الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة: الوليَّان في نكاح المرأة إذا زوَّجاها باثنين، ولم يعلم السابق منهما
.
ستُبحث ضمن المسألة التالية لسبب سيُذكر-إن شاء الله-.
المسألة الرابعة: إذا قلنا بوجوب إنشاء الفسخ فيما إذا زوّج الوليَّان المرأة باثنين، ولم يعلم السابق منهما، فهل يشترط أن يفسخ القاضي النكاح
؟
إذا كان للمرأة المستأذَنة وليّان في درجة واحدة، ووكلتهما بتزويجها مَنْ شاءا، ولم يعلم أحدهما بصنيع الآخر، فاتفق أنهما زوَّجاها من زوجين، وأشكل أيهما المتقدم.
نظرًا لكون المسألة الرابعة نتيجةً للثالثة وبينهما تداخل، وكلام الفقهاء رحمهم الله فيهما مُدْمجًا؛ رأيت أن أجعلهما بحثًا واحدًا.
ولتحرير المسألة، أبيّن صورًا عند الشافعية (1):
إحداها: أن يسبق أحد النكاحين ونعلمه، فهو الصحيح والثاني باطل، سواء أدخل الثاني أم لا، وإنما يعلم السبق بالبينة أو التصادق.
الثانية: أن يقعا معًا، فباطلان.
الثالثة: إذا لم يعلم السبق والمعية وأمكن العلم بهما، فباطلان؛ لأن الأصل عدم الصحة، كذا أطلق الجمهور، ونقل الإمام (2) وغيره وجهًا أنه لا بد من إنشاء فسخ لاحتمال السبق.
الرابعة: أن يسبق واحد معين، ثم يخفى، فيتوقف حتى يبين، ولا يجوز لواحد منهما الاستمتاع بها، ولا لثالث نكاحها إلا أن يطلقاها، أو يموتا، أو يطلق أحدهما ويموت الآخر وتنقضي عدتها بعد موت آخرهما.
الخامسة: إذا علم سبق أحدهما ولم يتعين، بأن أيس من تعيينه ولم ترج معرفته، فباطلان على المنصوص، وهو المذهب، كما لو احتمل السبق والمعية لتعذر الإمضاء لعدم تعيينه، والطريق الثاني: قولان، أحدهما هذا - أي باطلان - والثاني: مخرج من نظير المسألة
(1) اقتصرت على الشافعية لأننا بصدد تحرير المسألة التي اختارها الإمام الصيدلاني رحمه الله، وهو شافعي المذهب.
(2)
أي الجويني.
في الجمعتين أنه يوقف الأمر حتى يتعين، فإن رجي معرفته وجب التوقف (1).
والمسألة المراد بحثها هنا: تزويج وليين مستويين في ولاية التزويج لرجلين، ولم يُعلم السابق منهما.
في المسألة أربعة أقوال:
القول الأول: أن نكاحهما باطل، ولا يحتاج الفسخ إلى حكم الحاكم، وهو قول بعض الحنفية والمعتمد عند الشافعية، ورواية عن أحمد (2) وهو قول ابن
المنذر (3).
(1) انظر: فتح العزيز شرح الوجيز (8/ 5)، منهاج الطالبين (ص: 208)، روضة الطالبين (7/ 88 - 89)، ومغني المحتاج (3/ 16).
فائدة:
قال السبكي: "الرافعي صاحب الشرح الكبير المسمى بـ"العزيز" وقد تورَّع بعضهم عن إطلاق لفظ العزيز مجردًا على غير كتاب الله فقال: الفتح العزيز في شرح الوجيز "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (8/ 281).
(2)
انظر: المبسوط (4/ 226)، مجمع الأنهر (1/ 339)، النهر الفائق (2/ 210)، حاشية ابن عابدين (3/ 72 - 73)، بلغة السالك لأقرب المسالك (2/ 381)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (2/ 235، 239)، مواهب الجليل (3/ 447)، شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 197)، منهاج الطالبين (ص: 208)، روضة الطالبين (7/ 88 - 89)، الفروع (8/ 226)، القواعد لابن رجب (ص: 353)، الإنصاف للمرداوي (8/ 89).
(3)
الإشراف لابن المنذر (5/ 26).
وابن المنذر: هو الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، ولد في حدود 241 هـ، له مصنفات نفيسة في اختلاف العلماء، كالمبسوط والأوسط والإشراف والإجماع وغير ذلك، أصبح الناس عالة عليها في هذا الفن، توفي سنة 318 هـ. تهذيب الأسماء واللغات (2/ 196)، سير أعلام النبلاء (14/ 490).
وممن قال بالبطلان من التابعين (عطاء (1)) (2).
القول الثاني: إنْ زوَّج الوليان اثنين ولم يعلم السابق منهما فالنكاح ليس باطلًا في حد ذاته، ولا بد أن يفسخهما حاكم، وهو مذهب المالكية والمشهور عند الحنابلة (3)، واختاره الصيدلاني (4).
والمشهور عند المالكية أن يكون الفسخ بطلاق (5)، وهو وجه عند الحنابلة (6)
(1) عطاء بن أبي رباح مفتي أهل مكة ومحدثهم القدوة العلم أبو محمد بن أسلم القرشي مولاهم المكي، ولد في خلافة عثمان، وقيل في خلافة عمر وهو أشبه، سمع عائشة وأبا هريرة وابن عباس وأبا سعيد وأم سلمة وطائفة، وعنه أيوب وحسين المعلم وابن جريج وابن إسحاق والأوزاعي وأبو حنيفة وهمام بن يحيى وجرير بن حازم وخلق كثير، كان فصيحًا كثير العلم، قال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء. وقال أبو حنيفة: ما رأيت أحدًا أفضل من عطاء. توفي سنة خمس عشرة ومائة، وقيل أربع عشرة ومائة، وعمره ثمان وثمانون سنة.
انظر: وفيات الأعيان (3/ 261)، تذكرة الحفاظ (1/ 75).
(2)
مصنف عبد الرزاق (6/ 233).
(3)
انظر: الشرح الكبير للدردير (2/ 235)، شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 192)، المغني (7/ 61)، الفروع (8/ 226)، شرح منتهى الإرادات (2/ 644).
(4)
قال الصيدلاني رحمه الله: "الوجه عندي أن يقال: لا ينفسخ حتى يفسخ القاضي، لاحتمال أن أحدهما صحيح سابق، وإنما نعلم ارتفاع النكاح إذا فسخ القاضي" نهاية المطلب (12/ 126)، وكون الإمام الصيدلاني ذكر أنه لا يُعلم ارتفاع النكاح إلا إذا فسخ القاضي، يدل على أن مذهبه الفسخ، لكن تحقيق المناط في الفسخ لا يتم عنده إلا عن طريق القاضي.
وفي نهاية المطلب (12/ 127): "من أصحابنا من قال: لا ينشئ الفسخ إلا الحاكم أو محكّم إن رأينا التحكيم؛ فإن هذا تعيين لمكان إشكال في مظنة لَبْس، والواقعة حَرِيَّةٌ بالاحتياج إلى مجتهد ناظر، ولأمثالها انتصب القضاة في فصل الخصومات، هذا وجه. وإليه ميل الصيدلاني في مجموعه".
(5)
انظر: الشرح الكبير للدردير (2/ 235)، شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 192).
(6)
في الإنصاف للمرداوي (8/ 89)"وعن أبي بكر يطلقانها. حكاه عنه ابن شاقلا". قال المرداوي: "هذا أحوط".
ونتيجة هذين القولين هي: إبطال هذا النكاح، واختيار المرأة في التزوج بأي منهما أو من غيرهما، غير أن لكل من القولين وجهة نظر في إبطاله (1).
القول الثالث: يقرع بينهما، فمن تقع له القرعة فهي له، وأمر صاحبه بالطلاق، ويجدد القارع عقده بإذنها، وهو رواية عن أحمد (2).
القول الرَّابع: تُخيّر المرأة بينهما، فأيّهما اختارته فهو زوجها، وهذا القول يروى عن بعض التابعين كشريح (3)، وعمر بن عبد العزيز، وحمّاد (4)
بن أبي
سليمان (5)، وهو اختيار الشوكاني (6).
تعليل القول الأول:
1.
قالوا: لا وجه لتصحيح النكاحين، لجهل الصحيح، وهو السابق من العقدين، وليس أحدهما بأولى من الآخر؛ فتعين جهة البطلان (7).
(1) انظر: مجلة البحوث الإسلامية (57/ 210).
(2)
انظر: المغني (7/ 61)، الفروع (8/ 226)، الإنصاف (8/ 89).
(3)
هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية. قاضي الكوفة. من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة 77 هـ، يقال: له صحبة، ولم يصح، بل هو ممن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وانتقل من اليمن زمن الصديق. قال له علي:"اذهب، فأنت أقضى العرب". وقال الشعبي: "كان شريح أعلمهم بالقضاء، وكان عبيدة يوازيه في علم القضاء"، وكان ثقة في الحديث مأمونًا في القضاء عمّر طويلًا ومات بالكوفة. سنة ثمانين.
انظر: أخبار القضاة (2/ 391 - 392)، ، سير أعلام النبلاء (4/ 100 - 106).
(4)
هو الإمام حماد بن أبي سليمان مسلم الكوفي، ، فقيه العراق، روى عن: أنس بن مالك.
وهو أفقه أصحاب إبراهيم النخعي، وأقيسهم، وأبصرهم بالمناظرة والرأي. ومن أبرز تلاميذه الإمام أبو حنيفة. قال النسائي: ثقة، مرجئ. قال الذهبي: أي كان مرجئًا إرجاء الفقهاء. مات حماد رحمه الله: سنة عشرين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (5/ 231 - 236)
(5)
انظر: مصنف ابن أبي شيبة (3/ 461)، الإشراف لابن المنذر (5/ 26)، المغني (7/ 61).
(6)
انظر: السيل الجرار (ص: 366).
(7)
انظر: المبسوط للسرخسي (4/ 226)، المغني (7/ 61).
2.
وبما أنه يتعذر إمضاء النكاحين، لتعذر الجمع بينهما، فلا يحتاج رفعه إلى حاكم (1).
3.
ولأن النكاح مفسوخ؛ لاحتمال أن يكونا قد عقدا النكاح معًا (2).
ونوقش هذان الاستدلالان:
بأن هذا لا يصح؛ فإن العقد الصحيح لا يبطل بمجرد إشكاله (3).
4.
أن محل الاحتياج لحكم الحاكم بالفسخ إذا حصل نزاع، فإن تراضيا على الفسخ لم يحتج لحكم، ويكفي قول الزوج طلقتها أو فسخت نكاحها (4).
5.
القياس على مسألة العبدين اللذين اشترى كل واحد منهما صاحبه من سيده لا يدرى أيهما اشترى صاحبه قبل، فإذا لم يعلم فلا بيع بينهما (5).
تعليل القول الثاني (قول المالكية والحنابلة):
1.
لاحتمال كون أحدهما صحيحًا سابقًا، ولا طريق للعلم به، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا يمكن العلم بارتفاع النكاح إلا بفسخ القاضي (6).
2.
قالوا: إن عقد النكاح ليس باطلًا في حد ذاته؛ ولكن لما تعذَّر إمضاء العقد الصحيح منهما للجهالة بالأول منهما وجب إزالة الضرر بالفسخ والتفريق من قبل الحاكم (7).
3.
القياس على مسألة اختلاف المتبايعين في قدر الثمن؛ فإن العقد لا يزول إلا
(1) انظر: نفس المراجع.
(2)
انظر: الإشراف لابن المنذر (5/ 26).
(3)
انظر: المغني (7/ 61).
(4)
انظر: حاشية الدسوقي (2/ 239).
(5)
انظر: مصنف عبد الرزاق (6/ 233).
(6)
نهاية المطلب (12/ 126)، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (2/ 644)
(7)
انظر: المغني لابن قدامة (7/ 61).
بفسخ، كذلك ههنا (1).
4.
أن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية، وقد وقع فيها نزاع بين أهل العلم، فافتقرت إلى حكم الحاكم، بخلاف المسائل المجمع عليها؛ فإنها لا تفتقر إلى حكم الحاكم؛ كالمعتَقة؛ فإن لها الفسخ من غير حكم الحاكم (2).
ويجاب عنه:
بأن هذا استدلال في متنازعٍ فيه؛ فبعض العلماء يرى أن محل الاحتياج لحكم الحاكم بالفسخ إذا حصل نزاع، فإن تراضيا على الفسخ لم يحتج لحكم (3).
5.
هذه المسألة إشكال في مظنة لَبْس، وقد يُعلم السابق من العقدين بعد التحقيق والتدقيق، فتحتاج إلى مجتهد ناظر، ولأمثالها انتصب القضاة، فيفصل بين الخصومات، فيتعين حكم القاضي فيها (4).
6.
وقال المالكية: يكون الفسخ بطلقة لاحتمال صدق أحد النكاحين (5).
أدلة القول الثالث (القول بالقرعة):
1.
أن القرعة تدخل لتمييز الحقوق عند التساوي، كسفر الرجل بإحدى نسائه، والبداية بالمبيت عند إحداهن (6).
2.
ولأنه إن كانت زوجته لم يضره تجديد النكاح، وإن كانت زوجة الآخر بانت بالطلاق، وصارت زوجة هذا بعقده الثاني (7).
(1) المغني لابن قدامة (7/ 61).
(2)
انظر: المغني لابن قدامة (7/ 198).
(3)
انظر: حاشية الدسوقي (2/ 239).
(4)
انظر: نهاية المطلب (12/ 127).
(5)
انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 296).
(6)
انظر: المغني لابن قدامة (7/ 61)، الفروق للقرافي (4/ 111)
(7)
المغني لابن قدامة (7/ 61).
أدلة القول الرابع (القول بتخيير المرأة)(1):
قالوا: لا وجه لبطلانهما، بل ينبغي أن يقال: إن الأمر مفوَّض إلى المرأة؛ فمن أجازت عقده كان صحيحًا وبطل الآخر، ويدل على هذا:
1.
عن خنساء بنت خذام الأنصارية (2): «أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فرد نكاحها» (3).
وجه الدلالة:
أن قول الراوي «فرد نكاحها» يدل على أن العقد الذي وقع يسمى نكاحًا، وأنها لو رضيت بأحدهما لم يحتج إلى تجديد، بل يكون العقد موقوفًا على الإجازة (4).
ونوقش:
بأن النكاح باطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد نكاح خنساء، ولم يقل: إلا أن تجيزي ما فعل أبوك (5).
وأجيب:
بما رواه عبد الله بن بُرَيْدة (6)،
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "جاءت فتاة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبي- ونعم الأب هو- زوّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته.
(1) انظر: السيل الجرار (ص: 366).
(2)
خنساء بنت خِذام الأنصارية، من بني عمرو بن عوف. أسلمت، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروت عنه. طبقات ابن سعد (8/ 334)، الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 65).
(3)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود (5138).
(4)
انظر: السيل الجرار (ص: 365 - 366).
(5)
انظر: الأم للشافعي (5/ 19).
(6)
عبد الله بن بريدة بن الخصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضي مرو، ثقة، ولد فِي عهد عمر لثلاث سِنِين خلون مِنْهُ، ومات سنة خمس ومائة وقيل: بل خمس عشرة ومائة، عاش مائة عام.
انظر: التاريخ الكبير للبخاري بحواشي محمود خليل (5/ 51)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/ 13) الثقات لابن حبان (5/ 16) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (14/ 328)، تذكرة الحفاظ (1/ 78)، تقريب التهذيب (ص: 297).
قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: إنّي قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النِّساء أنْ ليس إلى الآباء من الأمر شيء" (1).
وأجيب عن الحديث:
بأنه منقطع؛ فإن عبدالله بن بريدة لم يسمع من عائشة رضي الله عنها، قاله النسائي، والدارقطني، والبيهقي (2).
وأجيب:
بأن هذه علة غير قادحة (3)؛ فقد قال ابن التركماني (4): "ابن بريدة ولد سنة خمس
(1) رواه أحمد في مسنده (41/ 493) رقم (25043)، والنسائي في السنن الكبرى في كتاب النكاح- باب البكر يزوِّجها أبوها وهى كارهة رقم (5369)، وابن ماجه أبواب النكاح - باب من زوج ابنته وهي كارهة (1874)، والدارقطني في سننه (4/ 334)، والبيهقي في سننه الكبرى (7/ 191).
واختلف العلماء في صحته، فقد أعله النسائي والدارقطني والبيهقي، وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 102)، وصححه التركماني والألباني.
انظر: السنن الكبرى للنسائي (5/ 177)، عمل اليوم والليلة للنسائي (ص: 499)، سنن الدارقطني (4/ 336)، معرفة السنن والآثار (10/ 48)، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (7/ 1009).
(2)
انظر: السنن الكبرى للنسائي (5/ 177)، عمل اليوم والليلة للنسائي (ص: 499)، سنن الدارقطني (4/ 336)، معرفة السنن والآثار (10/ 48).
(3)
انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (7/ 1009)، وقد تبع الشيخ الألباني الدارقطني والبيهقي رحمهم الله في إعلال الحديث بالانقطاع، في رسالته "نقد نصوص حديثية"(ص 45)، ثم رجع إلى تصحيحه؛ وقال نحوًا مما قاله التركماني رحمه الله.
(4)
هو علاء الدين علي بن عثمان بن ابراهيم بن مصطفى المارديني، أبو الحسن، الشهير بابن التركماني، قاضي حنفي من علماء الحديث واللغة، له كتب (المنتخب) في علوم الحديث، و (المؤتلف والمختلف)، و (الجوهر النقي في الرد على البيهقي)، توفي سنة 750 هـ.
…
انظر: الفوائد البهية (ص: 123)، الأعلام للزركلي:(5/ 125).
عشرة، وسمع جماعة من الصحابة، وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه أن المتفق عليه أن إمكان اللقاء والسماع يكفي للاتصال، ولا شك في إمكان سماع ابن بريدة من عائشة، فروايته عنها محمولة على الاتصال، على أن صاحب الكمال صرّح بسماعه منها" (1).
وأجيب:
بأن ما قاله مسلم في مقدمته (2) خالفه جمهور المتقدمين، فقد قال العلائي رحمه الله في القول باشتراط اللقي لاتصال السند المعنعن:"وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة"(3).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني (4) والبخاري؛ وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله
…
، وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، كما تقدم عن الشافعي رضي الله عنهم (5)
أجمعين؛ فإنهم قالوا في
(1) انظر: الجوهر النقي (7/ 118).
(2)
انظر: صحيح مسلم (1/ 23).
(3)
انظر: جامع التحصيل (ص: 116).
(4)
هو الإمام الحجة أمير المؤمنين في الحديث، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي بالولاء المديني، البصري، محدث مؤرخ كان حافظ عصره، ساد الحفاظ في معرفة العلل، شيخ البخاري. له نحو مئتي مصنف، قال أبو داود:" علي أعلم من أحمد باختلاف الحديث".قال البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد، إلا عند علي بن المديني" من كتبه (الأسامي والكنى) ثمانية أجزاء، (التاريخ) عشرة أجزاء، (علل الحديث ومعرفة الرجال)، مات بسامراء سنة 234 هـ. سير أعلام النبلاء (11/ 41)، الأعلام للزركلي (4/ 303).
(5)
اختلف العلماء في الترضي على غير الصحابة كالتابعين ومن بعدهم من العلماء والعبَّاد وسائر الأخيار:
1 -
…
ذهب بعض العلماء: إلى المنع من ذلك، وأنه مخصوص بالصحابة رضي الله عنهم، حكاه النووي، ومال إليه الألباني رحمهما الله.
2 -
…
ذهب النووي: إلى استحباب الترضّي والترحّم عليهم، ونسب هذا القول إلى الجمهور، وتبعه على ذلك الشافعية، والنفراوي من المالكية رحم الله الجميع.
جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة
…
) (1).
1 -
عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر
3 - وذهب الحنفية: إلى جواز ذلك. وبه قال الشيخ عبدالله بن جبرين رحمه الله.
4 -
وذهب بعضهم: إلى أن الأولى ترك ذلك، وهو قول الزيلعي واختيار شيخنا ابن عثيمين رحمهما الله.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "حتى لا يتوهم السامع بأن هذا الشخص المترضى عنه من الصحابة إلا أن يقال: (قال فلان وهو من التابعين رضي الله عنه)، (قال فلان وهو من تابعي التابعين رضي الله عنه)، فلا بأس".
والقول الأخير فيه تفصيل وجمع جيد.
ومما استدل به القائلون بالاستحباب أو الجواز قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [سورة التوبة: 100]، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} سورة البينة: 7، 8.
انظر: الأذكار للنووي (ص: 118)، مجمع الأنهر (2/ 745)، حاشية ابن عابدين (6/ 754)، سلسلة الأحاديث الضعيفة (11/ 770)، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (5/ 84)، فتاوى نور على الدرب للعثيمين (4/ 2، بترقيم الشاملة آليا)، فتاوى إسلامية (4/ 405).
(1)
شرح علل الترمذي (2/ 590)، وللاستزادة في بحث مسألة اشتراط اللقي لاتصال السند المعنعن ينظر: السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن لأبي عبد الله بن رشيد الفهري (ص: 43) وما بعدها، آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (5/ 1/94) عنوان الكتاب "عمارة القبور"، و"الاتصال والانقطاع" للشيخ إبراهيم اللاحم، و"موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين" للشيخ خالد الدريس، و"إجماع المحدثين في عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين" للشيخ الشريف حاتم العوني، و"علوم الحديث" للشيخ حمزة المليباري (ص: 45)، ومنهج الإمام البخاري لأبي بكر كافي (ص: 175 - 188).
تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (1).
وجه الاستدلال:
أن صحة العقد هنا متوقفة على إذن المرأة.
ولا ينافي هذا كونها قد أذنت لوليين؛ لأن من المعلوم أن إذنها لا ينصرف إلى أن يزوجها برجلين، فإن ذلك معلوم البطلان (2).
الترجيح:
بعد التأمل في الأقوال وأدلتها يترجح -والعلم عند الله- القول الثاني بأن العقد صحيح في نفسه، ولكن لا بد من فسخ الحاكم؛ فالعقد صحيح؛ لأن الأصل في العقود الصحة واللزوم (3)، وعدم البطلان وعدم الاعتراض.
ولا بد من فسخ الحاكم؛ لأنه لا بد من ارتفاع أحد النكاحين، ولا يمكن الجزم بارتفاع أحدهما إلا بالحاكم، والقول بالفسخ دون حكم الحاكم قد يؤدي إلى تنازع وقطيعة الأولياء، والضغينة فيما بينهم.
وأما حديث عبد الله بن بريدة فلا أعلم أحدًا من المتقدمين صححه، وعلى القول بصحته فإن صورة المسألة الواردة فيه تختلف عن صورة مسألتنا؛ فالمسألة الواردة في الحديث هي عقد نكاح واحد من ولي واحد، وإجازة المرأة فيه له أصل في الشرع كالبيع الفضولي وغيره على الصحيح.
ومسألتنا في عقدين من وليين، ولا يمكن الجمع بين العقدين اتفاقًا؛ لأنَّ المحل لا يقبل الاشتراك.
والقول الرابع بالتخيير دون البطلان قول له وجهة، ونتيجته هو القول بفسخ أحد العقدين دون الآخر، إلا أن القول بفسخ النكاحين أولًا، أقرب لحسم مادة النزاع،
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت رقم (3541).
(2)
انظر: السيل الجرار (ص: 366).
(3)
انظر: مجموع الفتاوى (29/ 466)، الفروق للقرافي (4/ 13)، إعلام الموقعين (3/ 107)، المنثور في القواعد الفقهية (2/ 412).
والاحتياط في عقود الأنكحة معتبر شرعًا. والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
* * *