الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: هل يشترط أن يكون السيد عالماً عند إقامة الحد على مملوكه
؟
اختلف العلماء رحمهم الله: هل للسيد أن يقيم الحدَّ على مملوكه أو مملوكته، فذهب الجمهور إلى جوازه في الجلد (1) بشروطه، وذهب الحنفية إلى أن حكم العبيد كحكم الأحرار، لا يقيم الحدود عليهم إلا الإمام أو نائبه (2).
وعلى قول الجمهور هل من شروط إقامة السيد الحد على مملوكه أن يكون السيد عالماً؟
السيد إما أن يكون عالماً أو جاهلًا، فإن كان عالماً فإما أن يكون مجتهدًا أو غير مجتهد، أما الاجتهاد فلا يشترط عند الأئمة أن يكون السيد مجتهدًا (3).
والجاهل قد يكون جاهلًا مطلقًا، وقد يكون جاهلًا في عامة الأبواب عالماً بقدر الحد وكيفيته.
أما كون السيد عالماً بأحكام الحدود، فقد اشترطه الشافعية والحنابلة (4)، واختيار الصيدلاني (5).
(1) وهناك قول بأن للسيد إقامة جميع الحدود على رقيقه بما في ذلك القتل والقطع، وهو قولٌ للشافعية وهو المعتمد، ورواية لأحمد، وقول الظاهرية، واختيار ابن تيمية. انظر: الحاوي الكبير (13/ 248)، مغني المحتاج (5/ 455)، الإنصاف (10/ 151)، المحلى (11/ 164)، الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 286).
(2)
انظر: المبسوط (9/ 80)، التبصرة (13/ 6230)، تحفة المحتاج (9/ 116)، كشاف القناع (5/ 491).
(3)
انظر: نهاية المطلب (17/ 210).
(4)
انظر: الحاوي الكبير (13/ 247)، نهاية المطلب (17/ 210)، البيان (12/ 380)، العزيز شرح الوجيز (11/ 165)، روضة الطالبين (10/ 104)، الغرر البهية مع حاشية الشربيني (5/ 88)، الكافي في فقه الإمام أحمد (4/ 107)، المغني (9/ 53)، منتهى الإرادات (5/ 113)، كشاف القناع (6/ 78)، مطالب أولي النهى (6/ 159).
(5)
في نهاية المطلب (17/ 210): "قال الصيدلاني: إذا قلنا: إنه يسمع الشهادة، فلا بد أن يكون عالماً".
قالوا:
1.
لأن الجاهل بالحد لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعي فلا يفوض إليه (1).
2.
لأنها ولاية في إقامة الحد، فيمنع الجاهل من إقامته، كولاية الحاكم (2).
ولم أجد نصًا للمالكية في المسألة، وقد ذكروا شروطًا لإقامة السيد الحدود (3)، ولم يذكروا كونه عالماً؛ وعدم الذكر ليس ذكرًا للعدم (4)، أما مذهب الحنفية فهم لا يجيزون للسيد إقامة الحد مطلقًا كما تقدم.
وأما إذا كان السيد عالماً بأحكام الحدود وبقَدْرها وكيفيتها، وما يجب فيها وما لا يجب جاهلًا بغيرها ففيه وجهان:
الوجه الأول: لا يصح أن يكون السيد جاهلًا، وهو وجه عند الشافعية (5).
الوجه الثاني: يصح أن يكون السيد جاهلًا بغير أحكام الحدود عالماً بها، وهو قول الشافعي في القديم (6).
(1) انظر: البيان (12/ 380)، المغني (9/ 53).
(2)
انظر: البيان (12/ 380)، العزيز شرح الوجيز (11/ 165)، روضة الطالبين (10/ 104).
(3)
قالوا: "وللسيد أن يقيم على مملوكه حد الزنا بشرطين: الأول: أن يكون المملوك خاليًا من الزواج. الثاني: أن لا يكون موجب الحد ثابتًا بعلمه، فلا بد أن يثبت الزنا على الرقيق بإقراره، أو بظهور حمل، أو بشهادة أربعة ذكور أحرار غير السيد فإن كان السيد أحدهم رُفع إلى الإمام. "وهناك شرط ثالث: أن يكون الحد جلدًا كحد الزنا، وحد القذف، وحد الشرب، دون حد السرقة والردة. انظر: شرح الخرشي (8/ 84)، حاشية الدسوقي (4/ 322).
(4)
ولا يرِد علينا: أن هذه القاعدة مقيَّدة بما لم تتوافر الدواعي بنقله؛ لأن اشتراط العلم لا تتوافر الدواعي بنقله؛ لا سيما وأن السيد فرع عن الولي والحاكم في هذه المسألة، فقد يكتفي الفقهاء بذكر الشروط التي تختص بالفرع، مع الإعراض عن ذكر الشروط العامة، اكتفاء بذكرها في الأصل.
(5)
انظر: البيان (12/ 380)، العزيز شرح الوجيز (11/ 165)، روضة الطالبين (10/ 104).
(6)
نفس المراجع.
تعليل الوجه الأول:
قالوا: لأنها ولاية في إقامة الحد، فيمنع الجاهل من إقامته، كولاية الحاكم (1).
أدلة الوجه الثاني:
1.
قوله صلى الله عليه وسلم: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (2).
وجه الدلالة:
أن هذا خطاب يعم الجميع، العالم والجاهل (3).
2.
ولأنها ولاية بحق الملك، فلم يمنع الجهل منها، كولاية النكاح (4).
3.
ولأنها استصلاح وليست ولاية، فلا يشترط فيها العلم (5).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- الوجه الثاني؛ لقوة دليلهم وتعليلهم؛ ولأن المراد هو إقامة الحدّ الذي أراده الله تعالى، وهذا يتحقق وقوعه ممن هو عالم بالحدود، وشروطها. وإن كان الواقع يشهد بأن مَنْ جهل أحكام الدّين فجهله بأحكام الحدود وشروطها من باب أولى.
* * *
(1) نفس المراجع.
(2)
رواه أحمد في مسنده (2/ 352)، وأبو داود في سننه، كتاب الحدود: باب إقامة الحد على المريض، رقم (4473)، والنسائي في "الكبرى"، كتاب الرجم: باب تأخير الحد عن الوليدة إذا زنت حتى تضع حملها ويجف عنها الدم وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عبد الأعلى فيه، رقم (7268، 7269)، والدارقطني في سننه (4/ 198)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 399)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (9/ 355)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (7/ 360)، وأصله في صحيح مسلم بلفظ "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد" رواه مسلم في كتاب الحدود: باب تأخير الحد عن النفساء، حديث (1705).
(3)
انظر: البيان (12/ 380).
(4)
نفس المرجع.
(5)
انظر: العزيز شرح الوجيز (11/ 165)، روضة الطالبين (10/ 104).