الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: حكم الصداق فيما لو أصدقها بلفظ فاسد كقوله "أصدقتها هذا الحر"، أو قال: "أصدقتكِ هذه الخمر
".
تكلم الفقهاء عن حكم عقد النكاح إذا كان الصداق فيما لا يجوز، ثم تكلموا عن حكم الصداق، والمراد هنا حكم الصداق.
وإن كنتُ عند عرض الأقوال أذكر حكم عقد النكاح للارتباط الوثيق بين المسألتين.
القول الأول: النكاح صحيح ويجب مهر المثل، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (1)، واختيار الصيدلاني (2).
والمراد عندهم: أن لها مهر المثل، أو نصفه إن كان طلقها قبل الدخول (3).
القول الثاني: إن كان العقد بذلك قبل الدخول فسخ النكاح ولا مهر؛ وإن كان بعد الدخول وجب صداق المثل، وهو المشهور من مذهب المالكية (4).
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 83)، الهداية (1/ 204)، الحاوي الكبير (9/ 394)، العزيز شرح الوجيز (8/ 242)، روضة الطالبين (7/ 258)، الإنصاف (8/ 246)، منتهى الإرادات (4/ 139).
(2)
"ذهب القاضي والصيدلاني إلى إجراء القولين في الخمر والخنزير، ثم بنى هؤلاء مسلكهم على العبارة؛ فقالوا: إذا قال: أصدقتكِ العصير"، وهو من ذوات الأمثال، فخرج خمرًا، ففي قولٍ نوجب مهر المثل، وفي قولٍ نوجب مثل العصير.
وإن قال: "أصدقتكِ هذه الخمر"، فاللفظ فاسد على رأيهم، والرجوع إلى مهر المثل" نهاية المطلب (13/ 35).
و"قال الشيخ أبو حامد والصيدلاني والقاضي حسين والبغوي وغيرهم: قولان فيما إذا قال: أصدقتك هذا العبد وهو عالم بحريته، أو جاهل. أما لو قال: أصدقتك هذا الحر، فالعبارة فاسدة، فيجب مهر المثل قطعًا" العزيز شرح الوجيز (8/ 242)، روضة الطالبين (7/ 258).
(3)
انظر: المغني (7/ 222).
(4)
انظر: المدونة (2/ 166 - 167)، منح الجليل (3/ 303)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (2/ 441).
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "وحكي عن مالك أنه إن كان بعد الدخول، ثبت النكاح، وإن كان قبله، فسخ
…
وما حكي عن مالك لا يصح" المغني (7/ 223).
وفي المدونة (2/ 166 - 167) قال ابن القاسم رحمه الله: "في النكاح الذي لا يجوز صداقه وطلاقه وميراثه.
قلت: أرأيت إن تزوجها على أن يشتري لها دار فلان أو تزوجها على دار فلان؟
قال: لا يعجبني هذا النكاح ولا أراه جائزًا وأرى أن يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها، وإن كان دخل بها فرض لها صداق مثلها وجاز النكاح، وذلك أني سمعت مالكًا سئل عن المرأة تتزوج بالدار أو الأرض الغائبة أو العبد الغائب، قال: إن كان وصف لها ذلك فالنكاح جائز، وإن كان لم يوصف لها ذلك فسخ النكاح إن كان لم يدخل بها، فإن كان دخل بها أعطيت صداق مثلها، ولم يفسخ النكاح، فمسألتك عندي مثل هذا وأرى أيضًا هذا بمنزلة من تزوج على بعير شارد، وكذلك قال مالك في البعير الشارد أو الثمرة قبل أن يبدو صلاحها:"إن تزوج عليها فإن لم يكن دخل بها فالنكاح مفسوخ، وإن كان قد دخل بها فالنكاح جائز، ولها صداق مثلها"، فالدار التي سألت عنها من الغرر لا يدري ما يبلغ ثمنها ولا يدري إما تباع منه أم لا فقد وقعت العقدة على الغرر فتحمل محمل ما وصفت لك من قول مالك في البعير والثمرة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر وعن بيع ما ليس عندك"اهـ.
القول الثالث: فساد العقد وفسخه قبل الدخول وبعده، ولا مهر، وهي الرواية الثانية عند المالكية (1).
أدلة القول الأول (2):
1.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» (3). فتضمن هذا الخبر نفي النكاح بعدم الولي والشاهدين، وإثبات النكاح بوجود الولي والشاهدين. وهذا نكاح بولي وشاهدين فوجب أن يكون صحيحًا.
2.
قالوا: لأن صحة التسمية ليس من شرائط أصل النكاح، فالنكاح صحيح بغير
(1) انظر: بداية المجتهد (3/ 53)، عقد الجواهر الثمينة (2/ 472).
(2)
انظر: الاستذكار (5/ 467)، المبسوط للسرخسي (5/ 43)، الحاوي الكبير (9/ 394)، المغني (7/ 223).
(3)
تقدم تخريجه (ص: 71).
تسمية المهر، فكذلك مع فساد التسمية؛ لأن ما كان فاسدًا شرعًا فذِكْره كالسكوت عنه في حكم الاستحقاق، "فإن النكاح يهدم الشرط ولا ينهدم به" هكذا قال إبراهيم النخعي (1) رحمه الله (2).
نوقش (3):
بأن صحة النكاح بغير تسمية المهر، لا يمنع بطلانه بفساد المهر؛ كما يصح البيع بغير أجل وغير خيار، ويبطل بفساد الأجل وفساد الخيار.
3.
وإذا صح النكاح فلها مهر مثلها؛ لأن البضع لا يتملك إلا بعوض، وقد تعذّر إيجاب المسمى، فيصار إلى العوض الأصلي.
4.
ولأن فساد العوض يقتضي رد المعوض، وقد تعذر رده لصحة النكاح، فيجب رد قيمته، وهو مهر المثل.
5.
وإذا لم يفسخ العقد في فساد المهر بعد الدخول، فكذلك لا يفسخ قبل الدخول؛ لأنه لو لم يكن نكاحًا منعقدًا حلالًا ما صار حلالًا بالدخول.
6.
القياس على من اشترى شيئًا بثمن فاسد، فقَبِض المبيع، وتلف في يده فإنه
(1) إبراهيم النخعي فقيه العراق، هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود الكوفي الفقيه: روى عن علقمة ومسروق والأسود وطائفة، وقد دخل على أم المؤمنين عائشة وهو صبي، ولم يلبث له منها سماع.
وكان بصيرًا بعلم ابن مسعود، أخذ عنه حماد بن أبي سليمان الفقيه وسماك بن حرب والحكم بن عتيبة وابن عون والأعمش ومنصور وخلق، وكان من العلماء ذوي الإخلاص. وكان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمانهما، قال الشعبي لما بلغه موت إبراهيم:"ما خلف بعده مثله". وقال عبد الله بن أبي سليمان: سمعت سعيد بن جبير يقول: "تستفتوني وفيكم إبراهيم النخعي"، مات إبراهيم في آخر سنة خمس وتسعين كهلًا قبل الشيخوخة -رحمه الله تعالى-. انظر: سير أعلام النبلاء (4/ 520 - 524)، تذكرة الحفاظ (1/ 59).
(2)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (6/ 225)، وسعيد بن منصور في سننه (1/ 214)، وابن أبي شيبة في مصنفه (4/ 425) عن إبراهيم النخعي رحمه الله بلفظ:«كل شرط في نكاح فالنكاح يهدمه، إلا الطلاق، وكل شرط في بيع، فالبيع يهدمه إلا العتاق» .
(3)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 394)، المغني (7/ 223).
يجب عليه رد قيمته.
7.
القياس على الخلع؛ فإنه عقد لا يفسد بجهالة العوض، فلا يفسد بتحريمه، فكذلك في مسألتنا.
8.
القياس على المهر المغصوب؛ فإن فساده لا يوجب فساد العقد.
9.
ولأن كل نكاح صح بالمهر الصحيح صح بالمهر الفاسد، كما لو أصدقها عبدًا فبان حرًا.
أدلة القول الثاني (1):
1.
لأنه عقد نكاح بمهر فاسد فوجب أن يكون باطلًا كالشغار (2).
ونوقش:
(1) انظر: الاستذكار (5/ 466)، الحاوي الكبير (9/ 325، 394)، المغني (7/ 223).
(2)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 394)، بحر المذهب للروياني (9/ 381).
والشغار: أن يزوج الرجل موليته لآخر على أن يزوجه الآخر موليته، ولا مهر بينهما. واختلفوا فيما إذا سموا مهرًا.
عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن الشِّغار. والشِّغار: أن يزوِّجَ الرجلُ ابنتَه على أن يُزوّجَه ابنتَه، وليس بينهما صَدَاق. متفق عليه. رواه البخاري في صحيحه (7/ 12)، ومسلم في صحيحه (2/ 1034).
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لا أدري تفسير الشغار في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو من ابن عمر، أو من نافع، أو من مالك" الأم للشافعي (5/ 82)، ومعرفة السنن والآثار (10/ 166)، وقال الخطيب البغدادي في الفصل للوصل المدرج في النقل (1/ 385):"وتفسير الشغار ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو قول مالك وصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك عبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الرحمن بن مهدي ومحرز بن عون في روايتهم الحديث عن مالك؛ وفصلوا كلامه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
قال ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (8/ 189): "وكيف ما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان" وانظر تفسير الشغار: الاستذكار (5/ 465)، فتح الباري لابن حجر (9/ 162)، بدائع الصنائع (2/ 278)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (2/ 307)، مغني المحتاج (4/ 232)، المغني لابن قدامة (7/ 176).
أ- أن نكاح الشغار لم يبطل بفساد المهر، وإنما بطل بالتشريك؛ فعلة النهي الاشتراك في البضع، لأن بضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقًا مخالف لإيراد عقد النكاح ومقتضاه (1).
ب- في الشغار إنما نهى عن النكاح نفسه لا عن الصداق، ولو كان عن الصداق لكان النكاح ثابتًا، ولها مهر مثلها (2).
2.
ولأنه عقد معاوضة ببدل فاسد، فوجب أن يكون باطلًا كالبيع (3).
ونوقش:
بأن البيع يبطل بترك الثمن، فبطل بفساده، والنكاح لا يبطل بترك المهر، فلم يبطل بفساده (4).
دليل القول الثالث:
لم أجد لهم دليلًا منصوصًا، ولعله نفس أدلة القول الثاني.
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ أنّ النكاح صحيح ويجب مهر المثل؛ وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها في الجملة من النقاش، وإمكان مناقشة أدلة الأقوال الأخرى.
* * *
(1) انظر: الحاوي الكبير (9/ 395).
(2)
انظر: مختصر المزني (8/ 276)، الحاوي الكبير (9/ 395).
(3)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 394)، بحر المذهب للروياني (9/ 381).
(4)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 395).