الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: حكم القصاص فيما لو ألقى زيد رجلاً في النار وكان من الممكن للرجل أن يتخطاها ويتعدّاها، فلبث حتى أحاط به الوهجُ واللّفحُ
.
ليس في المسألة اختيار للصيدلاني، وإنما قال:"ذكره الصيدلاني"(1).
المسألة الثانية: نوع القتل فيما إذا رمى جماعةٌ حجرًا بالمنجنيق، وقصدوا شخصًا أو جماعة بأعيانهم فأصابوا من قصدوه
.
المنجنيق: بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم، وهي آلة ترمى بها الحجارة (2).
والمنجيق بمنزلة المِدفع في وقتنا الحاضر، وكانوا سابقًا يضعون المنجنيق بين خشبتين وعليهما خشبة معترضة، وفيها حبال قوية، ثم يُجعل الحجر بحجم الرأس أو نحوه في شيء مقبب، ثم يأتي رجال أقوياء يشدونه ثم يطلقونه، وإذا انطلق الحجر انطلق بعيدًا، فكانوا يستعملونه في الحروب (3).
فمن رمى شخصًا أو جماعة بالمنجنيق، إما أن يقصدهم بأعيانهم أو لا يقصدهم بأعيانهم،
والمراد في مسألتنا هو أن يقصدهم بأعيانهم، فهل قتله هذا قتل عمد أو شبه عمد؟
في المسألة قولان:
القول الأول: شبه عمد (4)،
وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة، ووجه عند الشافعية (5)،
(1) نهاية المطلب (16/ 49).
(2)
انظر: تحرير ألفاظ التنبيه (ص: 301)، المطلع (ص: 248)، القاموس المحيط (ص: 298)، شرح الخرشي (3/ 113).
(3)
الشرح الممتع على زاد المستقنع (8/ 23).
(4)
قتل شبه العمد: أن يقصد معصوم الدم فيقتله بجناية لا تقتل غالبًا. روضة الطالبين (9/ 342)، مغني المحتاج (5/ 357).
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي (26/ 123)، بدائع الصنائع (1/ 321)، روضة الطالبين (9/ 342)، مغني المحتاج (5/ 357).
وقول عند الحنابلة (1).
القول الثاني: عمد، وهو قول الصاحبين، ومذهب المالكية والشافعية (2)، وقول عند الحنابلة (3)، واختيار الصيدلاني (4).
أدلة القول الأول:
1.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل"(5).
وجه الدلالة:
أن المنجنيق حجر، وقد صرح الحديث بأن القتل بالحجر شبه عمد.
ونوقش:
بأن الحجر المذكور في هذا الحديث هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط، والعصا الذي لا يقتل أمثالهما (6).
(1) جزم به في الفروع والإنصاف والإقناع، وقال المرداوي:"وهذا المذهب"، انظر: الفروع (9/ 425)، الإنصاف (10/ 39 - 40)، الإقناع (4/ 203).
(2)
انظر: المبسوط (26/ 122)، البحر الرائق (8/ 327)، شرح الخرشي وحاشية العدوي (8/ 7)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 243)، روضة الطالبين (9/ 342)، مغني المحتاج (5/ 357)، الفروع (9/ 425)، الإنصاف (10/ 39 - 40).
(3)
وجزم به في المنتهى (5/ 62)، وغاية المنتهى كما في مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (6/ 85)، ورجحه البهوتي في كشاف القناع (6/ 12).
(4)
في روضة الطالبين (9/ 342): "وإن قصدوا شخصًا أو جماعة بأعيانهم فأصابوا من قصدوه، فوجهان؛ قطع العراقيون بأنه شبه عمد؛ لأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق، والثاني وبه قطع الصيدلاني، والإمام والغزالي والمتولي، ورجحه البغوي والروياني: أنه عمد إذا كانوا حاذقين تتأتى لهم الإصابة، والغالب الإصابة". وانظر: العزيز شرح الوجيز (10/ 458).
(5)
رواه أحمد في مسنده (8/ 521)، وعبد الرزاق في مصنفه (9/ 281)، والنسائي في سننه، كتاب القسامة، باب من قتل بحجر أو سوط، رقم (4793)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي نفس الرقم.
(6)
شرح مشكل الآثار (12/ 466).
2.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا قود إلا بالسيف» (1).
وفي لفظ: «لا قود إلا بسلاح» (2).
وفي لفظ: «كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش (3)» (4).
وجه الدلالة:
أن هذا نص على نفي القصاص والقود بغير السيف والسلاح، وكل قتل بغير السلاح فليس بعمد (5).
ونوقش:
بأن الأحاديث في ذلك ضعيفة (6).
3.
عن علي رضي الله عنه قال: «شبه العمد الضربة بالخشبة، أو القذفة بالحجر
(1) رواه بهذا اللفظ ابن ماجه في سننه، أبواب الديات، باب لا قود إلا بالسيف، رقم (2667) والدارقطني في سننه (4/ 69)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 110)، وضعفه الدارقطني والبيهقي وابن رجب وابن حجر، وقال الإمام أحمد:"وليس إسنادُه بجيد، وحديث أنس، يعني: في قتل اليهودي بالحجارة أسندُ منه وأجودُ" وقال الإمام أبو حاتم: منكر، وقال الألباني: ضعيف جدًا.
انظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (4/ 229)، المغني (8/ 302)، جامع العلوم والحكم (1/ 438)، فتح الباري لابن حجر (12/ 200)، وإرواء الغليل (7/ 287).
(2)
رواه الدارقطني في السنن (4/ 71) وفي سنده سليمان بن أرقم قال الدارقطني: "هو متروك".
(3)
أرش الجراحة ديتها. انظر: المصباح المنير (1/ 12).
(4)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (9/ 273)، ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 348)، وأحمد في مسنده (30/ 342)، والدارقطني في سننه (4/ 106)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 76) وقال البيهقي: مدار هذا الحديث على جابر الجعفي، وقيس بن الربيع، ولا يحتج بهما. وقال الذهبي: جَابر واه تنقيح التحقيق للذهبي (2/ 232)، وقال الأرناؤوط:"إسناده ضعيف جدًا".
(5)
انظر: المبسوط للسرخسي (26/ 122)، بدائع الصنائع (7/ 245)، الهداية في شرح بداية المبتدي (4/ 445).
(6)
كما تقدم.
العظيم» (1).
والمنجنيق قذفة بالحجر العظيم.
4.
قالوا: ولأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق، وقصد الواحد بالمنجنيق يندر إصابته (2).
5.
ولأن قصد الواحد بعينه بالمنجنيق لا يكاد يفضي إلى إتلافه (3).
أدلة القول الثاني:
1.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "خرَجَت جارية عليها أوضاح (4) بالمدينة، قال: فرماها يهودي بحجر، قال: فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلان قتلك؟ » فرفعَت رأسها، فأعاد عليها، قال: «فلان قتلك؟ » فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: «فلان قتلك؟ » فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله بين الحجرين"(5).
وجه الدلالة:
أن الحديث يدل على أن القتل بالحجر ومنه المنجنيق من قتل العمد لقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي قصاصًا (6).
2.
لأنهم قصدوا القتل بما يقتل غالبًا، كما لو ضربوه بمثقل يقتل غالبًا فصار
(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه (9/ 280) وابن أبي شيبة في مصنفه (5/ 348).
(2)
انظر: روضة الطالبين (9/ 342)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (6/ 151).
(3)
انظر: المغني (8/ 419)، الإقناع (4/ 203).
(4)
الأوضاح نوع من الحلي سميت بذلك لبياضها؛ لأنها تعمل من الفضة. انظر: فتح الباري (1/ 206).
(5)
وفي رواية: «فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بين حجرين» .
رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب إذا قتل بحجر أو بعصا، رقم (6877)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات، والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة (1672).
(6)
البحر الرائق (8/ 332).
عمدًا (1).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم - القول بأن الرمي بالمنجنيق لمن قصد جماعة بأعيانهم أو شخصًا بعينه أنه من قبيل القتل العمد:
1.
لحديث أنس في اليهودي الذي قتل الجارية بحجر.
2.
ولأن المنجنيق لا يكون إلا في القتال؛ فهو موضوع للقتال ابتداءً.
3.
ولإمكان مناقشة أدلة القول الأول وضعف المسند منها.
4.
وأما أثر علي رضي الله عنه (2) فهو موقوف لا ينهض لمعارضة المرفوع، وعلى القول به يحمل على ما لا يقتل غالبًا، والله أعلم.
* * *
(1) شرح منتهى الإرادات (3/ 296).
(2)
تقدم ص: 193.