الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: حكم اشتراط إذن السلطان في تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب
.
اتفقت المذاهب الأربعة على جواز تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب، مع اختلافهم فيما لو كان يتخلل جنونها إفاقة (1).
واتفق أهل العلم على أن للسلطان ولايةَ تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم (2).
والسلطان هاهنا هو الإمام، أو الحاكم، أو من فوَّضا إليه ذلك كالقاضي (3).
والمسألة المراد بحثها: هل يجب أو يشترط إذن السلطان في تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: لا يشترط إذن السلطان، وهو مقتضى قول المذاهب الأربعة (4).
القول الثاني: لا يستقل الأب بتزويج الكبيرة الثيب، بل يشترط إذن السلطان بدلًا
(1) انظر: بدائع الصنائع (2/ 241)، شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 176)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (2/ 222)، الحاوي الكبير (9/ 67)، منهاج الطالبين (ص: 209)، المغني لابن قدامة (7/ 47)، الإنصاف (8/ 56).
(2)
انظر: مراتب الإجماع ص 65، المغني (7/ 17)، الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان (2/ 8).
والعضل: هو منع الرجل موليته من التزويج. انظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (3/ 282)، المصباح المنير (2/ 415).
(3)
انظر: المغني (7/ 17).
(4)
انظر: بدائع الصنائع (2/ 241)، حاشية الدسوقي (7/ 369)، شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 176 - 178)، روضة الطالبين (7/ 95)، منهاج الطالبين (ص: 209)، المغني لابن قدامة (7/ 47)، الإنصاف (8/ 56).
عن إذنها، وهو وجه عند الشافعية (1)، واختيار الصيدلاني (2).
أدلة القول الأول:
عموم أدلة تقديم الأب على غيره (3)، ومن ذلك:
1.
أن البنت بعض أبيها، وهي منه بمثابة نفسه، فلا تفتقر ولايته عليها إلى إذن السلطان، قال صلى الله عليه وسلم:«فاطمة بضعة مني» متفق عليه (4).
2.
ولأن الولد موهوب لأبيه قال الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} (5)، وقال زكريا:{رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} (6)، وقال:{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} (7)، وقال إبراهيم عليه السلام:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} (8)، وقال صلى الله عليه وسلم:«أنت ومالك لأبيك» (9).
وجه الدلالة من الآيات والحديث:
(1) انظر: نهاية المطلب (12/ 147)، روضة الطالبين (7/ 95).
(2)
في نهاية المطلب (12/ 147): "إن كانت ثيبًا، وقد بلغت على الجنون؛ فظاهر النص أن الأب أولى، والتفويض إليه، وليس عليه مراجعة السلطان.
وذهب طوائف من محققينا إلى أن الأب في هذا المقام كالأخ، وهذا ما اختاره الصيدلاني".
(3)
انظر: المغني لابن قدامة (7/ 14)، الحاوي الكبير (17/ 164).
(4)
رواه البخاري في صحيحه كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (3714)، ورواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام رقم (2449).
(5)
سورة الأنبياء: 90.
(6)
سورة آل عمران: 38.
(7)
سورة مريم: 5.
(8)
سورة إبراهيم: 39.
(9)
رواه ابن ماجه في سننه، في أبواب التجارات- باب ما للرجل من مال ولده، رقم (2291)، والطحاوي في مشكل الآثار (2/ 230)، والطبراني في الأوسط (1/ 141/1)، وصححه عبد الحق الإشبيلي، والبوصيري، والألباني.
انظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (3/ 37)، إرواء الغليل (3/ 323).
أن الولد هبة للأب، ومن الولد البنت، فإثبات ولاية الموهوب له -وهو الأب- على الهبة-وهي البنت عاقلة أو مجنونة- أولى من غيره (1).
3.
ولأن الأب أكمل نظرًا وأشد شفقة وحبًا، وأعظمهم رفقًا وحنوًا، فوجب تقديمه في الولاية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:«الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة» (2).
4.
ولأن الأب يلي ولده في صغره وسفهه وجنونه في سائر الولايات، فهو أحق بولاية ابنته في النكاح من السلطان (3).
دليل القول الثاني:
1 -
قياس المجنونة الثيب الكبيرة على الثيب الصغيرة؛ حيث إن الأب لا يزوج الثيب الصغيرة -وإن كان يلي مالها- فكذلك لا يزوج الثيب الكبيرة دون إذن السلطان (4).
ويجاب عنه:
أبعدم التسليم بأن الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها (5).
ب بأن كون الثيّب الصغيرة لا تزوّج حتى تبلغ- على مذهب الشافعي ومن وافقه- ليس لأنّه لا ولاية له عليها، وإنّما لأنّها لا تزوّج إلَّا بإذنها، والإذن في الصِّغر غير معتبر، فلزم انتظاره إلى وقت اعتباره، وهو البلوغ عن عقل (6).
ت أما المجنونة البالغة الثيب؛ فإنه عند التحقيق لا يتصوّر في حقها الإجبار؛ إذ لا رأي لفاقد العقل، والإجبار حقيقة إنّما يتصوّر في حقِّ من لها رأي في نفسها (7).
(1) انظر: المغني لابن قدامة (7/ 14).
(2)
رواه أحمد في مسنده (17562)، وابن ماجه في أبواب الأدب، (باب بر الوالد، والإحسان إلى البنات) رقم (3666)، والحاكم في مستدركه، واللفظ له (3/ 335) عن الأسود بن خلف رضي الله عنه وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1990).
(3)
انظر: المغني (7/ 14).
(4)
انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (12/ 148)
(5)
انظر: المغني (7/ 44).
(6)
انظر: الولاية في النكاح (1/ 369).
(7)
انظر: الولاية في النكاح (1/ 444).
2 -
قياس الأب على الأخ؛ فهو لا يزوج الثيب الكبيرة دون إذن السلطان (1).
وقالوا: وإنما يتميز الأب في التزويج عن الأخ في حق الأبكار فحسب (2).
وأجيب:
1.
عدم التسليم بافتقار ولاية الأخ لإذن السلطان (3).
2.
وعلى التسليم نقول: بأننا إنما نُدير التزويج في حق المجنونة بين الأخ والسلطان، لقصور شفقة الأخ، وامتناع الطلب من المجنونة، بخلاف الأب فإن شفقته كاملة (4).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول بأنه لا يشترط إذن السلطان في تزويج الأب لابنته المجنونة الثيب البالغة، وذلك لما يلي:
1 -
لقوة ما استدل به الجمهور.
2 -
أن هذا عقدٌ عقده الأب، وهو أحق الناس بالولاية، فالأصل في عقده الصحة، واشتراط السلطان شرط يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه.
3 -
قياسها على البكر الصغيرة، والجامع بينهما عدم العقل إن كانت دون التمييز، أو عدم إدراك الأصلح إن كانت فوق ذلك.
4 -
ولأن ولاية السلطان لا تكون إلا عند عدم وجود الولي قال صلى الله عليه وسلم: «السلطان
(1) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (12/ 148).
(2)
نفس المرجع.
(3)
انظر: المغني (7/ 389).
(4)
انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (12/ 148).