الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السابعة: حكم من سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو قذفٌ صريح، ثم تاب
.
المراد بالمسألة هل تقبل توبة من سب الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا، فلا يُقتل، وتثبت له أحكام الإسلام أم لا؟
أما في الآخرة فإن صدقت توبته فهي مقبولة بلا خلاف (1).
أما في الدنيا فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: تقبل توبته، وهو مذهب الحنفية (2)
(1) انظر: الفروع (10/ 194).
(2)
انظر: بداية المبتدي (ص: 122)، الهداية (2/ 406)، كنز الدقائق (ص: 387)، حاشية ابن عابدين (رد المحتار)(4/ 234)، تنبيه الولاة والحكام لابن عابدين (56 - 57).
وفي الخراج لأبي يوسف (ص: 199): "قال أبو يوسف: وأيما رجل مسلم سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كذبه، أو عابه، أو تنقصه، فقد كفر بالله وبانت منه زوجته، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك المرأة، إلا أن أبا حنيفة قال: "لا تقتل المرأة وتجبر على الإسلام".
وقد أطنب إمام الحنفية في عصره، ومرجع متأخري الأحناف عند الاختلاف الإمام ابن عابدين رحمه الله في إثبات أن الحنفية لا يُعرف لهم قولٌ بعدم قبول توبة الساب، وقولهم هو قبول توبة الساب للنبي صلى الله عليه وسلم بغير خلاف، وأن ما حكاه بعض فقهاء الأحناف بعدم قبول توبة الساب غلط ووهم، وقد تبعوا في ذلك البزازي رحمه الله الذي وهم في فهم كلام بعض الفقهاء؛ قال ابن عابدين:"فقد علم أن البزازي قد تساهل غاية التساهل في نقل هذه المسألة، وليته لم ينقلها عن أحد من أهل مذهبنا، بل استند إلى ما في الشفاء والصارم أمعن النظر في المراجعة، حتى يرى ما هو صريح في خلاف ما فهمه ممن نقل المسألة عنهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلقد صار هذا التساهل سببًا لوقوع عامة المتأخرين عنه في الخطأ؛ حيث اعتمدوا على نقله، وقلّدوه في ذلك، ولم ينقل أحد منهم المسألة عن كتاب من كتب الحنفية، بل المنقول قبل حدوث هذا القول من البزازي في كتبنا، وكتب غيرنا خلافه .... (ثم نقل كلام فقهاء الحنفية وقال): وسيذكر الشارح عن المحقق المفتي أبي السعود التصريح بأن مذهب الإمام الأعظم: أنه لا يقتل إذا تاب ويكتفى بتعزيره، فهذا صريح المنقول عمن تقدم على البزازي ومن تبعه، ولم يستند هو ولا من تبعه إلى كتاب من كتب الحنفية، وإنما استند إلى فهم أخطأ فيه حيث نقل عمن صرح، بخلاف ما فهمه كما قدمناه، وإن أردت زيادة البيان في المقام فارجع إلى كتابنا تنبيه الولاة والحكام". حاشية ابن عابدين (رد المحتار)(4/ 234).
والشافعية (1)، ورواية عن أحمد (2)، وهو اختيار الصيدلاني (3).
القول الثاني: لا تقبل توبته، وهو مذهب المالكية والحنابلة (4).
أدلة القول بقبول التوبة:
1.
عموم الأدلة الدالة على قبول توبة المرتد، كقول الله تعالى:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} الآية (5)، فكل من كفر بعد إسلامه فإن توبته تقبل، وقوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (6)، وقوله صلى الله عليه وسلم:«الإسلام يهدم ما كان قبله» (7)، يوجب أن من أسلم غفر له كل ما مضى (8).
2.
نزل في بعض المنافقين قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ
(1) انظر: تحفة المحتاج (9/ 96)، نهاية المحتاج (7/ 419).
(2)
انظر: الكافي (4/ 62)، الفروع (10/ 194)، الإنصاف (10/ 334).
(3)
في نهاية المطلب (18/ 46): "ولو سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو قذفٌ صريح، كفر باتفاق الأصحاب.
قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، استوجب القتل، والقتلُ للردّة لا للسبّ، فإن تاب زال القتل الذي هو موجَب الردّة، وجُلد ثمانين، هذه طُرق الأصحاب في ذلك"، وانظر: النجم الوهاج (9/ 91). فالحنفية والصيدلاني: تقبل توبته ويعزّر.
(4)
انظر: التاج والإكليل (8/ 386)، شرح الخرشي (8/ 70)، الشرح الكبير للدردير (4/ 309)، الإنصاف (10/ 333)، شرح منتهى الإرادات (3/ 399)، كشاف القناع (6/ 168).
(5)
سورة آل عمران: 86 - 89.
(6)
سورة الأنفال: 38.
(7)
رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، رقم (121).
(8)
انظر: الصارم المسلول (ص: 327).
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} إلى قوله: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ، وقد قيل فيهم:{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} (1).
وجه الدلالة:
أن هؤلاء المنافقين قد آذوا النبي صلى الله عليه وسلم بألسنتهم وأيديهم، ثم العفو مرجو لهم، وإنما يرجى العفو مع التوبة، فعُلم أن توبتهم مقبولة، ومن عفى عنه لم يعذب في الدنيا ولا في الآخرة.
3.
وأيضا فقوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} إلى قوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا} الآية (2)، فإنها تدل على أن المنافق إذا كفر بعد إسلامه ثم تاب قُبِلت توبته.
4.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أيما مسلم سبّ الله أو سبَّ أحدًا من الأنبياء فقد كذَّب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ردة يستتاب منها، فإن رجع وإلا قُتل"(3).
وجه الدلالة:
الأثر نص في أن سابّ الرسول صلى الله عليه وسلم يستتاب، فإن تاب قُبِلت توبته (4).
5.
الأعمى الذي كانت له أم ولد تَسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر فقتلها بعد ذلك (5).
وجه الدلالة: إن كانت السابة مسلمة فلم يقتلها حتى استتابها، وإن كانت ذمية وقد استتابها فاستتابة المسلم أولى (6).
6.
إن السابّ إما أن يُقتل لكونه كفر بعد إسلامه، أو لخصوص السب، والثاني
(1) سورة التوبة: 61 - 66.
(2)
سورة التوبة: 73 - 74.
(3)
رواه حرب الكرماني في مسائله عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس، قال ابن تيمية رحمه الله:"وفي إسناد الحديث مقال" الصارم المسلول (ص: 201، 342).
(4)
قال ابن تيمية رحمه الله: "وفي إسناد الحديث عنه مقال" الصارم المسلول (ص: 342).
(5)
تقدم (ص: 361).
(6)
الصارم المسلول (ص: 326).
لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (1)، وهذا الرجل لم يزن ولم يقتل، فإن لم يكن قتله لأجل الكفر بعد الإسلام امتنع قتله، فثبت أنه إنما يقتل؛ لأنه كفر بعد إسلامه، وكل من كفر بعد إسلامه فإن توبته تُقبل (2).
7.
إن السب نوع من الكفر؛ فإن من سب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جحد نبوته، أو كذب بآية من كتاب الله، أو تهوّد أو تنصّر ونحو ذلك، كل هؤلاء قد بدّلوا دينهم، وتركوه وفارقوا الجماعة فيستتابون، وتقبل توبتهم كغيرهم (3).
8.
ذهب كثير من العلماء إلى أن كفارة الغيبة الاستغفار لمن استغيبه، فجاز أن يكون ما أتى به من الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم الموجب لأنواع الثناء عليه والتعظيم له موجبًا لما ناله من عرضه صلى الله عليه وسلم (4).
9.
أن حق الأنبياء تابعٌ لحق الله، وإنما عظمت الوقيعة في أعراضهم لما يتضمن ذلك من الكفر والوقيعة في دين الله وكتابه ورسالته، فإذا تبعت حق الله في الوجوب تبعته في السقوط؛ ليكون أعظم منه، ومعلوم أن الكافر تصح توبته من حقوق الله، فكذلك من حقوق الأنبياء المتعلقة بنبوتهم، بخلاف التوبة من الحقوق التي تجب للناس بعضهم على بعض (5).
10.
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم منه أنه يدعو للتأسي به واتِّباعه، ويخبرهم أن من فعل ذلك فقد غفر الله له كل ما أسلفه في كفره، فيكون قد عفا لمن قد أسلم عما ناله من
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قوله تعالى:{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} المائدة: 45، رقم (6878)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (1676).
(2)
الصارم المسلول (ص: 326).
(3)
نفس المرجع.
(4)
انظر: الصارم المسلول (ص: 328).
(5)
انظر: الصارم المسلول (ص: 328 - 329).
عرضه (1).
أدلة القول بعدم قبول التوبة:
1.
قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} (2).
وجه الدلالة:
أن هذا يقتضي قتله، ويقتضي تحتم قتله وإن تاب بعد الأخذ؛ لأنه سبحانه ذكر الذين يؤذون الله ورسوله والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات، فإذا كانت عقوبة أولئك لا تسقط إذا تابوا بعد الأخذ، فعقوبة هؤلاء أولى وأحرى؛ لأن عقوبة كليهما على الأذى الذي قاله بلسانه، لا على مجرد كفر هو باق عليه (3).
2.
وقول الله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ} إلى قوله: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} (4).
وجه الدلالة:
يقتضي هذا أن من لم ينته فإنه يؤخذ ويقتل، فعلم أن الانتهاء العاصم ما كان قبل الأخذ (5).
وأيضًا فإنه جعل ذلك تفسيرًا للعن، فعلم أن الملعون متى أخذ قتل إذا لم يكن انتهى قبل الأخذ، وهذا ملعون فدخل في الآية.
يؤيد ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (6)
(1) انظر: الصارم المسلول (ص: 329).
(2)
سورة الأحزاب: 57.
(3)
انظر: الصارم المسلول (ص: 337).
(4)
سورة الأحزاب 60 - 61.
(5)
الصارم المسلول (ص: 338).
(6)
سورة النور: 23.
قال: «هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم (1)، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة» ، ثم قرأ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (2)، «فجعل لهؤلاء توبة» ، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (3)، «فجعل لمن قذف امرأة من المؤمنين التوبة، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة» ، ثم تلا هذه الآية {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (4)، «فهمَّ بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس؛ ليقبِّل رأسه من حُسن ما فسّر» (5).
فهذا ابن عباس قد بيَّن أن من لعن هذه اللعنة لا توبة له، واللعنة الأخرى أبلغ منها.
يقرره أن قاذف أمهات المؤمنين إنما استحق هذه اللعنة على قوله لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أن مؤذيه لا توبة له (6).
3.
وقوله سبحانه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} (7). وهذا السابّ محاربٌ لله ورسوله محادٌّ لله ورسوله، وأن المحادّ لله ورسوله مشاق لله ورسوله محارب لله ورسوله، ولأن المحارب ضد المسالم، والمسالم الذي تسلم منه ويسلم منك، ومن آذاه لم يسلم منه فليس بمسالم فهو محارب، وإذا كان هذا الساب محاربًا لله ورسوله، ساعيًا في الأرض بفساد، وجب أن يعاقب بإحدى العقوبات المذكورة في الآية، إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، وقد تقرر أنَّ عقوبته متعينة بالقتل كعقوبة من قتل في قطع الطريق، فيجب أن يقام ذلك عليه إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، وهذا
(1) يعني خاصة، انظر: الصارم المسلول (ص: 338).
(2)
سورة النور: 4.
(3)
سورة النور: 5.
(4)
سورة النور: 23.
(5)
رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (17/ 229)، والطبراني في المعجم الكبير (23/ 153).
(6)
الصارم المسلول (ص: 338).
(7)
سورة المائدة: 33.
الساب الذي قامت عليه البينة، ثم تاب بعد ذلك إنما تاب بعد القدرة فلا تسقط العقوبة عنه (1).
4.
عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه (2) قال: "أتيت على أبي بكر وقد أغلظ لرجل، فرد عليه، فقلت: ألا أضرب عنقه؟ فانتهرني، فقال:«إنها ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم» (3).
وجه الدلالة:
يُعلم من كلام الصديق رضي الله عنه أنه كان له قتل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من غير استتابة (4).
(1) الصارم المسلول (ص: 338 - 339).
(2)
أبو برزة: نضلة بن عبيد بن الحارث، أبو برزة الأسلمي.
غلبت عليه كنيته. قال ابن عبد البر: "واختلف في اسمه، فقيل نضلة بن عبيد بن الحارث. وقيل: نضلة ابن عبد الله بن الحارث. وقيل: عبد الله بن نضلة وقيل: سلمة بن عبيد، والصحيح ما قدمنا ذكره" قال الحافظ: "وهو قول الأكثر". صحابي جليل، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد فتح مكة، ثم تحوله إلى البصرة، وولده بها، ثم غزا خراسان، ومات بها في أيام يزيد بن معاوية أو في آخر خلافة معاوية. الاستيعاب (4/ 1495)، الإصابة (6/ 341).
(3)
رواه أحمد في مسنده (1/ 222)، وأبو داود في سننه، أول كتاب الحدود، باب الحكم فيمن سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم (4363)، والنسائي في سننه، كتاب تحريم الدم، باب الحكم فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم (4076)، وأبو يعلى في مسنده (1/ 82)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (12/ 405)، والطبراني في المعجم الأوسط (2/ 29)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 97)، وصححه الألباني بنفس رقم سنن أبي داود والنسائي.
وفي سنن أبي داود (6/ 419) قال أحمدُ بنُ حنبل: أي: لم يكُن لأبي بكرٍ أن يقتُلَ رجلًا إلا بإحدى الثلاثِ التي قالها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُفْرٌ بعد إيمانٍ، أو زنىً بعد إحصانٍ، أو قتلُ نفسٍ بغير نفسٍ» . وكان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يَقتُل.
(4)
الصارم المسلول (ص: 340 - 341).
5.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ارتد عبد الله بن سعد بن أبى سرح (1)،
ولما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبى سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال:«أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني؟ ! كففت يدى عن بيعته فيقتله» . فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ ! قال:«إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» (2).
وجه الدلالة:
هذا الحديث نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن لا يجب قبول توبته، بل يجوز قتله وإن جاء تائبًا، وإن تاب، والذي عصم دمه عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، لا مجرد إسلامه، وأن بالإسلام والتوبة انمحى الإثم، وبعفو رسول الله صلى الله عليه وسلم احتقن الدم، والعفو بطل بموته صلى الله عليه وسلم، وليس للأمة أن تعفوا عن حقه. وامتناعه من بيعته حتى يقوم إليه بعض القوم فيقتله نصٌّ في جواز قتله وإن جاء تائبًا. وأما عصمة دمه بعد ذلك فليس دليلًا لنا على أن نعصم دم من سب وتاب بعد أن قدرنا عليه؛ لأنا قد بينا من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد
(1) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن حذافة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ القرشيّ العامريّ. الأمير، قائد الجيوش، أبو يحيى القرشي، العامري؛ من عامر بن لؤي بن غالب. هو أخو عثمان من الرضاعة، وهو الذي فتح إفريقية. قال ابن عباس:"كان ابن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل، فاستجار له عثمان"، اختُلف في سنة وفاته، والأصح: أن وفاته كانت في خلافة علي رضي الله عنه.
انظر: أسد الغابة (3/ 260)، سير أعلام النبلاء (3/ 33 - 35)، الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 94).
(2)
رواه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، رقم (4359)، ورواه في كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يُعرض عليه الإسلام، رقم (2683)، والبزار في مسنده (3/ 351)، والحاكم في المستدرك (3/ 47)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 63)، وصحح إسناده ابن تيمية في الصارم المسلول (ص: 109)، والألباني في السلسلة الصحيحة (1723).
كان يعفو عمن سبه ممن لا خلاف بين الأمة في وجوب قتله إذا فعل ذلك، وتعذر عفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وقد ذكرنا أيضًا أن حديث عبد الله بن خطل (1) يدل على قتل الساب؛ لأنه كان مسلمًا فارتد وكان يهجوه فقتل من غير استتابة (2).
6.
واستدلوا بكثير من مثل هذه الأحاديث والآثار التي تفيد قتل المرتد من غير استتابة (3).
7.
وقالوا: إن سب النبي صلى الله عليه وسلم قد تعلق به حق آدمي، والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة، والرسول صلى الله عليه وسلم تلحقه المعرة والغضاضة بالسب، فلا تقوم حرمته وتثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه؛ لِمَا أنّ هجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس، ويقدح في مكانه في قلوب كثيرة، فإن لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضى الأمر إلى فساد، وتقبل توبة سابّ الله تعالى؛ لأنه سبحانه وتعالى لا تلحقه بالسب غضاضة، ولا معرة وإنما يعود ضرر السب على قائله وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن يهتكها جرأة الساب، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم (4).
الترجيح:
لا شك أن المسألة تتجاذبها أدلة قوية من كلا الطرفين، والذي يظهر رجحانه-والعلم عند الله- القول بقبول توبته، وعدم قتله (5)، وذلك لأمور منها:
1.
عموم الأدلة التي تنص على قبول توبة المرتد.
2.
إذا كان الإسلام والتوبة تهدم الكفر فالسب متضمن للكفر؛ إذ الكافر أقل أحواله الاستخفاف وعدم الاقتناع بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رمي بالعيب والتنقص لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي تنقص بكمال عقله صلى الله عليه وسلم، وقد صرّح جلُّ الكافرين بسبِّه، كما قال
(1) تقدم (ص: 362).
(2)
الصارم المسلول (ص: 340 - 341).
(3)
الصارم المسلول (ص: 340) وما بعدها، وينظر رسالة ماجستير بأم القرى (موقف الصحابة رضي الله عنهم من الردة والمرتدين) لفهد القرشي.
(4)
انظر: الصارم المسلول (ص: 548)
(5)
وبه أفتت اللجنة الدائمة، (ابن باز- عفيفي- غديان) فتوى رقم (9407).
تعالى: {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (1)، ومع ذلك قَبل النبي صلى الله عليه وسلم توبة من تاب منهم، ولم يرد نصٌّ منه بأن من تاب منهم بعد موته لا تُقبل توبته.
3.
عند التنازع نرجع إلى الأصل، والأصل في ذلك: قبول توبة المرتد. واستثناء سب الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك لا يقوى على معارضة هذا الأصل؛ إذ الأصل منصوص، وليس هناك نصٌ بأن سابّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته هكذا بالعموم الصريح؛ إنما هي نصوصٌ وآثارٌ محتملة قد تتخلَّف الأحكام فيها أحيانًا مع وجود العلة في كلٍّ.
4.
من أقوى ما استدل به القائلون بعدم قبول توبة سابِّ النبي صلى الله عليه وسلم حادثة عبد الله بن أبي سرح. وهي ليست ظاهرة الدلالة؛ فكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله، وقد قَبِلَ توبته آخرًا يدلّ على أن حكم قتل التائب لمن سبَّه ليس مطَّردًا؛ لأن ابن أبي سرح له أحوال وإشكالات لا يمكن طردها على كل مرتد؛ مما يدلُّ عليه ما جاء في الرواية الأخرى:«لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين» . وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح» (2)، فهو نص في الاستثناء فهذا الحال لا تتكرر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ثم الحديث نصٌ على قبول توبته؛ إذ "بايعه بعد ثلاث"(3)، وفوق هذا فالرسول صلى الله عليه وسلم مسدّدٌ بالوحي فلا يقرّ على خطأ، واستحلال الحرم لم يكن إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار.
5.
أكثر الأدلة خارجة عن محل النزاع -والله أعلم-؛ فمعظمها في قتل المرتد وعدم استتابته، ومسألتنا ليست في حكم الاستتابة، وإنما في قبول توبة المرتد إذا تاب.
6.
أما قولهم: إن سب النبي صلى الله عليه وسلم قد تعلق به حق آدمي، والعقوبة الواجبة لآدمي
(1) سورة ص: 4.
(2)
رواه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، رقم (4359)، ورواه في كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يُعرض عليه الإسلام، رقم (2683)، والبزار في مسنده (3/ 351)، والحاكم في المستدرك (3/ 47)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 63)، وصحح إسناده ابن تيمية في الصارم المسلول (ص: 109)، والألباني في السلسلة الصحيحة (1723).
(3)
انظر: الحاشية السابقة.
لا تسقط بالتوبة،
…
الخ.
إن أرحم الناس بالناس هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فمن تمام رحمته صلاته على عبد الله بن أبيّ ابن سلول صلاة الجنازة، مع كونه أعظم من آذى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة في دعوته وجهاده وعِرضه، والناظر في القضية يجد أمورًا:
أ- أن الدّافع لعدم الصلاة على ابن سلول أقوى بكثير من الصلاة عليه؛ فالآية التي فَهم منها صلى الله عليه وسلم التخيير تُبيِّن أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين لن ينفعهم: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} (1).
ب- جدال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على ابن سلول (2).
ج- شهرة نفاق عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
مع كل هذا فإنّ رحمة النبي صلى الله عليه وسلم غلبت، فاستغفر له.
فينبغي أن ننزِّل من أراد قتله قبل توبته على السياسة الشرعية، وهي خاصة بالأحياء دون الأموات.
وإذا تاب السابّ في الدنيا وصدقت توبته، قد يهيئ الله له أمرًا رشدًا في الآخرة برحمته سبحانه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في توبة القاتل: "والذي عليه الجمهور من سلف
(1) سورة التوبة: 80
(2)
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي على عبد الله بن أبي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ -وفي رواية يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما خيرني الله فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80]، وسأزيده على السبعين " قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]. رواه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، رقم (1366)، (4672)، ومسلم في صحيحه، في فضائل الصحابة باب من فضائل عمر رضي الله عنه رقم (2400).
الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحًا، بدَّل الله سيئاته حسنات، وعوَّض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته
…
وقال: وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغضوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بما يشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم" (1). وقال:"وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررًا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقُبِل منه (2)، وغير ذلك من الأحاديث"(3).
* * *
(1) تفسير ابن كثير (2/ 380 - 381).
(2)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، رقم (3470)، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، رقم (2766).
(3)
تفسير ابن كثير (6/ 127).