" (3).
ثانيًا: للحديث المرفوع: «العمد قود» (4).
وجه الدلالة:
دلالة الحديث على أن الواجب في العمد القود فقط ولا تجب الدية إلا بالتراضي (5).
ثانيًا: مما يدل على التخيير: القياس على ما إذا سقط القصاص بعفو أحد الشريكين؛ فلو كان الواجب في العمد القصاص عينًا لما سقط القصاص بعفو أحد الشريكين (6).
الترجيح:
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، رقم (6880)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها، رقم (1355).
(2)
انظر: المعونة (ص: 1307)، المغني (4/ 355)، بداية المجتهد (4/ 184)، فتح الباري (12/ 209).
(3)
بداية المجتهد (4/ 184).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 436)، والدارقطني في سننه (4/ 82)، وصححه الألباني في الصحيحة (1986).
(5)
انظر: المعونة (ص: 1307).
(6)
انظر: المغني (4/ 355).
الراجح - والله أعلم- القول الثاني: ليس للمبذِّر العفو عن الدية، ولا أثر لقوله، فلا يصح عفوه عن المال، بل يثبت ويجب؛ لأنه ممنوع من التصرف، محجور عليه؛ وذلك لقوة أدلتهم، وإمكان مناقشة أدلة المعارضين.
* * *
المسألة الثالثة: إن قصُر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال (1)، فقال الوارث: مات بسبب آخر، ولم يمت بالجرح، ولم يذكر سببًا مفصّلًا من سقطةٍ وغيرها، فهل يقبل قوله؟
المسألة الرابعة: إذا اختلف الجاني ومستحق الدم؛ فقال الجاني: مات بالسراية (2)، أو قتلته أنا قبل الاندمال، وقال الولي: بل مات بسبب آخر، بأن قال: قتل نفسه، أو قتله آخر، أو شرب سمًا قاتلًا، فإذا قلنا: يصدق الولي، فهل يلتفت إلى قوله إن قصر الزمان ولم يمكن فيه الاندمال؟
الملاحظ أن المسألة الرابعة هي نفسها الثالثة، فحصل سهو وتكرار.
مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة إلى أن من له القصاص في الطرف، إذا استوفاه، ثم سرى إلى النفس ومات، لم يجب ضمان السراية، خلافًا لأبي حنيفة القائل بوجوب دية النفس في ذلك (3).
وعلى قول الجمهور، إذا قطع يديه أو ورجليه مثلًا ومات، فقال الجاني: مات بالسراية، فعلي دية، وقال الولي: بل مات بعد الاندمال، فعليك ديتين، فإذا قلنا: القول قول الولي فإما أن يمكن الاندمال في تلك المدة، أو لا يمكن الاندمال في تلك المدة لقصرها كيوم ويومين، فإذا لم يمكن الاندمال في تلك المدة هل يلتفت إلى قول الولي؟
ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يلتفت إلى قول الولي، والقول قول الجاني بغير يمين؛
(1) يقال: اندمل الجرح إِذا أَخذ فِي الْبُرْء وتماثل وقَارب الشفاء.
انظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (4/ 18)، المطلع (ص: 219)، المعجم الوسيط (1/ 297).
(2)
قول الفقهاء: سرى الجرح إلى النفس معناه: دام ألمه حتى حدث منه الموت. وقطع كفه فسرى إلى ساعده: أي تعدى أثر الجرح.
انظر: المصباح المنير (1/ 275).
(3)
انظر: الهداية (4/ 456)، الإشراف (2/ 819)، المهذب (3/ 197)، الكافي في مذهب ابن حنبل (3/ 273).