الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السابعة: إذا اندملت الجراحة، وبقي في موضعها أثر وحواليها شين
(1).
هذه المسألة ليس فيها اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب:"ذكره الصيدلاني"(2).
المسألة الثامنة: وجوب الغُرّة فيما لو جُني على كافرة حامل بجناية أفضت إلى قتلها، وكان الجنين محكومًا له بالكفر والحرية
.
الغُرَّة لغة: بياض في الجبهة، وأصل الغرة البياض الذي يكون في وجه الفرس وكأنه عبر عن الجسم كله بالغرة (3).
وتعريف الغرة عند الفقهاء: العبد نفسه، أو الأمة. وهي: ضمان يجب في الجناية على الجنين، وتبلغ قيمتها نصف عشر الدية. فصارت الغرة في عرف الشرع اسمًا لعبد أو أمة يعدل خمسمائة أو بخمسمائة. وعند الشافعي رحمه الله مقدرة بستمائة (4).
قال الإمام النووي رحمه الله: "ضبطناه على شيوخنا في الحديث والفقه بغرة بالتنوين، وهكذا قيده جماهير العلماء في كتبهم وفي مصنفاتهم في هذا وفي شروحهم، وقال القاضي عياض الرواية فيه بغرة بالتنوين وما بعده بدل منه، وقد فسر الغرة في الحديث بعبد أو أمة و (أو) هنا للتقسيم لا للشك، والمراد بالغرة عبد أو أمة، وهو اسم لكل منهما"(5).
والغُرَّة تجب إذا سقطت بالجناية ما ظهر فيه صورة آدمي، كعين أو أذن أو يد ونحوها، ويكفي الظهور في طرف ولا يشترط في كلها، ولو لم يظهر شيء من ذلك، فشهد القوابل أن فيه صورة خفية يختص بمعرفتها أهل الخبرة، وجبت الغرة أيضًا، وإن قلن: ليس فيه صورة خفية، لكنه أصل آدمي ولو بقي لتصور، لم تجب الغرة على المذهب، وإن
(1) الشين أي النقص والعيب، و"الشَّيْنُ" خلاف الزين والمفعول "مَشِينٌ" على النقص. المصباح المنير (1/ 330).
(2)
(16/ 431).
(3)
انظر: لسان العرب (5/ 14 - 19).
(4)
انظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (1/ 176)،
…
المطلع (ص: 444)، مختصر القدوري (ص: 190)، بدائع الصنائع (7/ 325)، المدونة (4/ 632)، تحفة المحتاج (9/ 43)، الإنصاف (10/ 72).
(5)
شرح النووي على مسلم (11/ 175).
شككن هل هو أصل آدمي، لم تجب قطعًا (1).
وأجمع العلماء على وجوب الغرة في الجناية على الجنين الذي سقط من أمه ميتًا (2).
وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة (3).
وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قدَّر الغُرّة خمسين دينارًا (4).
وروى مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن:"أن الغرة تقوَّم خمسين دينارًا، أو ستمائة درهم، ودية المرأة الحرة خمسمائة دينار، أو ستة آلاف درهم، فدية جنين المرأة الحرة، عشر ديتها، والعشر خمسون دينارًا، أو ستمائة درهم"(5).
ومسألتنا فيما لو جنى شخص على امرأةٍ حرةٍ حاملٍ ذمية تحت ذميٍّ بجناية أفضت إلى قتلها وموت الجنين، وكان الجنين محكومًا له بالكفر والحرية، هل تجب فيه الغرة؟
للعلماء في ذلك أقوال:
القول الأول: أن فيها عشر ديةِ أمِّه، أو نصف عشر دية أبيه (وهما سواء)، وهو قول المذاهب الأربعة (6).
(1) روضة الطالبين (9/ 370).
(2)
انظر: موطأ مالك (2/ 855)، سنن الترمذي (3/ 410)(1410)، الإشراف لابن المنذر (8/ 15)، التمهيد لابن عبد البر (6/ 482)، الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 296).
(3)
رواه مسلم في صحيحه، في القسامة، باب دية الجنين، رقم (1681).
(4)
رواه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 203)، وابن أبي شيبة في المصنف (5/ 393)، قال البيهقي بعد روايته من طريقين:"وفي إسنادهما انقطاع وضعف، والله أعلم" انتهى. معرفة السنن والآثار (12/ 168).
ولا يبعد تحسين الأثر لطرقه، والله أعلم.
(5)
موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري (2/ 230).
(6)
انظر: المبسوط للسرخسي (26/ 89)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (6/ 588)، الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 1123)، الذخيرة للقرافي (12/ 404)، المعونة (ص: 1358)، روضة الطالبين (9/ 370)، مغني المحتاج (5/ 373)، المغني (8/ 405)، بداية المجتهد (4/ 198).
وقد حُكي الإجماع وعدم الخلاف في ذلك (1).
لكن أبا حنيفة على أصله في أنَّ دية الذمي دية المسلم، والشافعي على أصله في أن دية الذمي ثلث دية المسلم، ومالك على أصله في أنَّ دية الذمي نصف دية المسلم (2).
إلا أن الحنابلة قالوا: إن كانت أم الجنين ذمية حاملًا من ذمي، ومات الذمي بدار الإسلام، ثم جُني على أمه فأسقطته ففيه غرة؛ لأنه مسلم على قاعدة مذهبنا: إن مات بدار الإسلام وله ولد غير بالغ فهو مسلم تبعًا للدار، فتقدر الذمية مسلمة اعتبارًا بصفة الجنين (3).
القول الثاني: لا يجب فيه شيء أصلًا، وهو وجه عند الشافعية (4)، وهو اختيار الصيدلاني (5).
القول الثالث: تجب غرةٌ كالمسلم، وهو وجه عند الشافعية (6).
دليل القول الأول:
(1) انظر: الإشراف (8/ 18)، الإجماع لابن المنذر (ص: 120) المبسوط للسرخسي (26/ 87)، المغني (8/ 405)، الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 296).
(2)
انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (6/ 588)، الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 1123)، المعونة (ص: 1358)، روضة الطالبين (9/ 370)، مغني المحتاج (5/ 373)، المغني (8/ 405)، بداية المجتهد (4/ 198).
(3)
انظر: شرح المنتهى (3/ 304)، كشاف القناع (6/ 25).
(4)
انظر: نهاية المطلب (16/ 600)، الوسيط (6/ 383)، روضة الطالبين (9/ 370)، مغني المحتاج (5/ 373).
(5)
في نهاية المطلب (16/ 600): "فالذي قطع به شيخي والصيدلاني وصاحب التقريب وبعض المصنفين أن الغرة لا تجب فيه أصلًا، ويختص وجوب الغرة بالجنين الحر المسلم".
(6)
انظر: نهاية المطلب (16/ 600)، الوسيط (6/ 383)، روضة الطالبين (9/ 370)، مغني المحتاج (5/ 373).
1.
إجماع الفقهاء أن فيها عشر ديةِ أمِّه (1).
2.
قالوا: لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أُمِّه، فكذلك جنين الكافرة (2).
ونوقش:
بأن القضاء بالغرة مخالف للقياس، فلا يقاس عليه؛ لأن الحمل خلاف الأصول والقياس على خلاف الأصول غير مشروع (3).
ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة عبد أو أمة. قال عمر رضي الله عنه: "الله أكبر لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره"(4).
يجاب عنه:
بأنه محجوج بالإجماع المذكور (5)، فلا قياس ولا اعتبار مع الإجماع.
قال في المراقي:
(1) انظر: الإشراف (8/ 18)، المبسوط للسرخسي (26/ 87)، المغني (8/ 405)، الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 296).
(2)
انظر: المغني (8/ 405).
(3)
انظر: تحفة الفقهاء (3/ 118)، الذخيرة للقرافي (12/ 384)، نهاية المطلب (16/ 600)، المستصفى (ص: 327).
وروى الإمام المحبوبي أن زفر سئل عن هذه المسألة فقال: فيه غرة عبد أو أمة فقال السائل: ولم والحال لا يخلو من أنه مات بضربة أو لم تنفخ فيه الروح، فإن مات بضربة تجب دية كاملة، وإن لم تنفخ فيه الروح لا يجب شيء، فسكت زفر، فقال له السائل: أعتقتك سائبة، فجاء زفر إلى أبي يوسف فسأله عنه فأجابه أبو يوسف بمثل ما أجاب زفر. فحاجّه بمثل ما حاجّه السائل فقال: التعبد التعبد: أي ثابت بالسنة من غير أن يدرك بالعقل.
العناية (10/ 300 - 301)، حاشية ابن عابدين (6/ 588).
(4)
السنن المأثورة للشافعي - تأليف المزني (ص: 425).
(5)
انظر: تحفة الفقهاء (3/ 118).
والخلف للنص أو إجماع دعا
…
فساد الاعتبار كل من وعى (1)
وكان القياس فيه أن لا يجب شيء؛ لأنه يحتمل أنه لم يكن فيه حياة وقت الضرب، ولهذا لو ضرب بطن دابة فألقت جنينًا ميتًا لا يجب الضمان، وفي الاستحسان يجب لإجماع الصحابة على ذلك.
تعليل القول الثاني:
1.
لأن في إيجاب الغرة تسوية بينه وبين المسلم (2).
2.
والتجزئة غير ممكن؛ لأن قيمة الغرة غير مقدرة (3).
وأجيب:
بل قيمة الغرة مقدرة؛ قدرها عمر وغيره من السلف كما تقدم.
3.
وقد يستدل لهم: كون القياس فيه أن لا يجب شيء؛ لأنه يحتمل عدم حياة الجنين وقت الضرب، ولهذا لو ضرب بطن دابة فألقت جنينًا ميتًا لا يجب الضمان (4).
ويناقش:
كما تقدم لا قياس مع إجماع.
تعليل القول الثالث:
التسوية بين المسلم والكافر في الدية (5).
ولم أجد لهم ما يستدلون به، ولعل مما يُستدل لهم عموم النصوص الدالة على وجوب الدية، فهي عامة للمسلم والكافر، وربما استدلوا بحديث ابن عمر مرفوعًا:"ودى ذميًا دية مسلم"(6).
(1) انظر: نشر البنود على مراقي السعود (2/ 236)، مذكرة في أصول الفقه (ص: 176).
(2)
انظر: الوسيط في المذهب (6/ 383).
(3)
انظر: الوسيط في المذهب (6/ 383).
(4)
انظر: تحفة الفقهاء (3/ 118).
(5)
انظر: الوسيط في المذهب (6/ 383).
(6)
رواه الدارقطني في السنن (4/ 147)، والبيهقي في السنن الصغير (3/ 247).
ونوقش: بأن الحديث ضعيف؛ فلا يحتج به (1).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور بأن فيه عشر دية أمه. للإجماع المذكور.
ومذهب عامة الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم أنه لا يجوز إحداث قول ثالث (2)، فكيف إذا كانوا على قولٍ واحد.
أما ما اشتهر في ألسنة الفقهاء أن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره (3)، فليست على إطلاقها؛ بل فيه تفصيل قرره أهل الأصول (4).
(1) لأن فيه أبا كرز، وهو متروك الحديث. انظر: السنن للدارقطني (4/ 147)، السنن الصغير للبيهقي (3/ 247)، حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (12/ 212).
(2)
انظر: المحصول للرازي (4/ 140)، الفواكه الدواني (2/ 356)، اللمع للشيرازي (ص: 93)، البحر المحيط في أصول الفقه (6/ 517)، غاية الوصول في شرح لب الأصول (ص: 114)، شرح الكوكب المنير (2/ 264).
(3)
انظر: المستصفى (ص: 325).
(4)
انظر: المستصفى (ص: 325 - 327) ومما قاله في ثنايا ذكره لشروط القياس: "الثامن: أن لا يكون الأصل معدولًا به عن سنن القياس، فإن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره.
وهذا مما أطلق ويحتاج إلى تفصيل، فنقول: قد اشتهر في ألسنة الفقهاء أن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره، ويطلق اسم الخارج عن القياس على أربعة أقسام مختلفة؛ فإن ذلك يطلق على ما استثني من قاعدة عامة، وتارة على ما استفتح ابتداء من قاعدة مقررة بنفسها لم تقطع من أصل سابق وكل واحد من المستثنى والمستفتح ينقسم إلى ما يعقل معناه وإلى ما لا يعقل معناه، فهي أربعة أقسام:
الأول: ما استثني عن قاعدة عامة وخصص بالحكم، ولا يعقل معنى التخصيص فلا يقاس عليه غيره.
القسم الثاني: ما استثني عن قاعدة سابقة ويتطرق إلى استثنائه معنى، فهذا يقاس عليه كل مسألة دارت بين المستثنى والمستبقى وشارك المستثنى في علة الاستثناء، مثاله استثناء العرايا.
القسم الثالث: القاعدة المستقلة المستفتحة التي لا يعقل معناها، فلا يقاس عليها غيرها لعدم العلة فيسمى خارجا عن القياس تجوزا، إذ معناه أنه ليس منقاسًا.
القسم الرابع: في القواعد المبتدأة العديمة النظير، لا يقاس، عليها مع أنه يعقل معناها؛ لأنه لا يوجد لها نظير خارج مما تناوله النص والإجماع" انتهى مختصرًا.
وفي إرشاد الفحول (2/ 108 - 109): "وأطلق ابن برهان أن مذهب أصحاب الشافعي، جواز القياس على ما عدل به عن سنن القياس. وأما الحنفية وغيرهم فمنعوه، وكذلك منع منه الكرخي إلا بإحدى خلال: إحداها: أن يكون ما ورد على خلاف الأصول قد نص على علته.
ثانيتها: أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر، وإن اختلفوا في علته.
ثالثتها: أن يكون الحكم الذي ورد به الخبر موافقًا للقياس على بعض الأصول، وإن كان مخالفًا للقياس على أصل آخر".
"والذي نمنعه ونأباه من ذلك: هو أن نبتدئ إيجاب حد بقياس، في غير ما ورد فيه التوقيف، فأما استعمال الاجتهاد في شيء قد ورد فيه التوقيف، فيتحرى فيه معنى التوقيف، فهذا جائز، واستعمال اجتهاد السلف في حد الخمر من هذا القبيل، وذلك؛
لأنه قد ثبت عن «النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد ضرب في حد الخمر بالجريد والنعال» (1)، (2).
* * *
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر، رقم (6773)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود: باب في الحد من الخمر، رقم (4479).
(2)
انظر: الفصول في الأصول (3/ 280)، التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام (3/ 241).