الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: حكم النكاح لكافر نكح في الشرك، ثم إن المرأة وُطئت بشبهة بعد جريان النكاح، وجرت في العدة، فلحق الإسلام النكاح والمرأة في عدة الشبهة
.
قبل الشروع في المسألة أذكر توطئة ونقاطًا للمسألة:
1.
الكفار يُقَرُّون على أنكحتهم، ولا يُتعرَّض لها بالفسخ، وإذا أسلما يصح منها ما لو ابتدؤوا عقد النكاح بعد الإسلام لجاز (1).
2.
أنكحة الكفار صحيحة إذا اعتقدوا حلَّها، ولم يترافعوا إلينا (2).
3.
أجمع العلماء أن الزوجين إذا أسلما معًا في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحهما إلا أن يكون بينهما نسب أو رضاع يوجب التحريم، وأن كل من كان له العقد عليها في الشرك كان له المقام معها إذا أسلما معًا (3).
4.
وأجمعوا على أن الزوجين من أهل الكتاب إذا أسلم الرجل منهما قبل امرأته أنهما على نكاحهما (4).
5.
اختلفوا في حكم نكاح الزوجين، إذا كانا كتابيين فأسلمت المرأة، أو غير كتابيين فأسلم أحدهما (ومذهب الشافعية والحنابلة) (5): إذا أسلم أحدهما قبل الدخول انفسخ النكاح بالإسلام، وبانت المرأة، ولا تحل له إلا بعقد جديد، إذا أسلم المتخلف منهما بعد ذلك.
وإن أسلم أحدهما بعد الدخول وُقف النكاح، فإن أسلم الكافر منهما قبل انقضاء عدة الزوجة أُقرَّا على النكاح، وإن لم يسلم الكافر منهما حتى انقضت عدة الزوجة بانت
(1) انظر: المبسوط (5/ 38)، الذخيرة للقرافي (4/ 326)، منهاج الطالبين (ص: 213)، منتهى الإرادات (4/ 119).
(2)
وهو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية، انظر: المراجع السابقة، المغني (7/ 173).
(3)
التمهيد (12/ 23)
(4)
الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 42).
(5)
اكتفيت بهذا القول لأن اختيار الإمام الصيدلاني رحمه الله فرعٌ عنه.
منه من وقت إسلام المسلم منهما (1).
6.
أجمعت الأمَّة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة (2).
7.
مذهب جمهور أهل العلم أن العصمة الزوجية لا تنقطع نهائيًا بإسلام أحدهما، إلا أن العلاقة الزوجية من الوطء وسائر أوجه الاستمتاع تتوقّف، حتى يسلم المتحلِّف منهما فتعود الحياة الزوجية كما كانت أو يفسخ النكاح (3).
8.
الموطوءة بشبهة: وطء الشبهة أنواع، والمراد هنا شبهة المحل، وتسمى الشبهة الحكمية كما لو وطأ امرأة أجنبية في فراشه ظانًا أنها امرأته، وكالتي زُفَّت إلى غير زوجها (4).
9.
العدة: مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتقييد أو لتفجعها على زوج (5).
10.
أجمع العلماء على تحريم عقد النكاح في العدة (6) قال الله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} (7). أي: ولا تعزموا على عقد النكاح في
(1) وهو قول أشهب من المالكية. انظر: النوادر والزيادات (4/ 591)، الأم (5/ 71، 76)، العزيز (8/ 86 - 87)، الإنصاف (21/ 19، 25)، منتهى الإرادات (2/ 105). وانظر بحث المسألة: الأحكام المترتبة على إسلام الكافر (2/ 1005_1077).
(2)
انظر: تفسير القرطبي (3/ 72).
(3)
انظر: المنتقى (3/ 344)، الحاوي الكبير (9/ 262)، الإنصاف (21/ 26 - 27)، الأحكام المترتبة على إسلام الكافر (2/ 1072).
(4)
انظر: شرح فتح القدير (4/ 320)، روضة الطالبين (10/ 92)، أسنى المطالب (4/ 126)، ومعجم لغة الفقهاء (ص: 257).
(5)
انظر: أسنى المطالب (3/ 389).
ولشرح التعريف قال في نهاية الزين (ص: 328): "مدة تتربص فيها المرأة لبراءة رحمها من الحمل فيمن تحبل، وكان زوجها يولد، له وكانت فرقة حياة، أو للتعبد في صغيرة، أو آيسة، وكان زوجها لا يولد له، وكانت فرقة حياة، أو لتحزنها في فرقة الموت".
(6)
انظر: الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 5).
(7)
سورة البقرة: 235.
زمان العدة حتى تنقضي مدتها (1).
11.
ومن المقرر: إن وُطئت المزوجة بشبهة، لم يحل لزوجها وطؤها قبل انقضاء عدتها، كي لا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، واختلفوا هل له الاستمتاع منها بما دون الفرج (2).
ولبيان المسألة: رجل مشرك تزوج امرأة مشركة، ثم أسلمت المرأة فحصلت الفرقة، فوطئها رجل آخر بالشبهة في زمان التوقف، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء مدة العدة فهل يستمر النكاح؟ (3)
قول العلماء في المسألة:
مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو ظاهر قول الحنابلة (4)،
والذي قطع به الصيدلاني (5): أن النكاح قائم وباقٍ، ولا يؤثر ذلك في النكاح، ولا يمنعه ما بقي من عدة
(1) انظر: تفسير الطبري (4/ 283) مختصرًا.
(2)
انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 39)، (11/ 37)، المغني (8/ 98).
(3)
انظر: العزيز شرح الوجيز (8/ 92)، مغني المحتاج (4/ 325).
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 39)(11/ 37)، البحر الرائق (3/ 228)، النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (4/ 589)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (2/ 268)، التاج والإكليل لمختصر خليل (5/ 136)، نهاية المطلب (12/ 295)، العزيز شرح الوجيز (8/ 92)، مغني المحتاج (4/ 325)، الفروع (8/ 301)، شرح منتهى الإرادات (2/ 658)(2/ 685)، كشاف القناع (5/ 80)(5/ 119).
وقول الحنفية: بالانتظار وتوقف النكاح لثلاث حيض إذا كان الإسلام في دار الحرب.
لم يجعلوه عدة، لأنه يستوي فيه المدخول بها وغير المدخول.
وقالوا: إن توقف النكاح هنا لبقاء العصمة الزوجية حتى يفرّق القاضي بينهما فتعتد للفراق.
البحر الرائق (3/ 228)، النهر الفائق (2/ 288).
(5)
انظر: نهاية المطلب (12/ 295): "الكافر لو نكح في الشرك، ثم إن المرأة وُطئت بشبهة بعد جريان النكاح، وجرت في العدة، فلحق الإسلام النكاح والمرأة في عدة الشبهة، فالنكاح قائم، لا يدفعه ما بقي من عدة الشبهة، وإن كانت لا تنكح ابتداء.
هذا ما ذكره صاحب التقريب، وقد قطع بموافقته الصيدلاني"، وقال الرافعي رحمه الله: "لو أسلمت المرأة، فوطئت بالشبهة في زمان التوقف، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء مدة العدة، يستمر النكاح،
…
وهذا ما قطع به الصيدلاني" العزيز شرح الوجيز (8/ 92)، وانظر: المطلب العالي-تحقيق يوسف العمري (ص: 432).
الشبهة.
أدلتهم:
عموم أدلة إقرار النكاح لمن أسلم بعد زوجته في العدة، ومنها (1):
1.
عن ابن عباس قال: "ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يُحْدِثْ شيئًا"(2).
(1) انظر: البيان والتحصيل (5/ 61)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (4/ 86)، كشاف القناع (5/ 119).
(2)
أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطلاق، باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها؟ رقم (2240)، والترمذي في جامعه في كتاب النكاح، باب ما جاء في المشركين يسلم أحدهما رقم (1143)، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر رقم (2009)، وأحمد في المسند (4/ 195)، (5/ 323)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 256) والدارقطني في سننه (4/ 375)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 304)، من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به. قال الترمذي:"هذا ليس بإسناده بأس". وصححه أحمد والبخاري والدارقطني والحاكم _ ووافقه الذهبي _ وابن حزم، والبيهقي والألباني.
انظر: المسند (11/ 350)، علل الترمذي الكبير (1/ 452)، معالم السنن (3/ 151)؛ المستدرك (2/ 200)، المحلى (7/ 315)؛ التمهيد (12/ 20)؛ نصب الراية (3/ 209)؛ تهذيب سنن أبي داود (3/ 154)؛ أحكام أهل الذمة (2/ 674)؛ تهذيب التهذيب (3/ 181، 9/ 38_46)، تقريب التهذيب (ص 305، 825)، الجوهر النقي (7/ 305)، إرواء الغليل (6/ 339، 340).
2.
عن ابن شهاب (1): أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام (2)، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحًا، وما عليه رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما ذلك (3).
وجه الدلالة من الحديثين:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أبقاهم على أنكحتهم، ولم يسأل المرأة هل انقضت عدتك أم لا؟ ولا
(1) هو الإمام علم الحفاظ أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المدني، الإمام: ولد سنة خمسين، وحدث عن ابن عمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك. وقال مالك:"بقي ابن شهاب وماله في الدنيا نظير". وقال أيوب السختياني: "ما رأيت أعلم منه". قال سعد بن إبراهيم: "ما رؤي أحد جمع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جمع ابن شهاب"، قال الذهبي:"الزهري أعلم الحفاظ"، توفي في رمضان سنة أربع وعشرين ومائة.
انظر: تذكرة الحفاظ (1/ 83 - 85)، سير أعلام النبلاء (5/ 326 - 350).
(2)
أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية، زوج عكرمة بن أبي جهل ابن عمها، أسلمت يوم الفتح. انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1932)، الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 379).
(3)
رواه مالك في الموطأ في كتاب النكاح، باب نكاح المشركة إذا أسلمت قبله (2/ 545)، وعبد الرزاق في مصنفه (7/ 169)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 256)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب من قال لا ينفسخ النكاح بينهما بإسلام أحدهما إذا كانت مدخولًا بها حتى تنقضى عدتها قبل إسلام المتخلف منهما (7/ 302) برقم (14063).
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: "هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير وابن شهاب إمام أهل السير وعالمهم وكذلك الشعبي وشهرة هذا لحديث أقوى من إسناده إن شاء الله". التمهيد (12/ 19)، وقال الألباني:"وهذا إسناد مرسل أو معضل" إرواء الغليل (6/ 337).
سأل عن ذلك امرأة واحدة، مع أن كثيرًا منهن أسلم بعد مدة يجوز انقضاء العدة فيها (1).
3.
قالوا: لأن عدة الشبهة لا تقطع نكاح المسلم، فهذا أولى؛ لأنه يحتمل في أنكحة الكفار ما لا يحتمل في أنكحة المسلمين (2).
* * *
(1) انظر: أحكام أهل الذمة (2/ 662).
(2)
انظر: نهاية المطلب (12/ 295)، العزيز شرح الوجيز (8/ 92)، مغني المحتاج (4/ 325).