الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة: الضمان فيما إذا قتل الجلّادُ رجلًا بالجلد، وقد أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم، فتابعه الجلاد
.
ولتحرير المسألة، لا بد من بيان أمور:
1.
أجمع العلماء على أن السلطان إذا تعدى على أحد من رعيته متعمدًا فإنه يُقتَص منه، إذ هو واحد منهم (1).
2.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة"(2).
3.
اتفق الفقهاء على أن من جلد ظلمًا فتلف المجلود ففيه الضمان (3).
4.
ليعلم أن من أمر غيره بقتل نفسٍ ظلمًا بغير حق لا يخلو من ثلاثة أقسام (4):
أحدها: أن يكون إمامًا ملتزم الطاعة.
والثاني: أن يكون متغلبًا نافذ الأمر.
والثالث: أن يساوي المأمور، لا يعلو عليه بطاعة ولا قدرة.
فأما القسم الأول، وهو أن يكون الآمر بالقتل إمامًا ملتزم الطاعة. فلا يخلو حال المأمور في قتله من أحد أمرين:
إما أن يجهل حال المقتول ولا يعلم أنه مظلوم، ويعتقد أن الإمام لا يقتل إلا بحق فلا قود على المأمور، ولا دية، ولا كفارة؛ لأن طاعة الإمام واجبة عليه لقول الله تعالى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (5)، وعلى الإمام القود؛ لأن أمْره إذا كان
(1) انظر حكاية الإجماع: المغني (8/ 269)، تفسير القرطبي (2/ 256).
وانظر: بداية المبتدي (ص: 106)، فتح القدير لابن الهمام (5/ 277)، المدونة (4/ 519)، النوادر والزيادات (8/ 104)، روضة الطالبين (10/ 185)، مغني المحتاج (5/ 539)، الإنصاف (9/ 486).
(2)
تفسير القرطبي (10/ 183).
(3)
انظر: المغني (9/ 165).
(4)
انظر: الحاوي الكبير (12/ 72)، بحر المذهب للروياني (12/ 67).
(5)
سورة النساء: 59.
ملتزم الطاعة يقوم مقام فعله؛ لنفوذه، وحدوث الفعل عنه، وجرى المأمور معه مجرى الآلة.
والحالة الثانية: أن يكون المأمور عالماً بأنه مظلوم، يقتل بغير حق فبهذا المأمور حالتان:
إحداهما: أن يقتله مختارًا.
والثانية: مكرهًا.
فلو قتل الجلّادُ رجلًا بالجلد وقد أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم، فتابعه الجلاد، فالضمان على مَن؟
اختلف العلماء في المسألة على أقوال (1):
القول الأول: الضمان على الإمام دون الجلاد، وهو قول أبي حنيفة، ووجه عند الحنابلة (2).
القول الثاني: إن كان قد قَتَله مختارًا غير مكره فهو القاتل دون الإمام، فعلى الجلَّاد الضمان، وإن قتله مكرهًا فعلى الإمام
والجلاد الضمان، وهو قول جمهور الشافعية (3)، ومنهم
(1) ملاحظة: لم أجد من صرّح من الفقهاء بكون الإمام صرح للجلاد بأنه ظالم إلا الشافعية، وإنما ذكروا كون الإمام والجلاد عالمين بالظلم .. فهي مثلها.
(2)
انظر: المبسوط للسرخسي (6/ 177)، بدائع الصنائع (7/ 180)، المغني (9/ 165)، الإنصاف (10/ 160).
(3)
انظر: روضة الطالبين (10/ 184)، تحفة المحتاج (9/ 198)، مغني المحتاج (5/ 539)، الإنصاف (9/ 486).
وقد صرح الشافعية: أن محل ما ذُكر فيما إذا كان خطأ في نفس الأمر، فإن كان في محل الاجتهاد كقتل مسلم بكافر وحر بعبد، فإن اعتقد أنه غير جائز أو اعتقد الإمام جوازه دون الجلاد، فإن كان هناك إكراه فالضمان عليهما، وإلا فعلى الجلاد في الأصح، وإن اعتقد الجواز فلا ضمان على أحد، وإن اعتقد الإمام المنع والجلاد الجواز، فقيل ببنائه على الوجهين في عكسه وضعفه الإمام؛ لأن الجلاد مختار عالم بالحال والإمام لم يفوض إليه النظر والاجتهاد، بل القتل فقط، فالجلاد كالمستقل. كذا في الروضة وأصلها، وما ضعفه جزم به جمع.
انظر: روضة الطالبين (10/ 185)، مغني المحتاج (5/ 539)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 158)، المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (2/ 370).
الصيدلاني (1).
القول الثالث: الضمان على الإمام والجلَّاد معًا، وهو قول المالكية، ووجه عند الشافعية (2).
القول الرابع: الضمان على الجلَّاد، وهو وجه عند الحنابلة (3).
أدلة القول الأول:
1.
قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (4).
(1) في نهاية المطلب (17/ 346): "لو أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم، فتابعه الجلاد، فعليه-أي الإمام- الضمان. وهذا على القطع فيه إذا كان الإمام مُكرِهًا، والجلاد محمولًا مكرهًا، ثم يخرج فيه تفاصيل الإكراه. فأما إذا كان الجلاد مختارًا، فلا يتوجه الضمان على الإمام قطعًا، وهذا لا خفاء به. وعلى هذا الوجه فصّله الأصحاب، والصيدلاني، وهو مما لا يتمارى فيه".
(2)
انظر: التبصرة للخمي (11/ 5362)، البيان والتحصيل (16/ 308)، الحاوي الكبير (12/ 72)، بحر المذهب للروياني (12/ 67)، البيان (11/ 349).
وفي مذهب الإمام مالك رحمه الله القتل نوعان: عمد وخطأ، ليس هناك شبه العمد، .
فالعمد عند الإمام مالك رحمه الله: هو كل فعل تعمده الإنسان بقصد العدوان، فأدى للموت، أيًا كانت الآلة المستعملة في القتل، فكل من ضرب آخر عمدًا ومات بين يديه ففيه القصاص، أما إذا كان موت المجني عليه نتيجة فعل على وجه اللعب والتأديب فهو قتل خطأ.
وعليه فجلد الجلاد للرجل ظلمًا حتى مات يُعد من قتل العمد عند المالكية.
انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 1096)، القوانين الفقهية (ص: 226)، شرح الخرشي (8/ 7).
(3)
انظر: المغني (9/ 165)، الفروع وتصحيح الفروع (10/ 37)، الإنصاف (10/ 160).
(4)
رواه ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم (2043)، وابن حبان في صحيحه (16/ 202)، والطبراني في المعجم الكبير (11/ 133)، والحاكم في المستدرك (2/ 216)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 139)، والدارقطني في سننه (5/ 301).
والإمام أحمد وأبو حاتم الرازي أنكراه جدًا، وحسنه النووي وصححه ابن حزم وابن كثير والألباني.
انظر: العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 561)، علل الحديث لابن أبي حاتم (4/ 116)، المحلى بالآثار (11/ 8)، جامع العلوم والحكم (3/ 1105)، فتح الباري لابن حجر (5/ 161)، إرواء الغليل (1/ 123).
وجه الدلالة:
أن الشرع قد تجاوز عن أفعال المكرَه، والتجاوز عن الشيء تجاوز عن موجَبه، وهو الضمان هنا (1).
نوقش:
بأن استدلال الحنفية بهذا الحديث لا يستقيم؛ ذلك أن مذهب الحنفية عدم عموم المقتضى لجميع أفراده؛ بل ينحصر أثره عندهم في رفع المؤاخذة الأخروية، وهي المأثم، فالاحتجاج بهذا الحديث مخالف لأصول مذهبهم (2).
2.
قالوا: ولأن القاتل هو المكرِه من حيث المعنى، وإنما الموجود من المكرَه صورة القتل فأشبه الآلة، فلا دية على المكرَه (3).
3.
القياس على مسألة: إذا أكره على قَطع يد نفسِه له أن يقتص من المكرِه، ولو كان هو القاطع حقيقة لما اقتصَّ (4).
4.
قالوا: لأن أمر السلطان إكراه؛ إذ المأمور يعلم عادة أنه يعاقبه إن لم يمتثل أمره، فلا دية عليه (5).
ونوقش:
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (6/ 177)، بدائع الصنائع (7/ 180).
(2)
انظر: أصول السرخسي (1/ 251)، التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام (1/ 110)، المسائل التي لا يعتبر فيها الإكراه (ص: 49).
(3)
انظر: بدائع الصنائع (7/ 180)، المغني (8/ 267).
(4)
انظر: بدائع الصنائع (7/ 180).
(5)
انظر: المحيط البرهاني (9/ 18)، مجمع الضمانات (ص: 158)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (6/ 132).
بأن قولهم: (إن المكرَه ملجأ) غير صحيح؛ فإنه متمكن من الامتناع، ولذلك أَثِم بقتله، وحَرُم عليه، وإنما قتله عند الإكراه ظنًا منه أنّ في قتله نجاة نفسه، وخَلاصُه من شر المكرِه، فأشبه القاتل في المخمصة ليأكله (1).
أدلة القول الثاني:
1.
عند الاختيار يضمن الجلاد، لأنه مباشر للقتل، والقاعدة الفقهية تقول:(إذا اجتمع المباشر والمتسبب يُضاف الحكم إلى المباشر)(2).
2.
عند الاختيار وعدم الإكراه يكون الجلاد القاتل دون الإمام؛ لأن طاعة الإمام لا تلزم في المعاصي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"(3).
3.
عند الإكراه يضمن الإمام والجلاد؛ أما الإمام فلأنه تسبب إلى قتله، فأشبه ما لو ألسعه حية، أو ألقاه على أسد في زُبْية (4).
وأما الجلاد فلأنه باشر قتله عمدًا ظلمًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله في
(1) انظر: المغني (8/ 267).
(2)
انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: 135)، الفروق للقرافي (2/ 206)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 162)، شرح الكوكب المنير (1/ 448)، القواعد لابن رجب (ص: 284)، وللاستزادة انظر: القواعد الفقهية المتعلقة بالمباشرة والتسبب وتطبيقاتها الفقهية في الفقه الإسلامي (بحث تكميلي للماجستير-كلية الدراسات العليا- الأردن).
(3)
رواه عبد الرزاق في المصنف (2/ 383)، وابن أبي شيبة في المصنف (6/ 545)، وأحمد في مسنده (2/ 333)، والطبراني في المعجم الكبير (18/ 165)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في الصحيحة (179).
وجاء بلفظ آخر في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة» . رواه البخاري في صحيحه، الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، رقم (2955)، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم (1839).
(4)
الزُّبْيَة: بوزن غرقة: الرابية لا يعلوها الماء، وحفرة تحفر للأسد شبه البئر سميت بذلك لكونها تحفر في مكان عال. انظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 435).
المخمصة ليأكله (1).
4.
إنما هما شريكان، يجب القصاص عليهما جميعًا، فوجبت الدية عليهما، كالشريكين بالفعل، وكما يجب الجزاء على الدال على الصيد في الإحرام والمباشر، والرِّدْء والمباشر في المحاربة (2).
تعليل القول الثالث:
1.
يضمن الإمام لتسببه، ويضمن الجلاد لمباشرته (3).
2.
يضمن المباشر؛ إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلمًا، ويضمن الإمام أيضًا؛ لأن الجلاد كآلة له (4).
3.
في تضمين الإمام اعتبارٌ للمصلحة، وحسمٌ لعدوان الأئمة (5).
(1) انظر: المغني (8/ 267).
(2)
نفس المرجع.
والرِّدْءِ" مهموزًا بوزن عِلْم: المعين، وهو العون أيضًا، قال الله تعالى:{فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص: 34]. أي: معينًا.
انظر: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)(18/ 249)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 460).
(3)
انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 246)
(4)
انظر: منح الجليل (9/ 27).
(5)
انظر: الحاوي الكبير (12/ 72)، بحر المذهب للروياني (12/ 67).
دليل القول الرابع:
القاعدة السابقة: (إذا اجتمع المباشر والمتسبب يُضاف الحكم إلى المباشر)(1).
والجلاد هو المباشر، فهو الضامن.
الترجيح:
الذي يظهر- والله أعلم- أن الراجح التوسط بين الأقوال بما يلي:
1.
الضمان على الإمام والجلاد معًا عند الاختيار؛ لأن كثيرًا ما يكون أمر السلطان إكراه؛ فإن السلطان لا يُؤمن تغيًّره بتغيُّر البطانة والنقَلة، ثم إن المأمور يعلم عادة أنه يعاقبه إن لم يمتثل أمره (2). ويضمن الجلاد؛ لأنه مباشر كما تقدم.
2.
الضمان على الإمام فقط عند الإكراه الملجئ؛ لأنه ليس إكراهًا على القتل مباشرة، ولكنه إكراه على الجلد الذي أفضى إلى الموت، ولأنه يصح نسبة الجلد والقتل إلى الإمام وإضافة الفعل إليه لأنه الآمر به كقوله تعالى:{يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} (3) أي أمر بذبحهم (4)، وقوله تعالى:{إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (5) فهو الذي خرج صلى الله عليه وسلم، قال الإمام القرطبي رحمه الله:"في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكرَه إلى الذي ألجأه وأكرهه، لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار"(6).
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، قال: "كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه، فَلَزِقَتْ قدمه بالركاب، فَنَزَلْت، فنزعتها، وذلك بمنى، فبلغ الحجاج فجعل يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك، فقال ابن
(1) تقدمت قريبًا (ص: 202).
(2)
انظر: المحيط البرهاني (9/ 18)، مجمع الضمانات (ص: 158)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (6/ 132).
(3)
سورة القصص: 4.
(4)
تفسير القرطبي (4/ 295).
(5)
سورة التوبة: 40.
(6)
تفسير القرطبي (12/ 69).
عمر: «أنت أصبتني» قال: وكيف؟ قال: «حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم» (1) ".
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قوله "أنت أصبتني" فيه نسبة الفعل إلى الآمر بشيء يتسبب منه ذلك الفعل وإن لم يَعْنِ الآمر"(2). والله تعالى أعلم.
* * *
(1) صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، رقم (966).
(2)
فتح الباري (2/ 456).