الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: الحكم فيما إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق
.
في هذه المسألة إما أن تكون المرأة المطلقة غير مدخول بها، أو مدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا تطلق إلا واحدة لم يقع عليها إلا الطلقة التي أوقعها؛ لأنها تبين بها، والبائن لا يلحقها طلاق بغير خلاف (1). ومسألتنا في المدخول بها (2).
أقوال العلماء في هذه المسألة:
القول الأول: يقع الطلاق ثلاثًا؛ واحدة بالمنجزة وتتمتها من المعلق ويلغو قوله قبله، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية (3).
القول الثاني: لا يقع الطلاق مطلقًا لا المنجز ولا المعلق، وهو الصحيح والمشهور عند الشافعية، وقول بعض الحنابلة (4)، واختيار
(1) انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (10/ 171)، المغني (8/ 329).
(2)
هذه المسألة تسمى عند الفقهاء بالمسألة السريجية؛ يقال: نسبة لابن سريج أبي العباس الشافعي رحمه الله (ت. 306 هـ)، فإنه أول من قال بها فقال لا تطلق أبدًا.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وهذا القول لا يجوز تقليده، وابن سريج بريء مما نسب إليه فيما قاله الشيخ عز الدين". وقال ابن الصلاح: "ابن سريج بريء مما نسب إليه".
انظر: البحر الرائق (3/ 293)، شرح الخرشي (7/ 163)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (2/ 447)، كشاف القناع (5/ 298)، الروض المربع (ص: 578)، الإنصاف (9/ 84)، والفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 137 - 138)، إعلام الموقعين (3/ 197)، الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي (4/ 183)
(3)
انظر: فتح القدير (4/ 29)، تبيين الحقائق (2/ 205)، حاشية ابن عابدين (3/ 229)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (2/ 387)، شرح الخرشي (4/ 52)، منح الجليل (4/ 100)، الإنصاف (9/ 84)، منتهى الإرادات (4/ 301)، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (4/ 37)، الحاوي الكبير (10/ 224)، المهذب (3/ 40).
(4)
انظر: البيان (10/ 219)، المنهاج (ص: 238)، نهاية المحتاج (7/ 32)، الإنصاف (9/ 84)، المغني (7/ 433).
الصيدلاني (1).
القول الثالث: يقع الطلاق المنجز ولا يقع الطلاق المعلق، وهو قول بعض الشافعية (2)، وبعض الحنابلة، واختيار ابن تيمية وابن القيم (3).
أدلة القول الأول (4):
1.
أنَّ عمومات النصوص تقتضي وقوع الطلاق، مثل قوله سبحانه:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (5). وقوله سبحانه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (6).
2.
أنّه طلاق من مكلف مختار، في محل لنكاح صحيح، فيجب أن يقع، كما لو لم يعقد هذه الصفة (7).
3.
أنَّه وصف المعلق بصفة يستحيل وصفه بها؛ فإنه يستحيل وقوعها بالشرط قبله فتلغو صفتها بالقبلية، وصار كأنه قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثلاثًا (8).
4.
القياس على من قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق أربعًا، طلقت بدخول الدار ثلاثًا، ولم يكن امتناع وقوع الرابعة مانعًا من وقوع الثلاث كذلك في مسألتنا (9).
تعليل القول الثاني:
(1) "لا يقع عليها الطلاق المباشر ولا الطلاق بالصفة
…
وبه قال الصيدلاني" البيان (10/ 219).
(2)
قال الإمام الماوردي "وهو قول أبي العباس بن سريج، ومن حكى عنه خلافه فقد وهم
…
وهذا الصحيح عندي" الحاوي الكبير (10/ 223).
(3)
انظر: البيان (10/ 219)، الإنصاف (9/ 84)، المغني (7/ 433)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 137 - 138)، إعلام الموقعين (3/ 197).
(4)
المغني (7/ 433).
(5)
سورة البقرة: 230
(6)
سورة البقرة: 228.
(7)
المغني (7/ 433).
(8)
كشاف القناع (5/ 298).
(9)
الحاوي الكبير (10/ 223).
1.
قالوا: لأنّا لو أوقعنا الطلقة الّتي نجزها، للزمنا أن نوقع ثلاثًا قبلها، ولو وقعت الثلاث قبلها، لامتنع وقوع هذه المنجّزة، وإذا امتنع وقوعها امتنع وقوع الثلاث قبلها، وهذا دور (1).
إذ لو وقع المعلق يقع المنجز، فكان وقوعه يستلزم عدم وقوعه، فلا يقع (2).
ونوقش:
أولًا: "بأن هذا غير مسلَّم؛ فإنَّ قولهم: لو وقع المنجز لوقع المعلق. إنما يصح لو كان التعليق صحيحًا؛ فأما إذا كان التعليق باطلًا لا يلزم وقوع التعليق.
والتعليق باطل؛ لأن مضمونه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث باطل في دين المسلمين.
ومضمونه أيضًا إذا وقع عليك طلاقي لم يقع عليك طلاقي، وهذا جمع بين النقيضين؛ فإنه إذا لم يقع الشرط لم يقع الجزاء.
وإذا وقع الشرط لزم الوقوع فلو قيل: لا يقع مع ذلك لزم أن يقع ولا يقع، وهذا جمع بين النقيضين.
وأيضًا فالطلاق إذا وقع لم يرتفع بعد وقوعه، فلما كان كلام المطلق يتضمن محالًا في الشريعة - وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث - ومحالًا في العقل وهو الجمع بين وقوع الطلاق وعدم وقوعه: كان القائل بالتسريج مخالفًا للعقل والدين" (3).
ثانيًا: إن القول بعدم إيقاع الطلاق الثلاث في هذه المسألة تشبه بنكاح النصارى
(1)"سمي بالدور لأنه دار الأمر بين متنافيين؛ لأنه يلزم من وقوع المنجز وقوع الثلاث المعلقة قبله، ويلزم من وقوع الثلاثة قبله عدم وقوعه، فليس المراد الدور المصطلح عليه في علم الكلام، وهو توقف كل من الشيئين على الآخر فيلزم توقف الشيء على نفسه وتأخره إما بمرتبة أو مرتبتين". حاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 229)
(2)
انظر: نهاية المطلب (14/ 284)، الحاوي الكبير (10/ 223)، مجموع فتاوى ابن تيمية (33/ 241)، إعلام الموقعين (3/ 197).
(3)
مجموع فتاوى ابن تيمية (33/ 241).
الذين لا يبيحون الطلاق (1).
ثالثًا: أن هذا احتيال مذموم للوصول إلى عدم وقوع الطلاق مطلقًا (2).
وأجيب:
أولًا: أن الاستدلال بأن ذلك بدعة، وأنه على غير ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يلزم منه أن يمتنع منه إيقاع الطلاق عليها دائمًا وهو مأذون به، فهذا استدلال لشيء آخر، وقد عرفت أن الله سبحانه جعل الطلاق بيد الأزواج؛ فلهم أن يطلقوا متى شاؤوا، ولهم أن لا يطلقوا أبدًا، وهذا الذي جاء بالدور قد أراد أن لا يطلق أبدًا فما المانع من هذا؟ (3).
ثانيًا: يُشكِل على دعوى الإجماع أن كثيرًا من أئمة الشافعية قالوا بصحة الدور (4).
2.
"إن الطلاق الذي وقع على هذه الصفة ينبغي الرجوع إلى مدلول لفظه، وقد وجدنا اللفظ الذي جاء به متمانعًا؛ لا يقع بعضه إلا بوقوع البعض الآخر، فلا يجوز لنا أن نحكم بالوقوع؛ لأنه حكم على الزوج بغير ما تكلم به، وتفويت لزوجته وإخراج لها من عقد نكاحه بغير صدور ما يدل على ذلك منه، فالحكم بالوقوع فيه ظلم له من هذه الحيثية"(5).
تعليل القول الثالث:
1.
تطلق واحدة بالمباشرة، والتعليق باطل ملغي؛ لأنه طلاق في زمن ماض، ولا يمكن وقوعه في الماضي، فلم يقع، كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بيوم، فقدم في
(1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 23)، اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية (د. زيد الغنام)(9/ 128).
(2)
انظر: إعلام الموقعين (3/ 197).
(3)
انظر: السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص: 410).
(4)
كالمزني وابن الحداد والقفال والقاضي أبي الطيب والبيضاوي. انظر: حاشية ابن عابدين (3/ 229).
(5)
نفس المصدر.
اليوم، أو قال: قوله أنت طالق أمس (1).
2.
ولأنه لو وقع المعلق لمنع وقوع المنجَّز، فإذا لم يقع المنجز بطل شرط المعلق، فاستحال وقوع المعلق، ولا استحالة في وقوع المنجز فيقع (2).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول قول الجمهور؛ فإنه موافق لظاهر الصيغة، والشرع ينفذ طلاق المازح المكلف المختار، فكذلك ينفذ طلاق المحتال، وإن لم يقصد نفوذه.
* * *
(1) انظر: المغني (7/ 433)، مجموع الفتاوى (33/ 243).
(2)
كشاف القناع (5/ 298).