الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة: حكم انتفاء الولد عمن لحقه ولد، وكان ممسوحًا (فاقد الذكر والأنثيين)
.
كثيرًا ما يعبّر الحنفية والمالكية عن الممسوح بلفظ المجبوب؛ ففي العناية (1) والبناية (2) شرحي الهداية، والبحر الرائق (3) والمغرب في ترتيب المعرب (4): المجبوب: هو الذي استؤصل ذكره وخصيتاه.
وفي مناهج التحصيل شرح المدونة (5) المجبوب: في تعاريف الفقهاء عبارة عن الممسوح، وهو: مقطوعُ الكل (6).
وفي شرح مختصر خليل للخرشي (7) ومنح الجليل (8) وشرح الزرقاني على مختصر خليل (9):
الجب: وهو الذي قطع ذكره وأنثياه معًا.
ومن أراد أن ينفي ولده من الانتساب إليه زاعمًا أنه ليس منه فطريقه اللعان مع زوجته.
واللعان شرعًا: كلمات خمسة جعلت كالحجة للمضطر إلى قذف الزوجة التي لطخت فراشه أو إلى نفي ولد عَلِم أو ظن ظنًا مؤكدًا أنه ليس منه (10).
(1)(3/ 334).
(2)
(5/ 151).
(3)
(3/ 166).
(4)
(ص: 74).
(5)
(4/ 246).
(6)
وفي نسخة (مقطوع الذكر).
(7)
(3/ 237).
(8)
(3/ 381).
(9)
(3/ 420).
(10)
إعانة الطالبين (4/ 172).
والمسألة المراد بحثها هنا: حكم انتفاء الولد عمن لحقه ولد، وكان ممسوحًا (فاقد الذكر والأنثيين).
للعلماء فيها قولان:
القول الأول: إلى أن امرأة الممسوح إذا أتت بولد فإنه يلحق به ويثبت النسب، فلا يمكن نفي الولد إلا بالملاعنة، وهو مذهب الحنفية، وقول عند الحنابلة (1)،
واختيار الصيدلاني (2).
القول الثاني: لا لعان على الممسوح، ولا يلحقه نسبه، وينتفي بغير لعان، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (3).
أدلة القول الأول:
1.
عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» متفق عليه (4).
فالزوج إذا ولدت امرأته ولدًا، فهو ولده في الحكم (5).
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (5/ 104)، فتح القدير (4/ 28)، تبيين الحقائق (3/ 18)، البحر الرائق (4/ 130)، حاشية ابن عابدين (رد المحتار)(3/ 484)، المغني (8/ 80).
ومن اللطائف: حكي أن أبا عبيدة بن حربويه قُلِّدَ قضاء مصر، وقضى بإلحاق الولد إلى الممسوح، فحمله الممسوح على كتفه وطاف به الأسواق، وقال: انظروا إلى هذا القاضي يلحق أولاد الزنا بالخدام! ! انظر: مغني المحتاج (5/ 96).
(2)
انظر: العزيز شرح الوجيز (9/ 409)، روضة الطالبين (8/ 357) قال النووي رحمه الله:"أن يكون ممسوحًا فاقد الذكر والأنثيين، فينتفي عنه الولد بلا لعان، لأنه لا ينزل، وفي قول: يلحقه. وحكي هذا عن الإصطخري، والقاضي حسين، والصيدلاني. والصحيح المشهور الأول".
(3)
انظر: الفواكه الدواني (2/ 50)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (2/ 457)، روضة الطالبين (8/ 357)، مغني المحتاج (5/ 96)، المغني (8/ 80)، الإنصاف (9/ 261).
(4)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات (2053)، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات (1457).
العاهر: الزاني، ومعنى له الحجر: أي له الخيبة ولا حق له في الولد، وعادة العرب أن تقول: له الحجر وهو التراب ونحو ذلك يريدون ليس له إلا الخيبة. شرح النووي على مسلم (10/ 37).
(5)
انظر: المغني (8/ 80).
نوقش:
بأنه غير مسلَّم؛ لأن الولد إنما يلحق بالفراش إذا أمكن كونه منه (1).
2.
لأن المجبوب ينزل بالسحق، ويتوهم شغل رحمها بمائه بالسحق، وقد أتت به (2).
3.
لأن معدن الماء الصلب، وهو ينفذ من ثقبه إلى الظاهر، وهما باقيان (3).
تعليل القول الثاني:
1.
لاستحالة الحمل منه في العادة (4).
2.
القياس على حمل زوجة الصبي؛ فإنه لا يلحقه؛ لأنه لا يمكن عادة (5).
3.
لأنه يستحيل منه الإنزال والإيلاج، ولم تجر العادة بأن يخلق له ولد (6).
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله "ولا معنى لقول من قال: يجوز أن تستدخل المرأة منيّ الرجل، فتحمل؛ لأن الولد مخلوق من منيِّ الرجل والمرأة جميعًا، ولذلك يأخذ الشبه منهما، وإذا استدخلت المني بغير جماع، لم تحدث لها لذة تمني بها، فلا يختلط نسبهما، ولو صح ذلك لكان الأجنبيان الرجل والمرأة إذا تصادقا أنها استدخلت منيه، وأن الولد من ذلك المني، يلحقه نسبه، وما قال ذلك أحد"(7).
أما في عصرنا هذا فقد تبيّن إمكانية ذلك بطفل الأنابيب.
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- أن يرجع في مثل هذه المسائل إلى أهل الطب والمعرفة،
(1) المغني (8/ 80).
(2)
انظر: البناية شرح الهداية (5/ 153)، البحر الرائق (4/ 130).
(3)
انظر: مغني المحتاج (5/ 96).
(4)
انظر: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (2/ 460).
(5)
انظر: الفواكه الدواني (2/ 50).
(6)
انظر: المغني (8/ 80).
(7)
انظر: المغني (8/ 80).
ففي المدونة (1)"في امرأة الخصي والمجبوب تأتي بالولد، قلت: هل يلزم الخصي والمجبوب الولد إذا جاءت به امرأته؟ قال: سئل مالك عن الخصي هل يلزمه الولد؟ قال: قال مالك: أرى أن يسأل أهل المعرفة (2) بذلك ما كان يولد لمثله لزمه الولد وإلا لم يلزمه".
ونقل ابن هانئ في مسائل أحمد "فيمن قطع ذكره وأنثييه قال إن دفق يكون الولد من الماء القليل، فإن شك في ولده فالقافة (3). وسأله المروذي عن خصيّ؟ قال: إن كان مجبوبًا ليس له شيء فإن أنزل فإنه يكون منه الولد وإلا فالقافة"(4).
ومع تقدم الطب يمكن معرفة ما إذا كان يمكن للرجل أن يُنزل أو لا؛ وذلك بالتحليل.
وما جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والذي فيه: "لا يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان الواردة صفته في سورة النور. وكذلك لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا. ويجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في بعض الحالات"(5).
فهذا مشروط بإمكانية حمل الزوجة من زوجها، أما وظاهر الحال عدم الإمكانية فالقول بالبصمة الوراثية أولى من القول بعدمها؛ لأنها قد تُلحق الولد لأبيه مع أن الظاهر غيره، هذا مع اشتراط الثقة التامة لمن يُجري التحليل ولو بحضور الزوجين أو القضاة المعنيين بالأمر.
(1) انظر: (4/ 438).
(2)
اختلف المالكية في المراد بقول الإمام مالك رحمه الله: "أهل المعرفة" هل هم النساء أو أهل الطب والتشريح؟ . انظر: حاشية الدسوقي (2/ 473).
(3)
القافة: جمع قائف، وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار الخفية. فتح الباري (14/ 381).
(4)
انظر: الفروع (5/ 397)، الإنصاف للمرداوي (9/ 261).
(5)
انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة قرار رقم: 95 (7/ 16) في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة في المدة (5 الى 10/ 1/2002 م).
والشارع يتشوف إلى إثبات الأنساب ما أمكن، وحديث (لعله نزعه عرق)(1) أصل في الباب.
فإن لم يكن ثمة طب نرجع إلى الأصل؛ وهو أنه لا يمكن لممسوح الخصيتين أن ينزل منيًّا.
والأحكام الكلية أجريت في الشرع على ما هو الغالب حفظًا للكليات (2).
* * *
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب اللعان (5305)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل (1500).
(2)
انظر: الموافقات (1/ 221).