الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: حكم النكاح فيمن نكح معتدة غيره، وأسلم أحدهما والعدة أو المدة باقية، ثم أسلم الآخر وقد انقضت العدة
.
المسألة في الكافر إذا تزوج في عدة غيره، وأسلم أحد الزوجين في العدة، ثم أسلم الآخر وقد انقضت العدة (1).
في المسألة قولان:
القول الأول: يُقِرّا على نكاحهما ولا يفرق بينهما، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ووجه عند الشافعية، واختيار ابن تيمية (2).
القول الثاني: النكاح فاسد يفرّق بينهما، وهو قول صاحبي أبي حنيفة (3) وزفر (4)،
والمالكية، والشافعية، والحنابلة (5)، وهو اختيار
(1) لو أسلم الزوجان أو ترافعا وقد انقضت العدة لا يفرق بينهما. بلا خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه وزفر رحمهم الله.
النهر الفائق شرح كنز الدقائق (2/ 285)، روضة الطالبين (7/ 146).
(2)
انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (2/ 25)، البحر الرائق (3/ 222)، النهر الفائق (2/ 285)، حاشية ابن عابدين (3/ 186)، العزيز شرح الوجيز (8/ 90)، روضة الطالبين (7/ 146)، التهذيب (5/ 413)، كفاية النبيه (13/ 221)، الفروع (8/ 295)، المحرر (2/ 27)، الإنصاف (8/ 208)، المستدرك على مجموع الفتاوى (4/ 181).
(3)
وهما أبو يوسف ومحمد الشيباني. انظر: المبسوط (5/ 38)، الهداية (1/ 213)
(4)
هو: زفر بن الهذيل بن قيس بن سلم العنبري أبو الهذيل، الفقيه، المجتهد، الرباني، العلامة، أبو الهذيل بن الهذيل بن قيس بن سلم. ولد سنة عشر ومائة.
قال الذهبي: هو من بحور الفقه، وأذكياء الوقت. تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل، وكان يدري الحديث ويتقنه.
قال ابن سعد: مات زفر سنة ثمان وخمسين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (8/ 38 - 41).
(5)
بدائع الصنائع (2/ 311)، النهر الفائق (2/ 285)، حاشية ابن عابدين (3/ 186)، المدونة (2/ 162)، النوادر والزيادات (4/ 576)، روضة الطالبين (7/ 146)، التهذيب (5/ 413)، المغني (7/ 151)، الإنصاف (8/ 208)، منتهى الإرادات (4/ 119).
الصيدلاني (1).
تعليل القول الأول:
1.
أن العدة لا يمكن إيجابها حقًا للشرع؛ لأنهم لا يخاطبون بذلك، ولا لحق الزوج؛ لأنه لا يعتقد ذلك، فإذا لم تجب العدة كان النكاح صحيحًا.
وعلى قول من يقول: إن العدة واجبة في حقِّ الكافر الذمي فإنها ضعيفة؛ لا تمنع صحة النكاح بناء على اعتقادهم، والعدة لا تمنع بقاء النكاح كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة (2).
2.
أن الْمُفْسِدَ غير مؤبد ولا مجمعٌ عليه، فإن من لا يرى صحة نكاح الكفار لا يوجب على من توفي زوجها الكافر عدة الوفاة (3).
3.
ولأن في ديانتهم عدم وجوب العدة، والكلام فيه، فلم يكن هذا نكاح المعتدة في اعتقادهم، ونحن أمرنا بأن نتركهم، وما يدينون (4).
يناقش:
بأن مسألتنا في كون أحد الزوجين أسلم في العدة.
4.
أن النكاح صحيح؛ لأن مناكح الشرك معفو عنها، وإذا أسلمت بعد انقضاء مدة العدة فقد استهلكتها على الزوج الأول في الشرك فسقط حكمها، وإذا كانت المدة باقية لم تستهلك ما بقي منها فافترقا (5).
وعلَّل أصحاب القول الثاني القائلون بالتفريق بينهما:
1.
لأن الخطاب بتحريم نكاح المعتدة عام قال تعالى: (؟ ؟
(1) انظر: العزيز شرح الوجيز (8/ 90)، في روضة الطالبين (7/ 146):"لو أسلم أحدهما والعدة أو المدة باقية، ثم أسلم الآخر وقد انقضت، فلا تقرير، كذا قاله الصيدلاني".
(2)
لا عدة من الكافر عند الإمام أبي حنيفة أصلًا انظر: المبسوط (5/ 39)، البحر الرائق (3/ 222)، النهر الفائق (2/ 285)، حاشية ابن عابدين (3/ 185، 187).
(3)
انظر: أحكام أهل الذمة (2/ 780).
(4)
انظر: بدائع الصنائع (2/ 311).
(5)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 293).
؟ ؟ ) (1).
2.
ولأن النكاح في العدة مجمع على بطلانه فيما بين المسلمين، وقد أسلم الأول والمفسد قائم؛ وهو النكاح في معتدة الغير فالنكاح باطل؛ لأنهم مخاطبون بالحرمات (2).
3.
وأن أهل الأصول اتفقوا على أنهم مخاطبون بالمعاملات، والنكاح منها، وكونه من حقوق الشرع لا ينافي كونه معاملة.
غير أن حكم الخطاب إنما يثبت في حق المكلف ببلوغه إليه، والشهرة تنزل منزلته، وهي متحققة في حق أهل الذمة دون أهل الحرب، فمقتضى النظر التفصيل بين أن يكون ذميًا فلا يقرّ عليه وبين أن يكون حربيًا فيقرّ عليه (3).
ونوقش:
بأنّ الخطاب الوارد في منع النكاح في العدة خاص بالمسلمين؛ لأن العدة فيها معنى العبادة، وهي حق للزوج أيضًا من وجه، فمن حيث هي عبادة لا يمكن إيجابها على الكافرة؛ لأن الكفار غير ملزمين بشرائع العبادات، ولا يمكن إيجابها أيضًا من حيث هي حق للزوج؛ لأن الكافر لا يعتقدها حقًا لنفسه.
ومما يدل على أن النكاح لم يتمحض معاملة؛ بل فيه معنى العبادة كون الاشتغال به أولى من التخلي للنوافل، فما ذكره الأصوليين إنما هو في المعاملة المحضة، فلا منافاة بين الموضعين، فلا فرق بين الذمي والحربي في هذا الحكم (4).
4.
ولأنه لا يجوز أن يبتدئ العقد عليها وهي في العدة، فلا يجوز إقرارهما عليه (5).
5.
أن الإقرار على هذا النكاح يؤدي لسقي زرع غيره بمائه (6).
(1) سورة البقرة: 235. انظر: بدائع الصنائع (2/ 311).
(2)
انظر: المبسوط (5/ 38)، بدائع الصنائع (2/ 311)، نهاية المطلب (12/ 299) التهذيب (5/ 422).
(3)
انظر: فتح القدير (3/ 413)، البحر الرائق (3/ 222).
(4)
انظر: بدائع الصنائع (2/ 311)، البحر الرائق (3/ 222).
(5)
انظر: الحاوي الكبير (9/ 293)، المغني (7/ 175).
(6)
انظر: حاشية الدسوقي (2/ 269)، شرح مختصر خليل الخرشي (3/ 228).
الترجيح:
الذي يظهر -والله تعالى أعلم- ترجيح ما يلي:
1.
قول الجمهور بفساد النكاح والتفريق بينهما؛ لأن عقد النكاح واقعٌ في العدة مع إسلام أحدهما، والفساد حاصلٌ مع الإسلام؛ فلا يصح؛ فعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بامرأة مُجِح (1) على باب فسطاط (2)، فقال:«لعله يريد أن يلم بها» ، فقالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يُوَرِّثُهُ وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ » (3).
2.
يُعقد لهما عقدٌ جديد، إن رغبا.
3.
إن رأى القاضي إبقاءهما على النكاح تأليفًا لهما، وخشية تنفيرهما عن الإسلام (4) فله ذلك -لا سيما والقول بإقرارهما على النكاح هو قول بعض أئمة السلف في الفقه-؛ لأن حفظ الدِّين مقدّم على حفظ العرض والنسل؛ فإنَّ من أهم الحِكَم في تشريع العدّة معرفة براءة الرحم؛ لئلا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب (5)، (وذلك هو حفظ العرض).
ثم إن كان لا بدّ، وبعد ثبات الزوجين على أصول الدين وأركان الإسلام، يبين لهم ويعقد لهم بعقد جديد.
فإن التدرّج في دعوة الناس حسب القدرة والإمكان من أصول الدعوة إلى الله تعالى.
فقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى
(1) المجح: بميم مضمومة ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة، وهي: الحامل التي قربت ولادتها. انظر: شرح النووي على مسلم (10/ 14).
(2)
وهو نحو بيت الشعر. انظر: شرح النووي على مسلم (10/ 14).
(3)
رواه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تحريم وطء الحامل المسبية رقم (1441).
(4)
الحكمة من إبقاء الكفار على أنكحتهم خشية نفورهم عن الإسلام. انظر: الفروق للقرافي (3/ 133)، الحاوي الكبير (9/ 309).
(5)
المبسوط (5/ 29)، درر الحكام (1/ 401)، التاج والإكليل (5/ 470) حاشية العدوي (2/ 118)، المعونة (ص: 914)، الأم للشافعي (4/ 105)، المهذب (3/ 118)، الكافي (3/ 194)، المبدع (7/ 96).
وقد سئل جابر رضي الله عنه عن شأن ثقيف إذ بايعت؟ قال: اشترَطَت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها، ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول:«سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا» (3).
وعن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم: «أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه» (4).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصحُّ الإسلامُ على الشرط الفاسد، ثم يُلزم بشرائع الإسلام كُلها، واستدلَّ أيضًا بأنَّ حكيم بنَ حِزام قال: «بايعتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أن لا أَخِرَّ إلاّ قائمًا (5). قال أحمد: معناه أنْ يسجد من غير ركوع (6).
(1) كرائم أموالهم أي نفائسها. فتح الباري لابن حجر (1/ 179).
(2)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، رقم (1458)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم (19).
(3)
رواه أحمد في مسنده (23/ 34) رقم (14674)، وأبو داود في سننه، كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب ما جاء في خبر الطائف رقم (3025)، وصححه إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (4/ 509)(1888).
(4)
رواه أحمد في مسنده (33/ 407) رقم (20287)، وقال الألباني:"وهذا سند صحيح على شرط مسلم". الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (1/ 51).
(5)
رواه أحمد في مسنده (24/ 28)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب كيف يخر للسجود، رقم (675)، وصحح إسناده الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي (3/ 228)(1084).
(6)
انظر: المغني (9/ 365).
وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث. انظر: شرح مشكل الآثار (1/ 195)، شرح السنة للبغوي (1/ 106).
وأمّا ما خرجه الإمام محمد بنُ نصر المروزيُّ (1) عن أنس قال: «لم يكن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلام إلّا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وبالإسلام، وذلك قولُ الله عز وجل: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (2)» ، فهو لا يثبت؛ فقد رُوي بإسنادٍ ضعيف جدا، وعلى تقدير ثبوته، فالمرادُ منه أنَّه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصَّلاةِ والزكاة، وهذا حقٌّ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً لما بعثه إلى اليمن أنْ يدعُوَهُم أوَّلاً إلى الشهادتين" (3).
قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: إذا أسلم على أن يصلي صلاتين يقبل منه، فإذا دخل يؤمر بالصلوات الخمس (4).
وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن الرجل يسلم بشرط أن لا يصلي إلا صلاتين؟
فقال: يصح إسلامه، ويؤخذ بالخمس (5).
* * *
(1) تعظيم قدر الصلاة (1/ 95).
(2)
سورة المجادلة: 13.
(3)
جامع العلوم والحكم الحديث الثامن (1/ 240 - 241). بتصرف يسير جدًا.
(4)
فتح الباري لابن رجب (4/ 200).
(5)
انظر: المغني (9/ 365).