الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
50 - باب في تَعْظِيمِ الزِّنا
2310 -
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي وائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قَالَ: فَقُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخافَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ". قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} الآيَةَ (1).
2311 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْراهِيمَ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنِ ابن جُريْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو الزُّبيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: جاءَتْ مُسيْكَةُ لِبَعْضِ الأَنْصارِ فَقالَتْ إِنَّ سيِّدي يُكْرِهُني عَلَى البِغاءِ فَنَزَلَ في ذَلِكَ: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} (2).
2312 -
حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبي الحَسَنِ: غَفُورٌ لَهُنَّ المُكْرَهاتِ (3).
* * *
باب في تعظيم الزنا
[2310]
(ثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا سفيان) الثوري (عن منصور) ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) غير منصرف لكونه أعجميًّا علمًا، أبي ميسرة الهمداني، أخرج له الشيخان
(1) رواه البخاري (4477)، ومسلم (86).
(2)
رواه مسلم (3029).
(3)
رواه البيهقي 8/ 10 من طريق المصنف. قال الألباني في "صحيح أبي داود"(2002): إسناد مقطوع صحيح على شرط مسلم.
(عن عبد الله) ابن مسعود رضي الله عنه.
(قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب) أي: خصال الذنب (أعظم) إثمًا عند الله تعالى (قال: أن تجعل لله) تعالى (ندًّا) الند: المثل والنظير، جمعه أنداد كما قال تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (1)(وهو خلقك) وصورك، ومعناه أن اتخاذ الإنسان إلهًا ومعبودًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه ولا الذي أنعم عليه من أقبح القبائح وأعظم الآثام وأكثر الجهالات.
(قال: قلت: ثم أي؟ ) قال أبو الفرج: بالتشديد والتنوين سمعته من ابن الخشاب؛ لأنه اسم معرف غير مضاف.
(قال: أن تقتل ولدك مخافة) منصوب على المفعول له، أي: أجل خوف (أن يأكل معك) من طعامِكَ وتنفق عليه من مالك فتفتقر، وهذا القيد الذي هو خشية أن يأكل معك ليس له مفهوم، فإن قتلهم حرام سواء خاف من أكلهم الفقر أو لم يخف، وإنما هو مما خرج مخرج الغالب، وكانوا يقتلون البنات خوف الفقر وغيره فنهاهم الله عن ذلك بقوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} (2)، فضمن الرزق لهم ولأولادهم، وظاهر الحكم هنا لمن كان واحدًا كما يتفق فولد بنت أو ذكر فقتله ليخف مؤنته من طعامه ولوازمه، فعظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر ذلك وجعله من أعظم الكبائر.
(1) البقرة: 22.
(2)
الإسراء: 31.
(قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة) بضم الحاء المهملة، وهي التي يحل وطؤها بالنكاح أو التسري، ومعنى تزاني أي: تحاول الزنا بزوجة جارك أو جاريته برضاها (جارك) أي: من يجاورك في المسكن أو الداخل في جوار العهد.
والزنا من الفواحش العظام، وإفساد المرأة على زوجها واستمالة قلبها للزنا بها أفحش من ذلك وأعظم ذنبًا وأعظم فحشًا أن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه لما تضمن من خيانة الجار، وقد عظم فحش ذلك عادةً وشرعًا، وكانت الجاهلية يمتدحون حرمة الجار ويغضون دونهم الأبصار كما قال عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
…
حتى يواري جارتي مأواها (1)
(قال: وأنزل الله تعالى تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم) ظاهر هذا أن هذِه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك، لأن الترمذي قد روى هذا الحديث وقال فيه: وتلا النبي صلى الله عليه وسلم: ({وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} (2) الآية (3) بدل: وأنزل الله. وظاهره أنه عليه السلام قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما كان أنزل منها قبل ذلك على أن الآية تضمنت ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه بحكم عمومها.
({وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ}) معطوف على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصفات بعضها على
(1) انظر: "العقد الفريد" 6/ 3، "نهاية الأرب" 15/ 338.
(2)
الفرقان: 68.
(3)
"سنن الترمذي"(3183).
بعض ({مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}) بالإشراك بالله تعالى ({وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}) أي: بأمر موجب للقتل شرعًا، وذلك الأمر هو المذكور في قوله عليه السلام:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد (1) إيمان، أو قتل نفس بغير نفس"(2). ({وَلَا يَزْنُونَ})(3)، وقد صرف هذِه الآية عن ظاهرها بعض أهل المعاني، فقال: لا ينبغي لمن أضافهم الله إليه إضافة تشريف واختصاص ووصفهم بما ذكرهم من صفات المعرفة وقوع هذِه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها؛ لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها: لا يدعون الهوى إلها، لا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلًا لها. ومعنى {إِلَّا بِالْحَقِّ}: إلا بتسكين الصبر وسبق المجاهدة، ولا ينظرون إلى دنيا ليست لهم محرم فيكون مباحًا على الضرورة فيكون كالنكاح مباحًا. (الآية) إلى آخرها.
[2311]
(ثنا أحمد بن إبراهيم) البغدادي الدورقي الحافظ، شيخ مسلم (عن حجاج) بن محمد الأعور الهاشمي ترمذي، سكن المصيصة (عن) عبد الملك (بن جريج قال: وأخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: جاءت مسيكة) بضم الميم وفتح السين مصغر (لبعض) أي: إلى بعض (الأنصار) ويتعدى جاء أيضًا بنفسه كقوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ} (4)
(1) في النسخة الخطية: بغير. والمثبت من المصادر.
(2)
سيأتي برقم (4363) من حديث أبي برزة.
(3)
الفرقان: 68.
(4)
النساء: 90.
(فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء) يعني: الزنا، ولفظ مسلم: أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة. وأخرى يقال لها: أميمة. فكان يريدهما على الزنا، فَشَكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1).
وحكى الثعلبي عن مقاتل: نزلت الآية - يعني: هذِه الآية - في سبب جوارٍ لعبد الله بن أبي كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن، وهن معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وقبيلة وأروى، فجاءته إحداهما ذات يوم بدينار وجاءت أخرى ببرد، فقال لهما: ارجعا فازنيا. فقالتا: لا والله لا نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا. فأتيا رسول الله وشكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
(فنزل في ذلك) قوله تعالى: ({وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ}) جمع فتاة وهي الجارية ({عَلَى الْبِغَاءِ})(3)، يعني: على الزنا والفجور، وهو وصف مختص بالمرأة، ولا يقال للرجل: بغي. قاله الأزهري (4).
[2312]
(ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ) بن معاذ العنبري شيخ مسلم (ثنا معتمر) بن سليمان أحد الأعلام، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وكان الناس يقولون يوم مات: مات اليوم أعبد الناس (5)(عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي، ولم يكن من تيم، بل نزل فيهم (6)، مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا ويصلي صلاة الفجر بوضوء
(1)"صحيح مسلم"(3029)(27)، وعنده: يكرههما بدل: يريدهما.
(2)
"الكشف والبيان" المعروف بـ "تفسير الثعلبي" 4/ 378.
(3)
النور: 33.
(4)
انظر: "تهذيب اللغة" باب الغين والباء 8/ 180.
(5)
"تهذيب الكمال" 28/ 255.
(6)
"تهذيب الكمال" 12/ 5.
عشاء الآخرة (1)، وقال لابنه عند موته: يا معتمر، حدثني بالرخص لعلي ألقى الله حسن الظن به (2). وقال في قوله تعالى:({وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ}) أي: من أكره جاريته على أن تزني وهي كارهة.
(قال سليمان) التيمي (قال سعيد بن أبي الحسن) يسار الأنصاري مولاهم البصري أخو الحسن البصري، قال ابن عون: كان سعيد بن أبي الحسن يقول في دعائه عند الموت: اللهم اجعل لنا في الموت راحة وروحًا ومعافاة. ولما مات سعيد طال [حُزن أخيه الحسَن](3) فتحرَّق بكاءً عليه، فقيل له: إنك إمام من الأئمة يقتدى بك، فلو تركت بعض ما أنت عليه. فقال: دعوني فما رأيت الله تعالى عاب على يعقوب طول الحزن على يوسف عليه السلام (4)({فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ}) لهن ({غَفُورٌ رَحِيمٌ})(5) قال النووي: كذا وقع في النسخ - يعني لمسلم - كلها: لهن غفور رحيم. قال: وهذا تفسير ولم يرد أن لفظة لهن منزلة (6) فإنه لم يقرأ بها أحد، وإنما هي تفسير وبيان أن المغفرة والرحمة لهن لكونهن مكرهات لا لمن أكرههن (7).
[2312]
(قال سعيد بن أبي الحسن: غفور لهن) الأفعال (المكرهات)
(1)"تهذيب الكمال" 12/ 8.
(2)
"تهذيب الكمال" 12/ 12.
(3)
في النسخة الخطية: حسن أخيه الحزن. وهو سبق قلم.
(4)
"تهذيب الكمال" 1/ 387.
(5)
النور: 33.
(6)
في الأصل: بقوله. والمثبت من "شرح النووي".
(7)
"شرح النووي على مسلم" 18/ 163.
بضم الميم وفتح الراء يعني: عليهن، وكان الحسن يقول: غفور لهن والله (1) لا يكرههن مستدلًّا على ذلك بإضافة الإكراه إليهن، وأما المكره فعليه الوزر إذا لم يتب من ذلك الإكراه السابق؛ فإن الله تعالى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2) لمن أخلص في التوبة والإصلاح.
* * *
وتم بحمد الله تعالى وفضله العميم كتاب النكاح ويتلوه في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى كتاب الصيام وصلى الله على سيدنا محمد وآل محمد صلاةً وسلامًا دائمين على مر الصباح، ووافق الفراغ من نسخه على يد كاتبه الفقير في يوم الثلاثاء ثاني شهر جمادى الآخرة من شهور سنة تسعين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والصلاة والتسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
(1)"تفسير ابن كثير" 6/ 52.
(2)
النور: 33.