الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: حكم النكاح فيما إذا اعترف الزوج بعلمه بفسق شاهدي النكاح حالة العقد، وأنكرت المرأة
.
اتفق الفقهاء على قبول شهادة العدلين (1)، واختلفوا فيما إذا بان الشاهدان فاسقَين (2)
حال العقد على قولين؛ فمذهب الجمهور أنه لا ينعقد النكاح
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 31)، الهداية (1/ 185)، مختصر خليل (ص: 96)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (2/ 216)، منهاج الطالبين (ص: 206)، تحفة المحتاج (7/ 228)، الإنصاف (8/ 102)، كشاف القناع (5/ 65)، بداية المجتهد (4/ 245).
(2)
الفاسق: من فعل الكبيرة أو أصرّ على الصغيرة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو عذاب، أو لعنة "رواه البيهقي في شعب الإيمان (1/ 460). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (3/ 934)، وابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان)(8/ 245).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال النووي: اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا كثيرًا منتشرًا جدًا؛ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب"، ونحو هذا عن الحسن البصري وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنارٍ أوحدٍّ في الدنيا، وقال أبو حامد الغزالي في البسيط: "والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف، وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها، والمتجرئ عليه اعتيادًا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس، أو اللسان، وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة". وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله في فتاويه:"الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عِظَمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق". وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله في كتابه القواعد: "لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارًا دون الكبائر المنصوص عليها"، قال الحافظ:"وهو ضابط جيد، وقال القرطبي في المفهم: الراجح أن كل ذنب نص على كبيرة أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه فهو كبيرة" فتح الباري (10/ 410 - 411).
وانظر: شرح النووي على مسلم (2/ 85)، روضة الطالبين (7/ 65)، مجموع فتاوى ابن تيمية (11/ 50)، الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 13)، تحفة المحتاج (10/ 213)، نهاية المحتاج (8/ 294).
بشهادة الفاسقَين، خلافًا للحنفية القائلين بأنه ينعقد (1).
وقد تخفى على الناس حال الشاهدين عند العقد، ثم يتبيّن فسقهما أو فسق أحدهما بعد العقد.
ومسألتنا: إذا اختلف الزوجان بعد عقد النكاح، فقال الزوج بعلمه بفسق شاهدي النكاح حالة العقد، وأنكرت المرأة:
للعلماء رحمهم الله في هذه المسألة قولان:
القول الأول: بقاء العقد على الصحة، ولا اعتبار بقول الزوج، وهو مقتضى (قول الحنفية (2)، ورواية عن أحمد (3))؛ لأنهم يرون صحة وانعقاد النكاح بشهادة الفاسقين (4).
القول الثاني: يُفرَّق بينهما بقوله ويرتفع النكاح، وهو قول الشافعية (5)، ثم اختلفوا على وجهين:
الوجه الأول: لا يُقبل قوله عليها في المهر، فيجب نصف المهر المسمى إن كان قبل الدخول، وكل المهر إن كان بعده، وهو المذهب عند الشافعية (6)، وفي سبيل هذا التفريق قولان:
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 31)، الهداية (1/ 185)، مختصر خليل (ص: 96)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (2/ 216)، منهاج الطالبين (ص: 206)، تحفة المحتاج (7/ 228)، الإنصاف (8/ 102)، كشاف القناع (5/ 65)، بداية المجتهد (4/ 245).
(2)
انظر: المبسوط (5/ 31)، بدائع الصنائع (2/ 255)، الهداية (1/ 185)، البناية (5/ 14).
(3)
انظر: المغني (7/ 10)، الفروع (8/ 231)، الإنصاف (8/ 102).
(4)
ولم أجد من نص على المسألة المتفرعة هذه عند غير الشافعية رحمهم الله.
(5)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 65 - 66)، روضة الطالبين (7/ 48)، منهاج الطالبين (ص: 206).
(6)
انظر: المراجع السابقة.
الأول: فُرِّق بينهما فرقة فسخ لا فرقة طلاق، فلا ينقص عدده؛ فتعود إليه بثلاث طلقات إن نكحها، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (1).
الثاني: هو طلقة بائنة، ينقص به عدد الطلاق؛ فلو نكحها يومًا، عادت بطلقتين، وهو وجه عند الشافعية (2)، واختيار الصيدلاني (3).
ملاحظة:
استشكل السبكي كُلًّا من الوجهين؛ بأن كلًّا من الفسخ والطلاق يقتضي وقوع عقد صحيح وهو ينكره؛ قال: "فالوجه تأويل قولهم الفسخ على الحكم بالبطلان، وتأويل الحكم بالطلاق على أنه في الظاهر دون الباطن"(4).
الوجه الثاني: يُفرَّق بينهما بقوله ويرتفع النكاح، ويقبل قوله في المهر، فيسقط، ولا يلزمه. (وعلى هذا قالوا): إن كان اعترافه قبل الدخول فلا شيء عليه، وإن كان بعده فعليه أقل الأمرين من المسمى، ومهر المثل، وهو وجه عند الشافعية (5).
الأدلة:
رأيت أن أشرع أولًا في أدلة القولين مجملًا، ثم الكلام في أدلة كل وجه من أوجه الشافعية.
أولًا: أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائلون ببقاء عقد النكاح على الصحة بأدلة قبول
(1) انظر: الوسيط (5/ 56)، منهاج الطالبين (1/ 96)، أسنى المطالب (3/ 124)، مغني المحتاج (4/ 238).
(2)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 65 - 66)، روضة الطالبين (7/ 48).
(3)
في نهاية المطلب (12/ 56): "ولو اعترف الزوج بذلك، وأنكرت المرأة، فيحكم بارتفاع النكاح، قال الصيدلاني: سبيله سبيل طلقة بائنة: فإن جرى ذلك قبل الدخول، لزمه نصف المسمى، وإن جرى بعده، فجميعه. ولو نكحها بعده عادت إليه بطلقتين" وانظر: الوسيط (5/ 56)، المطلب العالي - تحقيق فرحات بن علي صنانة (ص: 430).
(4)
مغني المحتاج (4/ 238).
(5)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 65 - 66)، فتح العزيز (7/ 522)؛ روضة الطالبين (7/ 48).
شهادة الفاسق على النكاح من المنقول والمعقول (1):
من المنقول (2):
عموم قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} (3)، وقوله صلى الله عليه وسلم «لا نكاح إلا بشهود» (4).
وجه الدلالة:
أنّ الفاسق شاهد؛ لقوله سبحانه وتعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (5) فقد قسَّم الشهود إلى مرضيين وغير مرضيين، فيدل على كون غير المرضي - وهو الفاسق - شاهدًا (6).
ونوقش:
بأن الفاسق ليس بمرضي، وإنما المرضيُّ من كان عدلًا مستقيمًا في دينه وشهادته (7).
من المعقول:
1.
أن حضور الشهود في باب النكاح لدفع تهمة الزنا - لا للحاجة إلى شهادتهم عند الجحود والإنكار؛ لأن النكاح يشتهر بعد وقوعه - فيمكن دفع الجحود والإنكار
(1) انظر: الأحكام المترتبة على الفسق (1/ 323 - 328).
(2)
المبسوط للسرخسي (5/ 30)، بدائع الصنائع (6/ 271).
(3)
سورة البقرة: 282.
(4)
كذا ذكره السرخسي في المبسوط (5/ 30)، والكاساني في بدائع الصنائع (6/ 271)، ولم أجده بهذا اللفظ.
قال الزيلعي رحمه الله: "غريب بهذا اللفظ" نصب الراية (3/ 167). والزيلعي في تخريجه لأحاديث الهداية إذا قال عن حديث: "غريب" فهو يعني "لا أصل له"، وهو اصطلاح خاص به، قاله الشيخ الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/ 44) وغيرها.
(5)
سورة البقرة: 282.
(6)
بدائع الصنائع (6/ 271).
(7)
أسنى المطالب (4/ 339)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (10/ 286).
بالشهادة بالتسامع، والتهمة تندفع بحضرة الفاسق، فينعقد النكاح بحضرتهم (1).
2.
الأصل أن كل من يصلح أن يكون قابلًا للعقد بنفسه ينعقد النكاح بشهادته، وكل من يصلح أن يكون وليًا في نكاح يصلح أن يكون شاهدًا في ذلك النكاح، فالفاسق صالح للعقد بنفسه، وأن يكون وليًا في النكاح، فيصلح أن ينعقد النكاح بشهادته. وعلى هذا الأصل قلنا: ينعقد النكاح بشهادة الفاسقين (2).
3.
أن عمومات النكاح مطلقة عن شرط، ثم اشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ثبتت بالدليل، فمن ادعى شرط العدالة فعليه البيان (3).
4.
إن الفسق لا يخرج الفاسق من أن يكون أهلًا للإمامة والسلطنة، ومن ضرورة كونه أهلًا للإمامة كونه أهلًا للقضاء؛ لأن تقلد القضاء يكون من الإمام، ومن ضرورة كونه أهلًا لولاية القضاء أن يكون أهلًا للشهادة (4).
5.
أن حضور الشاهدين حال العقد تحمُّل لا يشترط فيه العدالة، فصحَّت من الفاسقين قياسًا على سائر التحمُّلات في العقود.
وبيان ذلك:
أن الشهادة تحمُّل، وحضور الفاسقين للعقد إنما هو حال تحمل الشهادة فصحَّت من الفاسق؛ لأنّ عدالة الشهود إنما تشترط وقت الأداء لا وقت التحمُّل؛ لأن الفسق يؤثر في الشهادة للتهمة ولا تهمة في وقت التحمُّل، ألا ترى لو رأى الفاسق شيئًا، أو سمعه، ثم عدل، وشهد به، قبلت شهادته، بغير خلاف، وكذلك لو تحمل صبيٌّ شهادةً ثم بلغ أو عبدٌ ثم أعتق، أو كافرٌ ثم أسلم قُبلت شهادتهم اعتبارًا بحالهم وقت الأداء لا وقت التحمل، كذلك شهادة الفاسقين في النكاح (5).
(1) انظر: المبسوط (5/ 31)، بدائع الصنائع (6/ 271).
(2)
انظر: المبسوط (4/ 56)، بدائع الصنائع (2/ 255).
(3)
انظر: بدائع الصنائع (2/ 255).
(4)
انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 32).
(5)
انظر: بدائع الصنائع (2/ 255)، الاختيار لتعليل المختار (3/ 83)، الحاوي الكبير (9/ 60)، المغني (7/ 10)، (10/ 185).
ونوقش:
أن قولكم: "إن حضور العقد حال تحمُّلٍ لا يراعى فيه العدالة" خطأ لا يسلَّم به؛ لأن الشهادة في عقد النكاح وإن كانت تحمُّلًا فهي تجري مجرى الأداء من وجهين:
أحدهما: وجوبها في العقد كوجوبها في الأداء.
والثاني: أن يراعى فيه حرية الشهود وإسلامهم وبلوغهم كما يراعى في الأداء وإن لم تراع في تحمل غيره من الشهادات، فكذلك الفسق (1).
6.
الصدق لا يقف على العدالة لا محالة، فإن من الفسقة من لا يبالي بارتكابه أنواعًا من الفسق، ويستنكف عن الكذب، والكلام في فاسق تحرى القاضي الصدق في شهادته فغلب على ظنه صدقه - ولو لم يكن كذلك - لا يجوز القضاء بشهادته عندنا (2).
أدلة القول الثاني على أنه يُفرَّق بينهما بقول الزوج ويرتفع النكاح:
هي نفس أدلة الجمهور القائلين بعدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسقين، من المنقول والمعقول:
من المنقول (3):
1 -
قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (4).
وجه الدلالة:
لما اشتُرطت العدالة في الشهادة على الرجعة وهي أخفُّ حالا من عقد النكاح، كان اشتراطها في النكاح المغلَّظ أولى (5).
2 -
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (6).
(1) انظر: الحاوي الكبير (9/ 60).
(2)
بدائع الصنائع (6/ 271).
(3)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 60).
(4)
سورة الطلاق: 2.
(5)
الحاوي الكبير (9/ 60).
(6)
رواه مرفوعًا الشافعي في مسنده (ص: 220)، وعبد الرزاق في مصنفه (6/ 196)، وابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 455)، والطبراني في المعجم الكبير (18/ 142)، وابن حبان في صحيحه (9/ 386)، والدارقطني في سننه (4/ 315)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 202)، وفي معرفة السنن والآثار (10/ 54)، وابن حزم في المحلى (9/ 49). عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم.
والحديث بزيادة (شاهدي عدل) أعله مرفوعًا الأئمة: أحمد، والعقيلي، والدارقطني، وابن المنذر، وابن عبد البر، والبيهقي، والحاكم، وابن تيمية، وابن القيم، والعلائي، رحمهم الله.
وصححه ابن حبان وابن حزم والألباني رحمهم الله.
وقد صحح إسناده موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما الشافعي والبيهقي وابن عبد البر والألباني، وصحح وقفه على عمر رضي الله عنه البيهقي.
قال الشافعي رحمه الله: "وهو ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "، وتابعه البيهقي.
انظر: الأم للشافعي (5/ 180)، الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 309)، السنن الكبرى للبيهقي (7/ 202، 204)، ومعرفة السنن والآثار (10/ 54)، سؤالات البرقاني للدارقطني (ص: 38)، الإشراف لابن المنذر (5/ 31)، التمهيد لابن عبد البر (19/ 89)، الاستذكار (5/ 471)، المحلى لابن حزم (9/ 49)، معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: 134)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 175)، مجموع الفتاوى (32/ 35، 128)، جامع التحصيل (ص: 92)، إرواء الغليل (6/ 258 - 261)، مستدرك التعليل على إرواء الغليل (2/ 97 - 109).
واعتُرض عليه بما يلي:
1.
بضعف الحديث، قال الإمام أحمد بن حنبل وابن المنذر وابن عبد البر (1)،
(1) هو الإمام، العلامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة. قال الحميدي:"أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع، يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي".
وقال ابن حزم: "لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه"، وقال الذهبي:" كان إمامًا دينًا، ثقة، متقنًا، علامة، متبحرًا، صاحب سنة واتباع، وكان أولًا أثريًا ظاهريًا فيما قيل، ثم تحول مالكيًا مع ميل بين إلى فقه الشافعي في مسائل، ولا ينكر له ذلك، فإنه ممن بلغ رتبة الأئمة المجتهدين، ومن نظر في مصنفاته، بان له منزلته من سعة العلم، وقوة الفهم، وسيلان الذهن، وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام"، وممن أخذ عنه أبو محمد بن حزم. من كتبه الاستيعاب، والاستذكار، والتمهيد، وجامع بيان العلم وفضله توفي سنة 463 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 153)، الأعلام للزركلي (8/ 240).
وغيرهم من أئمة الحديث رحمهم الله: "لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإشهاد على النكاح شيء"(1).
فإذا جاز خلوّ النكاح من الإشهاد، فلا يُلتفت إلى العدالة التي هي وصفٌ للشهود.
2.
على التسليم بصحته:
أ- فإنَّ ذكر العدالة في موضع الإثبات يقتضي عدالة ما، وذلك من حيث الاعتقاد (2)
فالمراد من الحديث عدالة الدين لا عدالة التعاطي لإجماعنا على أن فسق التعاطي لا يمنع انعقاد النكاح (3).
ب- ليس في الحديث جعل العدالة صفة للشاهد؛ لأنه لو كان كذلك لقال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين)، بل هذا إضافة الشاهدين إلى العدل، وهو كلمة التوحيد فكأنه قال عليه الصلاة والسلام لا نكاح إلا بولي وقابلي كلمة العدل، وهي كلمة الإسلام، والفاسق مسلم فينعقد النكاح بحضرته (4).
(1) الإشراف لابن المنذر (5/ 31)، مجموع الفتاوى (32/ 128)
(2)
قال السرخسي رحمه الله: "فنحن نعمل بالمطلق والمقيد جميعًا مع أنه ذكر العدالة في موضع الإثبات فيقتضي عدالة ما، وذلك من حيث الاعتقاد" المبسوط للسرخسي (5/ 31).
ولم أجد من نقل هذا الجواب والذي بعده من الجمهور فضلًا عن مناقشته، وسأورده - إن شاء الله تعالى - عند الكلام على الترجيح.
(3)
بدائع الصنائع (2/ 253).
(4)
بدائع الصنائع (6/ 271)، والذي يظهر في معنى هذا الاستدلال:
أن تفسير العدل بكلمة التوحيد هنا مبني على تفسير كلمة "سواء" بعدل، كما فسره الإمام الطبري رحمه الله وغيره في سورة آل عمران {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}
[سورة آل عمران: 64]، فكلمة "السواء" هي كلمة العدل، وهي كلمة التوحيد. فكان معنى "وشاهدي عدل" وقابلي كلمة العدل أي شاهدي أن لا إله إلا الله.
وعليه فتأويل الحديث على فرض صحته "لا نكاح إلا بولي ومسلمين"، والفاسق مسلم.
انظر: تفسير الطبري (5/ 473).
ونوقش كلامهم بتضعيف الحديث:
على التسليم بضعفه، فإنه قد ثبت عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا اشتراط الشاهدين في النكاح وعدالتهما (1).
وأجيب:
بأنه قد خالفهما عدد من الصحابة من الذين أجازوا النكاح بغير شهود، كابن
(1) انظر: الإشراف لابن المنذر (5/ 31)، الأم للشافعي (5/ 180)، السنن الكبرى للبيهقي (7/ 124)، ومعرفة السنن والآثار (10/ 54).
ولا يشكل على ثبوت رواية عمر رضي الله عنه كونها من مراسيل سعيد بن المسيَّب عنه، قال البيهقي رحمه الله:"ولا يشكل ثبوت الرواية عن عمر رضي الله عنه كونها من مراسيل سعيد بن المسيَّب عنه؛ وسعيد بن المسيب كان يقال له راوية عمر، وكان ابن عمر يرسل إليه يسأله عن بعض شأن عمر وأمره" أهـ. السنن الكبرى للبيهقي (7/ 126)، معرفة السنن والآثار (11/ 269).
وقال أحمد بن حنبل: "هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ "اهـ. الجرح والتعديل (4/ 60)، وقال:"مرسلات سعيد بن المسيب صحاح لا نرى أصح من مرسلاته" اهـ. السنن الكبرى للبيهقي (6/ 42)
وقال أبو حاتم: "وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب (قال أبو محمد ابن أبي حاتم رحمه الله): يعني ما عدا منقطع سعيد بن المسيب أن يعتبر به" أهـ المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 6).
وقال ابن القيم فيمن ردّ روايةً لابن المسيب عن عمر: "هذا من باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبة" أهـ زاد المعاد (5/ 163).
وقال الشافعي: "لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعًا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثره عن أحد فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف" أهـ الأم (3/ 192)
وقال الحاكم: "فقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة" أهـ معرفة علوم الحديث (1/ 67).
عمر، وابن الزبير، والحسن بن علي رضي الله عنهم (1).
ونوقش:
بأنه لم يثبت عنهم ذلك؛ قال الإمام الترمذي رحمه الله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم إلا قومًا من المتأخرين من أهل العلم، وإنما اختلف أهل العلم في هذا إذا شهد واحد بعد واحد "(2).
والإمام الترمذي رحمه الله عالم باختلاف الصحابة رضي الله عنهم.
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: "وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد"، ولا مخالف له من الصحابة علمته"(3).
والحافظ ابن عبد البر عالم بفقه الصحابة، وبأقوال الإمام ابن المنذر ونقولاته - رحمهما الله - (4).
من المعقول:
أولًا: عموم أدلة عدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسقين، وهي:
1.
أن النكاح لا يثبت بشهادة الفاسقين، فلم ينعقد بحضورهما كالمجنونين أو كالعبدين (5).
(1) انظر: الإشراف لابن المنذر (5/ 32).
(2)
سنن الترمذي (2/ 403).
ولبحث مسألة حكم الشهادة على النكاح ينظر: فقه الإمام الترمذي لمازن الحسيني الحارثي رسالة ماجستير- جامعة أم القرى (ص: 265 وما بعدها).
(3)
الاستذكار (5/ 471).
(4)
انظر على سبيل المثال الاستذكار (1/ 211)، (2/ 76)(3/ 226)، (4/ 109، 275)، التمهيد (7/ 270، 278)، (9/ 217)، (20/ 143، 235)، وانظر: إجماعات ابن عبد البر في العبادات لعبد الله البوصي- رسالة ماجستير- ص 88.
(5)
المغني (7/ 9)، العزيز شرح الوجيز (7/ 518).
2.
ولأن كل موضع وجبت فيه الشهادة اعتبرت فيه العدالة كالحقوق (1).
3.
ولأن كل نقص يمنع من الشهادة في الأداء وجب أن يمنع انعقاد النكاح بها كالرق والكفر (2).
4.
ولأن كل ما لم يثبت بشهادة العبدين لم يثبت بشهادة الفاسقين كالأداء (3).
ثانيًا: أن الزوج أقرَّ على نفسه بأن الشاهدين فاسقان، والإقرار سيد الأدلة، فيفرق بينهما مؤاخذة له بقوله، ولاعترافه بما يتبين به بطلان نكاحه (4).
أدلة أوجه الشافعية المتفرعة عن القول الثاني:
أولا: أدلة القول بأنه لا يُقبل قوله عليها في المهر، فيجب نصف المهر المسمى إن كان قبل الدخول، وكل المهر إن كان بعده، وفُرِّق بينهما فرقة فسخ لا فرقة طلاق فلا ينقص عدده؛ فتعود إليه بثلاث طلقات إن نكحها:
1.
قالوا: إن المهر لا يسقط لسببين:
أ-لأن الفرقة جاءت بسببه.
ب-وتغليبًا لقول الزوجة لاستصحابها ظاهر العدالة (5).
2.
أنها فرقة فسخ وليست بطلاق لأنه لم ينشئ طلاقًا، ولا في موجب إقراره ما يقتضي الطلاق؛ فلا ينقص عدد الطلاق؛ فتعود إليه بثلاث طلقات إن نكحها (6).
3.
القياس على مسألة إقرار الزوج؛ بأن امرأة أرضعته وأرضعت زوجه؛ فكما أنه يُفسخ النكاح هنا، فكذلك في مسألتنا (7).
(1) الحاوي الكبير (9/ 60).
(2)
المرجع نفسه.
(3)
المرجع نفسه.
(4)
انظر: فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (2/ 43)، مغني المحتاج (3/ 146).
(5)
الحاوي الكبير (9/ 65 - 66).
(6)
نهاية المطلب (12/ 56).
(7)
قولهم: (كما لو أقر بالرضاع) التشبيه في الفسخ لا في عدم نقص الطلاق؛ لأنه لا يتأتى في الرضاع؛ إذ لا تحل له بعد ذلك، قاله البجيرمي.
انظر: الأم للشافعي (5/ 37)، روضة الطالبين (7/ 48)، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (2/ 43)، حاشية البجيرمي على شرح المنهج (3/ 337).
4.
يجب نصف المهر المسمى إن كان قبل الدخول، وكل المهر إن كان بعده؛ لأن الفسخ من جهة الزوج فأشبه ما لو طلق (1).
تعليل القول بأنها طلقة بائنة، ينقص به عدد الطلاق؛ فلو نكحها يومًا، عادت بطلقتين:
1.
تبين المرأة بطلقة واحدة قياسًا على ما لو نكح أمة، ثم قال: نكحتها وأنا واجدٌ طول حرة، بانت بطلقة. (قالوا): وهذا مأخوذ من نص الإمام الشافعي رحمه الله (2).
وأجيب عليه:
بأن الإمام الشافعي رحمه الله لم ينصّ على هذا.
قال الإمام النووي رحمه الله:
"الإمام الجويني (3)، والغزالي (4)، أنكروا نصَّه في مسألة الأمَة، ولإنكاره وجهٌ ظاهر، لأنه (5) نصَّ في عيون المسائل أنه: "إذا نكح أمة، ثم قال: نكحتها وأنا أجد طولًا، فصدّقه مولاها، فسخ النكاح بلا مهر، فإن كان دخل، فعليه مهرُ مثلها. وإن كذَّبه، فسخ النكاح بإقراره، ولم يصدق على المهر، دخل أم لم يدخل". هذا لفظه وهو يوافق قول العراقيين"(6).
2.
سقوط المهر تغليبًا لقول الزوج، لاستصحابه أن لا عقد بينهما (7).
(1) قال الله تعالى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237].
انظر: المهذب (2/ 58)، إعانة الطالبين (3/ 401)، االمغني (7/ 564).
(2)
روضة الطالبين (7/ 48)، مغني المحتاج (3/ 146).
(3)
انظر: نهاية المطلب (12/ 56).
(4)
انظر: الوسيط (5/ 56).
(5)
أي الإمام الشافعي رحمه الله.
(6)
روضة الطالبين (7/ 48)، وقول العراقيين هو الذي تقرّر أنه الصحيح عند الشافعية كما تقدم.
(7)
الحاوي الكبير (9/ 65 - 66).
الترجيح:
بعد النظر في الأقوال وأدلتها يظهر -والله أعلم- ما يلي:
1.
أن قول الجمهور هو الراجح: بأنه لا يُقبل شهادة الفاسق في النكاح لقوة أدلتهم في مقابل أدلة الآخرين، ولثبوت شرط عدالة الشهود عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم.
2.
أن قول الحنفية بقبول شهادة الفاسق لا يبعد أن يكون مبنيًا على عقيدة الإرجاء، والتي اشتهر بها مذهب الأحناف رحمهم الله (1)، بل صرّح بذلك فقيه الحنفية في
(1) وكانوا يوصَفون بمرجئة الفقهاء، فيُخرِجون العمل عن مسمى الإيمان ويقولون:"الإيمان لا يزيد ولا ينقص"، قال ابن نجيم: "وعندنا أن صاحب الكبيرة
…
كامل الإيمان" ومن قال: إن "الإيمان يزيد وينقص .. فقد ارتد" انظر: التاريخ الكبير للبخاري (8/ 81)، تاريخ بغداد وذيوله (13/ 369 - 372)، البحر الرائق (1/ 353)، (5/ 131).
قال أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين (ص: 138): "والفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه".
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن النزاع بين جمهور أهل السنة، ومرجئة الفقهاء، إنما هو اختلاف لفظي صوري، كما قاله الذهبي وابن أبي العز، سير أعلام النبلاء (5/ 233)، شرح الطحاوية (2/ 462).
وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف ههنا فجمع بين القولين؛ فجعله نزاعًا لفظيًا في كثير من مسائله، وحقيقيًا مؤثرًا في بعض منها.
قال رحمه الله في شرح العقيدة الأصفهانية (ص: 197): "وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع أهل السنة يسير وبعضه لفظي، ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة".
وحصر ابن تيمية رحمه الله هذا النزاع في موطن آخر بكونه من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد فقال في الإيمان في مجموع الفتاوى (7/ 394):"لم يكفِّر أحد من السلف أحدًا من "مرجئة الفقهاء"، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال؛ لا من بدع العقائد فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب". =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومن نظر إلى بعض المسائل المترتبة على الخلاف مع مرجئة الفقهاء؛ مثل: هل العمل من الإيمان، ومسائل زيادة الإيمان ونقصانه، واستواء الناس في أصل الإيمان، وتحريم الاستثناء في الإيمان مطلقا، وتكفير المخالف كما تقول مرجئة الفقهاء، يكون الخلاف والحالة هذه ليس صوريًا
…
وقد عدّ بعض العلماء ثمرات الخلاف وما يترتب على ذلك ثمانية، ولعل مسألتنا هي التاسعة.
انظر: ظاهرة الإرجاء (1/ 283 - 284).
وهذا الاختلاف الحقيقي إنما هو في الأسماء أي: فيما يتعلق بحقيقة الإيمان وماهيته واسم صاحب الكبيرة في الدنيا.
أما حكم صاحب الكبيرة في الآخرة فمرجئة الفقهاء يوافقون أهل السنة في ذلك، انظر: المبسوط للسرخسي (24/ 151)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (8/ 205).
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (7/ 504 - 505): "تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعًا كثيرًا، منه لفظي، وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض؛ ولكن تنازعوا في الأسماء كتنازعهم في الإيمان هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا؟ وهل الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟ والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه". وقال في مجموع الفتاوى (7/ 297): "ومما ينبغي أن يُعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا؛ فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء - كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم - متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل؛ فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضًا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار؛ فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنًا وظاهرًا بما جاء به الرسول، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء". =
عصره ومرجع من بعده الإمام السرخسي رحمه الله (1)، والذي لقبه الحنفية بشمس الْأَئِمَّة (2)؛ إذ قال: " «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» . ولكنا نقول: ذكر العدالة في هذا الحديث، والشهادة مطلقة فيما روينا فنحن نعمل بالمطلق والمقيد جميعًا مع أنه نُكِّر ذكر العدالة في موضع الإثبات فيقتضي عدالة ما، وذلك من حيث الاعتقاد، وفي الحقيقة المسألة تنبني على أن الفاسق من أهل الشهادة عندنا، وإنما لا تقبل شهادته؛ لتمكن تهمة الكذب، وفي الحضور والسماع لا تتمكن هذه التهمة فكان بمنزلة العدل، وعند الشافعي رحمه الله الفاسق ليس من أهل الشهادة أصلًا؛ لنقصان حاله بسبب الفسق، وهو ينبني أيضًا على أصل أن الفسق لا ينقص من إيمانه عندنا، فإن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال من شرائع الإيمان لا من نفسه، وعنده الشرائع من نفس الإيمان، ويزداد الإيمان بالطاعة، وينتقص بالمعصية فجعل نقصان الدين بسبب الفسق» (3).
3.
الراجح: (فيما إذا اختلف الزوجان بعد عقد النكاح، فقال الزوج بعلمه بفسق شاهدي النكاح حالة العقد، وأنكرت المرأة) أنه يُفرَّق بينهما بقوله ويرتفع النكاح، ولا
= وقد ورد في بعض الروايات عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله ما يشعر أنه رجع عن قوله هذا وتركَه تسليمًا منه بما جاء في النصوص الصريحة المخالفة لقوله.
فقد روى الإمام ابن عبد البر بسنده أن حماد بن زيد ناظر أبا حنيفة في الإيمان، وذكر له حديث "أي الإسلام أفضل، وفيه ذكر أن الجهاد والهجرة من الإيمان" فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: لا - أو بم - أجيبه وهو يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
انظر: التمهيد (9/ 247)، زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه (ص: 317 - 330)، مسألة الإيمان دراسة تأصيلية (ص: 37 - 38).
(1)
هو الإمام الكبير محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي صاحب المبسوط وغيره، أحد الفحول الأئمة الكبار أصحاب الفنون، كان إمامًا علامة حجة متكلمًا فقيهًا أصوليًا مناظرًا، أملى المبسوط نحو خمسة عشر مجلدًا وهو في السجن بأوزجند محبوس، مات في حدود التسعين وأربع مائة.
الجواهر المضية في طبقات الحنفية (2/ 28 - 29)، الأعلام للزركلي (5/ 315).
(2)
انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية (2/ 28).
(3)
المبسوط للسرخسي (5/ 31).
يُقبل قوله عليها في المهر، فيجب نصف المهر المسمى إن كان قبل الدخول، وكل المهر إن كان بعده، وفُرِّق بينهما فرقة فسخ لا فرقة طلاق فلا ينقص عدده؛ فتعود إليه بثلاث طلقات إن نكحها، وهو الصحيح في مذهب الشافعية؛ لقوة أدلتهم وضعف الأدلة الأخرى.
* * *