الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة: حكم دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة
(1).
1.
لا يخفى أن الصور نوعان:
أصور غير ذوات الروح من المخلوقات النامية منها: (كالأشجار والنباتات)، وغير النامية منها:(كالجبال والأحجار والأفلاك ونحوها).
ب صور ذوات الروح (إنسان أو حيوان).
2.
مذهب جماهير السلف والخلف على جواز صور غير ذوات الروح (2).
3.
صور ذوات الروح أنواع منها المجسمة والسطحية والمعلقة والممتهنة، فقد اختلف أهل العلم في الممنوع منها والجائز.
ومسألتنا في حكم دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة (3).
اختلف العلماء فيها على قولين (4):
القول الأول: أنه يحرم دخول البيت الذي فيه صور ذوات الروح لمن لا يستطيع إزالة المنكر، مالم تكن ممتهنه، أو ممحوة الرؤوس، أو ناقصة عضو من الأعضاء التي لا تبقى الحياة بدونها.
وهذا هو قول بعض الشافعية (5)، وبعض الحنابلة (6).
القول الثاني: أن دخول البيت الذي فيه صور ذوات الروح مكروه: وإليه ذهب
(1) مناسبة وضع هذه المسألة في الوليمة، لأن الوليمة قد تكون في مكان فيه تصاوير.
(2)
التمهيد (21/ 200)، حاشية ابن عابدين (1/ 649)، شرح النووي على مسلم (14/ 81)، فتح الباري (10/ 394)، الإنصاف (1/ 474).
(3)
لبحث المسألة: ينظر: أحكام التصوير في الفقه الإسلامي ص 207 وما بعدها.
(4)
انظر: أحكام التصوير ص 466 - 473.
(5)
انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (14/ 81 ـ 82)، أسنى المطالب (3/ 225 ـ 226)، ومغني المحتاج (4/ 408)، نهاية المحتاج (6/ 375).
(6)
انظر: الإنصاف (8/ 336)، والمغني (7/ 283)، وانظر: الآداب الشرعية (3/ 504 - 505).
الحنفية (1)، والمالكية (2)، وبعض الشافعية (3)، واختاره الصيدلاني (4).
أدلة القول الأول:
وقد استدل أصحاب هذا القول على تحريم الدخول بما يلي:
أولًا: عموم الأدلة الدالة على تحريم الصور، واتخاذها، وما ورد في ذلك من الوعيد على المصورين، والمتخذين لها، والدخول إلى تلك الأماكن فيه مخالفة تلك الأدلة إلا من يدخلها مغيرًا للمنكر، إن كان له قدرة على ذلك (5).
ثانيًا: أن امتناع دخول الملائكة إلى بيت فيه صورة أو كلب دليل على تحريم دخول تلك الأماكن التي فيها الصور المحرمة (6).
ونوقش:
بأنَّ كون الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة لا يوجب تحريم دخوله علينا، كما لو كان فيه كلب (7).
(1) انظر: بدائع الصنائع (1/ 116)، البناية شرح الهداية (2/ 461).
(2)
انظر: المدونة الكبرى (1/ 91)، والتمهيد (21/ 196)، وانظر: الخرشي على مختصر خليل (3/ 303)، وشرح منح الجليل (2/ 167).
(3)
انظر: مغني المحتاج (3/ 247)، وفتح الباري (10/ 407)، وأسنى المطالب (3/ 226).
(4)
قال الإمام النووي رحمه الله: "وهل دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة حرام أم مكروه؟ وجهان.
وبالتحريم قال الشيخ أبو محمد، وبالكراهة قال صاحب «التقريب» والصيدلاني، ورجحه الإمام والغزالي في «الوسيط» . ولو كانت الصورة في الممر دون موضع الجلوس، فلا بأس بالدخول والجلوس، ولا يترك إجابة الدعوة بهذا السبب" روضة الطالبين (7/ 335 - 336).
(5)
انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (14/ 81 ـ 82)، وأسنى المطالب (3/ 225 ـ 226)، ومغني المحتاج (4/ 407).
(6)
انظر: المغني لابن قدامة (7/ 283)، مغني المحتاج (4/ 407).
(7)
انظر: المغني لابن قدامة (7/ 283).
ثالثًا: أن وضع الصور في البيوت فيه تشبُّه بعبّاد الصور، والأصنام، والدخول إلى هذه البيوت - مع العلم بما فيها- فيه إقرارٌ لصاحب المنكر على منكره، ومشاركة في الإثم (1).
رابعًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع من الدخول إلى بيت عائشة رضي الله عنها حينما رأى الستر الذي كان فيه الصور؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نمرقة (2) فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل فعرفَت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما بال هذه النمرقة؟ » فقالت: اشتريتها لك، تقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، ثم قال:«إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» (3).
وامتنع من الدخول أيضًا إلى بيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسبب التصاوير قال علي رضي الله عنه: "صنعت طعامًا، فدعوت النبي صلى الله عليه وسلم فجاء، فدخل، فرأى سترًا فيه تصاوير، فخرج وقال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير"(4).
ولو لم يكن دخول البيت الذي فيه الصور محرمًا لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول، رغم تأكد إجابة دعوة المسلم، إذا دعاه أخوه المسلم.
خامسا: أن الامتناع من الدخول إلى أماكن الصور هو فعل الصحابة رضي الله عنهم؛
(1) انظر: أحكام التصوير ص 466.
(2)
(نمرقة) هي بضم النون والراء، ويقال بكسرهما، ويقال بضم النون وفتح الراء، ثلاث لغات، ويقال: نمرق، بلا هاء: وهي وسادة صغيرة، وقيل هي مرفقة، وجمعها: نمارق.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 118)، شرح النووي على مسلم (14/ 90)
(3)
رواه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة (2107).
(4)
رواه النسائي في سننه، كتاب الزينة - التصاوير (5351)، وابن ماجه، سننه في أبواب الأطعمة، باب إذا رأى الضيف منكرًا رجع (3359)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (3359).
فقد امتنع عمر من الدخول إلى كنائس النصارى لأجل الصور التي فيها، وقال:«إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور» (1)، وامتنع أبو مسعود عقبة بن عمرو من الدخول إلى البيت حتى كسرت الصورة (2)، وغير ذلك كثير.
أدلة القول الثاني:
وأدلتهم على كراهة دخول المكان الذي فيه صورة هي أدلة أصحاب القول الأول نفسها، سواء بسواء، وإنما اختلفوا في أخذ الحكم من تلك الأدلة، فمنهم من رأى أنها تدل على التحريم، وهم أصحاب القول الأول، ومنهم من رأى أنها تدل على الكراهة فقط، وهم أصحاب القول الثاني (3).
يمكن مناقشة ذلك:
بأن مقتضى الأدلة هو القول بالتحريم، وليس الكراهة، وذلك لما فيه من الوقوع في التشبه بعباد الأوثان، والأصنام، والحرمان من دخول الملائكة إلى تلك الأماكن، وكون ذلك الصنيع من أقوى الوسائل المفضية إلى الشرك (4).
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم -جواز دخول مكان فيه صور لمن استطاع تغيير المنكر، وأما من لم يستطع فلا يجوز له الجلوس ما لم يترتب عليه مفسدة أعظم. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قاتلهم
(1) أخرجه البخاري معلقًا في الصلاة، باب الصلاة في البيعة (1/ 94)، ووصله عبد الرزاق في مصنفه (1/ 411)، وصحح سنده الألباني في آداب الزفاف (ص: 164).
(2)
رواه البخاري في النكاح معلقًا، باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟ ووصله البيهقي في السنن الكبرى (7/ 438)، وصحح سنده الألباني في آداب الزفاف (ص: 165).
(3)
انظر: الشريعة الإسلامية والفنون ص (161).
(4)
انظر: فتح الباري (8/ 17)، أحكام التصوير ص 470.
الله، لقد علموا: ما استقسما بها قط" (1).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصور في البيت، ونهى الرجل أن يصنع ذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخل البيت حتى محيت كل صورة فيه"(2).
والدخول في هذه الأماكن بدون إنكار المنكر، أو تحقق مصلحة فيه مشاركة في الإثم، قال الله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} (3).
قال القرطبي رحمه الله: " {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم"(4).
* * *
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح؟ (4288).
(2)
رواه أحمد في مسنده (22/ 449) 14596 وقال محققو الرسالة: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وقال الشيخ حمود التويجري رحمه الله:"إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(3)
سورة النساء: 140.
(4)
تفسير القرطبي (5/ 418).