الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: إن أعتق في مرض موته عبدًا لا مال له سواه، ومات العبد قبل موت السيد، فهل يموت كله رقيقًا، أم كله حرًا، أم ثلثه حرًا وباقيه رقيقًا
؟
إنَّ حُكم تبرع المريض _مرض الموت_ حكم وصيته؛ تنفّذ من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة فيما زاد عن الثلث (1)، وحُكي في ذلك الإجماع (2).
عن عمران بن حصين رضي الله عنهما (3): «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا» (4).
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُجِز من عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه إلا ثلثهم، ورد سائر ماله ميراثًا وهذا متفق عليه عند أهل العلم (5).
اختلف الفقهاء في المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يعتق من العبد مقدار ثلث مال سيده، وهو قول الحنفية والحنابلة ووجه عند الشافعية (6).
القول الثاني: تبطل الوصية، ويموت كله رقيقًا، وهو ظاهر قول المالكية ووجه عند
(1) انظر: الهداية (4/ 526)، الشرح الكبير للشيخ الدردير (3/ 307)، مغني المحتاج (4/ 86)، كشاف القناع (4/ 328).
(2)
انظر: المقدمات الممهدات (3/ 168).
(3)
هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن سالم الخزاعي الكعبي، يكنى أبا نجيد.
أسلم أبو هريرة وعمران بن حصين عام خيبر. وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى.
سكن عمران بن حصين البصرة، ومات بها سنة ثنتين وخمسين في خلافة معاوية. روى عنه جماعة من تابعي أهل البصرة والكوفة. الاستيعاب (3/ 1208)، سير أعلام النبلاء (2/ 508).
(4)
رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب من أعتق شركًا له في عبد (1462).
(5)
انظر: الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 79)، المغني لابن قدامة (10/ 317).
(6)
انظر: الأصل للشيباني (5/ 257)، المبسوط للسرخسي (29/ 23)، الوسيط في المذهب (7/ 473)، أسنى المطالب (4/ 448)، المبدع في شرح المقنع (6/ 26)، الإقناع (3/ 138).
الشافعية (1)، واختاره الصيدلاني (2).
القول الثالث: نفذ عتقه في جميعه، ويموت حرًا، وهو وجه عند الشافعية (3).
وتظهر فائدة الخلاف في شيئين:
أحدهما: لو وهب في المرض عبدًا لا يملك غيره، وأقبضه، ومات العبد قبل السيد، فإن قلنا في مسألة العتق: يموت رقيقًا مات هنا على ملك الواهب، ويلزمه مؤنة تجهيزه.
وإن قلنا: يموت حرًا، مات هنا على ملك الموهوب له، فعليه تجهيزه. وإن قلنا بالثالث: وُزِّعت المؤنة عليهما.
الثاني: إذا كان لهذا العبد ولد من معتقه، كان ولاء الولد لموالي أمه، فإن قلنا: يموت حرًا، أنجز الولاء إلى معتق الأب، وإن قلنا: يعتق ثلثه، أنجز ولاء ثلثه. ولو أعتق في مرضه
(1) انظر: التهذيب في اختصار المدونة (4/ 227)، الجامع لمسائل المدونة (19/ 670)، الحاوي الكبير (18/ 53)، الوسيط في المذهب (7/ 473).
(2)
في روضة الطالبين (12/ 136): "إن أعتق عبدًا لا مال له سواه، لم يعتق إلا ثلثه، وإن مات هذا العبد بعد موت السيد، مات، وثلثه حر، وإن مات قبل موت السيد، فهل يموت كله رقيقًا، أم كله حرًا، أم ثلثه حرًا وباقيه رقيقًا؟ فيه أوجه: أصحها عند الصيدلاني: الأول".
(3)
انظر: الحاوي الكبير (18/ 53)، الوسيط في المذهب (7/ 473)، روضة الطالبين (12/ 136).
في أسنى المطالب (4/ 448)، ومغني المحتاج (6/ 461 - 462) واللفظ للشربيني: "فإن مات في حياته فهل يموت كله رقيقًا أو كله حرًا أو ثلثه حرًا وباقيه رقيق؟
قال في أصل الروضة: "هنا فيه أوجه أصحها عند الصيدلاني الأول"، وجرى عليه ابن المقري في روضه؛ لأن ما يعتق ينبغي أن يبقى للورثة مثلاه، ولم يحصل لهم هنا شيء، ونقلًا في الوصايا عن الأستاذ أبي منصور تصحيح الثاني واقتصرا عليه، وصوبه الزركشي تنزيلًا له منزلة عتقه في الصحة، وإطلاق المصنف-أي النووي في المنهاج- يقتضي ترجيح الثالث وهو الظاهر، وصححه البغوي: وقال في البحر: إنه ظاهر المذهب، وقال الماوردي: إنه الظاهر من مذهب الشافعي، كما لو مات بعده. قال البغوي: ولا وجه للقول بأنه مات رقيقًا؛ لأن تصرف المريض غير ممتنع على الإطلاق، وتبعه الأذرعي، وخص ذلك الماوردي بما إذا مات من غير كسب، فإن كان مات عن كسب وهو مثلا قيمته عتق جميعه؛ لأنه صار للتركة مثلا قيمته، وإن كان نصف قيمته كان نصفه حرًا"أهـ.
عبدًا، وله مال سواه، ومات العتيق قبل موت السيد (1).
تعليل القول الأول (2):
1.
قالوا: لأنه حصل مسلَّمًا إلى العبد بنفسه.
2.
ولأنه لزم على وجه لا يصح الرجوع عنه.
3.
قالوا: فهو بمنزلة هبة أو صدقة في المرض مقبوضة، لا تبطل بموت المتصدق عليه قبل موت المتصدق.
تعليل القول الثاني:
1.
لأنه مات قبل النظر في الثلث، والنظر في الثلث يكون عند موت السيد، فكأنه لم يوصَ فيه بشيء؛ لأنه لا يُقَوَّمُ ميت، ولا يُقَوَّمُ على ميت (3).
2.
لأن ما يعتق ينبغي أن يحصل لورثة مثلاه، ولم يحصل لهم هنا شيء (4).
ونوقش هذا القول بأنه:
لا وجه للقول بأنه مات رقيقًا؛ لأن تصرف المريض غير ممتنع على الإطلاق (5).
تعليل القول الثالث:
يموت حرًا تنزيلًا له منزلة عتقه في الصحة (6).
(1) انظر: روضة الطالبين (12/ 136)، مغني المحتاج (6/ 462).
(2)
انظر: المبسوط للسرخسي (29/ 24).
(3)
انظر: المدونة (4/ 364)، الجامع لمسائل المدونة (19/ 670).
وفي المدونة (2/ 420): "وقد قال أبو بكر لعائشة: "لو كنت حزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال وارث" قاله وهو مريض، فالمرض من أسباب الموت، وفيه الحجر، وقد أخبرني عبد الله بن نافع أن عمر بن قيس حدثه عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه قال: "لا يُقوَّم ميت، ولا يُقوَّم على ميت".
(4)
انظر: أسنى المطالب (4/ 447)، مغني المحتاج (6/ 461).
(5)
انظر: أسنى المطالب (4/ 448)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (10/ 370).
(6)
انظر: أسنى المطالب (4/ 447 - 448).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول بأنه يُعتق منه بمقدار ثلث مال السيد، وهو ثلث مقدار قيمة العبد في مسألتنا؛ لأنه لا مال له غيره، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنهما:«أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا» (1).
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُجِز من عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه إلا ثلثهم، ورد سائر ماله ميراثًا وهذا متفق عليه عند أهل العلم (2).
ولحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كان النبي رضي الله عنه يعودني وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال:«لا» ، قلت: فالشطر؟ قال: «لا» ، قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث والثلث كثير، أن تَدَعَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعَهم عالة يتكفّفون الناس في أيديهم، ومهما أنفقت فهو لك صدقة، حتى اللقمة ترفعها في فيِّ امرأتك، ولعل الله يرفعك، ينتفع بك ناس، ويضر بك آخرون» (3). فلا يزاد عن الثلث.
* * *
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب من أعتق شركا له في عبد (1462).
(2)
انظر: الإقناع في مسائل الإجماع (2/ 79)، المغني لابن قدامة (10/ 317).
(3)
رواه البخاري في كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث (2744)؛ ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (1628).