الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
27 - باب فِي اللِّعانِ
2245 -
حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ العَجْلانّي جاءَ إِلَى عاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَقَالَ لَهُ: يا عاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يا عاصِمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَ عاصِمٌ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَسائِلَ وَعابَها، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عاصِمٍ ما سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمّا رَجَعَ عاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ لَهُ: يا عاصِمُ ماذا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عاصِمٌ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَسْأَلَةَ التِي سَأَلْتُهُ عَنْها. فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: والله لا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْها. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ وَسَطَ النّاسِ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صاحِبَتِكَ قُرْآنٌ فاذْهَبْ فَأْتِ بِها". قَالَ سَهْلٌ: فَتَلاعَنا وَأَنا مَعَ النّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمّا فَرَغا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلِيْها يا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُها. فَطَلَّقَها عُوَيْمِرٌ ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ ابن شِهابٍ: فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ المُتَلاعِنَيْنِ (1).
2246 -
حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابن سَلَمَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ حَدَّثَنِي عَبّاسُ بْنُ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ: "أَمْسِكِ المَرْأَةَ عِنْدَكَ حَتَّى تَلِدَ"(2).
2247 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قَالَ: حَضَرْتُ لِعانَهُما عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأَنا ابن
(1) رواه البخاري (4745)، ومسلم (1492).
(2)
رواه أحمد 5/ 335.
وحسنه الألباني "صحيح أبي داود"(1943).
خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَسَاقَ الحَدِيثَ قَالَ: فِيهِ ثُمَّ خَرَجَتْ حامِلًا فَكَانَ الوَلَدُ يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ (1).
2248 -
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الوَرَكانِيُّ، أَخْبَرَنا إِبْراهِيمُ - يَعْنِي: ابن سَعْدٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي خَبَرِ المُتَلاعِنَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَبْصِرُوها فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ فَلا أُراهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ وَإِنْ جاءَتْ بهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلا أُراهُ إِلَّا كَاذِبًا". قَالَ: فَجاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ المَكْرُوهِ (2).
2249 -
حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنا الفِرْيابِيُّ، عَنِ الأَوْزاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ بهذا الخَبَرِ قَالَ: فَكَانَ يُدْعَى - يَعْنِي الوَلَدَ - لأُمِّهِ (3).
2250 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ عَنْ عِياضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الفِهْرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنِ ابن شِهابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي هذا الخَبَرِ قَالَ: فَطَلَّقَها ثَلاثَ تَطلْيقاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ ما صُنِعَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُنَّةً.
قَالَ سَهْلٌ حَضَرْتُ هذا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي المُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أَبَدًا (4).
2251 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَوَهْبُ بْنُ بَيانٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَعَمْرُو بْنُ
(1) رواه البخاري (6854) دون آخره. وآخره رواه البخاري (4746)، ومسلم (1492). وصححه الألباني في "الإرواء"(2100).
(2)
رواه البخاري (4745).
(3)
رواه البخاري (5309)، ومسلم (1492).
(4)
رواه ابن شبة في "تاريخ المدينة" 2/ 386، وأبو عوانة في "مستخرجه"(4676).
وصححه الألباني "صحيح أبي داود"(1947).
عُثْمانَ قالُوا: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ مُسَدَّدٌ قَالَ شَهِدْتُ المُتَلاعِنَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنا ابن خَمْسَ عَشْرَةَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُما رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ تَلاعَنا. وَتَمَّ حَدِيثُ مُسَدَّدٍ. وقَالَ الآخَرُونَ إِنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ فَقَالَ الرَّجُلُ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُها - لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ عَلَيْها - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُتابِعِ ابن عُيَيْنَةَ أَحَدٌ عَلَى أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ (1).
2252 -
حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُدَ العَتَكِيُّ، حَدَّثَنا فُلَيْحٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي هذا الحَدِيثِ وَكَانَتْ حامِلًا فَأَنْكَرَ حَمْلَها فَكَانَ ابنها يُدْعَى إِلَيْها ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي المِيراثِ أَنْ يَرِثَها وَتَرِثَ مِنْهُ ما فَرَضَ الله عز وجل لَها (2).
2253 -
حَدَّثَنا عثْمان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: إِنّا لَلَيْلَةُ جُمْعَةٍ فِي المَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ بِهِ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ! فَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ والله لأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَلَمّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ بِهِ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ افْتَحْ". وَجَعَلَ يَدْعُو فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} هذِه الآيَةُ فابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النّاسِ فَجاءَ هُوَ وامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَلاعَنا فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ثُمَّ لَعَنَ الخامِسَةَ عَلِيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، قَالَ: فَذَهَبَتْ لِتَلْتَعِنَ فَقَالَ لَها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَهْ". فَأَبَتْ فَفَعَلَتْ فَلَمَّا أَدْبَرا قَالَ: "لَعَلَّها أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا". فَجاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا (3).
2254 -
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا ابن أَبِي عَدِيٍّ، أَخْبَرَنا هِشامُ بْنُ حَسّانَ،
(1) أوله رواه البخاري (6854). وآخره رواه البخاري (5259)، ومسلم (1492).
(2)
رواه البخاري (4746)، ومسلم (1492).
(3)
رواه مسلم (1495).
حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِذا رَأى أَحَدُنا رَجُلًا عَلَى امْرَأَتِهِ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "البَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَقَالَ هِلالٌ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا إِنِّي لَصادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ فِي أَمْرِي ما يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ فَنَزَلَتْ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ {لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَرْسَلَ إِلَيْهِما فَجاءا فَقامَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَشَهِدَ والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما مِنْ تائِبٍ". ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمّا كانَ عِنْدَ الخامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ وَقَالُوا لَها إِنَّها مُوجِبَةٌ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنّا أَنَّها سَتَرْجِعُ فَقَالَتْ: لا أَفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْم. فَمَضَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَبْصِرُوها فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ". فَجاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْلا ما مَضَى مِنْ كِتابِ اللهِ لَكانَ لِي وَلَها شَأْنٌ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ المَدِينَةِ حَدِيثُ ابن بَشّارٍ حَدِيثُ هِلالٍ (1).
2255 -
حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ الشَّعِيرِيُّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ رَجُلًا حِينَ أَمَرَ المُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلاعَنا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ عِنْدَ الخامِسَةِ يَقُولُ إِنَّها مُوجِبَةٌ (2).
2256 -
حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: جاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الذِينَ تابَ اللهُ عَلَيهِمْ فَجاءَ مِنْ أَرْضِهِ عَشِيًّا فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأى بِعَينَيْهِ وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ فَلَمْ يَهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ غَدا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي
(1) رواه البخاري (4747).
(2)
رواه النسائي 6/ 175. وصححه الألباني "صحيح أبي داود" (1952).
عِشاءً فَوَجَدْتُ عِنْدَهُمْ رَجُلًا فَرَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما جاءَ بِهِ واشْتَدَّ عَلِيْهِ فَنَزَلَتْ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} الآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِما فَسُرَّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَبْشِرْ يا هِلالُ قَدْ جَعَلَ اللهُ عز وجل لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا". قَالَ هِلالٌ: قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَلِكَ مِنْ رَبِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَرْسِلُوا إِلَيْها". فَجاءَتْ فَتَلا عَلِيْهِما رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَذَكَّرَهُما وَأَخْبَرَهُما أَنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذابِ الدُّنْيا فَقَالَ هِلالٌ: والله لَقَدْ صَدَقْتُ علَيْها. فَقالَتْ: قَدْ كَذَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لاعِنُوا بَيْنَهُما". فَقِيلَ لِهِلالٍ: اشْهَدْ. فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمّا كَانَتِ الخامِسَةُ قِيلَ لَهُ: يا هِلالُ اتَّقِ اللهَ فَإِنَّ عَذابَ الدُّنْيا أَهْوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرَةِ وَإِنَّ هذِه المُوجِبَةُ التِي تُوجِبُ عَلَيْكَ العَذابَ. فَقَالَ: والله لا يُعَذِّبُنِي اللهُ عَلَيْها كَما لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْها. فَشَهِدَ الخامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلِيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكاذِبِينَ ثُمَّ قِيلَ لَها: اشْهَدِي. فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَلَمّا كَانَتِ الخامِسَةُ قِيلَ لَها: اتَّقِي اللهَ فَإِنَّ عَذابَ الدُّنْيا أَهْوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرَةِ وَإِنَّ هذِه المُوجِبَةُ التِي تُوجِبُ عَلَيْكِ العَذابَ. فَتَلَكَّأَتْ ساعَةً ثُمَّ قَالَتْ: والله لا أَفْضَحُ قَوْمِي فَشَهِدَتِ الخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلِيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُما وَقَضَى أَنْ لا يُدْعَى وَلَدُها لأبٍ وَلا تُرْمَى وَلا يُرْمَى وَلَدُها وَمَنْ رَماها أَوْ رَمَى وَلَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ وَقَضَى أَنْ لا بَيْتَ لَها عَلَيْهِ وَلا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُما يَتَفَرَّقانِ مِنْ غَيْرِ طَلاقٍ وَلا مُتَوَفَّى عَنْها وقَالَ:"إِنْ جاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْصِحَ أُثَيْبِجَ حَمْشَ السّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلالٍ وَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمالِيًّا خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ سابِغَ الأَلْيَتَيْنِ فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمالِيًّا خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ سابِغَ الأَلْيَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْلا الأَيْمانُ لَكانَ لي وَلَها شَأْنٌ". قَالَ عِكْرِمَةُ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مُضَرَ وَما يُدْعَى لأَبٍ (1).
(1) رواه أحمد 1/ 238، والطيالسي (2789)، وابن شبة في "تاريخ المدينة" 2/ 379، وأبو يعلى (2740). وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(388).
2257 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْمُتَلاعِنَيْنِ: "حِسابُكُما عَلَى اللهِ أَحَدُكُما كاذِبٌ لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها". قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ مالِي. قَالَ: "لا مالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْها فَهُوَ بِما اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِها وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْها فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ"(1).
2258 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ، حَدَّثَنا أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ. قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَخَوي بَنِي العَجْلانِ وقَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ". يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ فَأَبَيا فَفَرَّقَ بَيْنَهُما (2).
2259 -
حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وانْتَفَى مِنْ وَلَدِها فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُما وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الذِي تَفَرَّدَ بِهِ مالِكٌ قَوْلُهُ: "وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ". وقَالَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في حَدِيثِ اللِّعانِ وَأَنْكَرَ حَمْلَها فَكَانَ ابنها يُدْعَى إِلَيْها (3).
* * *
باب في اللعان
[2245]
(ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن) محمد (بن شهاب) الزهري (أن سهل بن سعد) بن مالك (الساعدي) الصحابي (أخبره) قال الزهري: قلت لسهل بن سعد: ابن كم أنت يومئذٍ؟ يعني: يوم
(1) رواه البخاري (5312)، ومسلم (1493).
(2)
رواه البخاري (5311)، ومسلم (1493).
(3)
رواه البخاري (4748)، ومسلم (1494).
المتلاعنين. قال: ابن خمس عشرة سنة. قال الواقدي: مات سنة إحدى وتسعين وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعمره يوم مات مائة سنة (1).
(أن عويمر بن أشقر) كذا قال بعضهم، والأصح كما في "الاستيعاب" (2) وغيره: أن عويمر بن أبيض بن أشقر العجلاني الأنصاري (العجلاني) بفتح العين وسكون الجيم، كذا للسمعاني (3)، وقال: نسبة إلى بني العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن الخزرج بطن من الأنصار (جاء إلى عاصم بن عدي) بن الجد (4) العجلاني بن حارثة العجلاني حليف بني عمرو بن عوف سيد بني العجلان، شهد أحدًا، ولم يشهد بدرًا بنفسه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه حين خرج إلى بدر على قباء وأهل العالية، وضرب له بسهم، فكان كمن شهدها، توفي سنة خمس وأربعين، وقد بلغ قريبًا من عشرين ومائة سنة.
(فقال له: يا عاصم، أرأيت) أصلها: رأى العلمية المتعدية إلى مفعولين، دخل عليها همزة الاستفهام فضمنت معنى أخبرني، وحينئذٍ فلا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية وهو هنا: أيقتله؟ وربما كانت مقدرة نحو: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} (5)، أي: كيف
(1)"طبقات الفقهاء" 1/ 53.
(2)
"الاستيعاب" 3/ 298.
(3)
"الأنساب" للسمعاني 4/ 163.
(4)
في النسخة الخطية: الحريث. وهو خطأ. والمثبت من "التهذيب" وغيره.
(5)
العلق: 9.
يكون حاله (رجلًا) فيه حذف تقديره كما صرح به في رواية مسلم: لو أن رجلًا (1)(وجد مع امرأته رجلًا أيقتله) قال القرطبي: تقريره صلى الله عليه وسلم على ذلك يلزم منه أن من قتله لم يكن فيه قصاص ولا غيره، وقد عضده قول سعد: لو رأيته ضربته بالسيف، ولم ينكر عليه، بل صوبه بقوله:"أتعجبون من غيرة سعد؟ "(2). ولهذا قال أحمد وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين (3)، فإن لم يبينه فإنه يقتل به ولا يقبل قوله عند الجمهور، انتهى.
ولم أدر من أين أخذ قوله ولم يكن فيه قصاص من هذا الحديث، وقد صرح عاصم بأنه إن قتل يقتلونه.
قال السفاقسي: فيه سؤال العالم من هو أعلم منه، وفيه دليل على وجوب القتل على من قتل رجلًا وادعى أنه وجده مع امرأته.
قال النووي: معنى قوله: أيقتل (فتقتلونه) معناه أنه إذا وجد رجلًا مع امرأته وتحقق أنه قد زنى بها فإن قتل قتلتموه وإن صبر صبر عن أمرٍ عظيم (4)(أم كيف يفعل؟ ) هذا تتمة السؤال، وهو سؤال عن أن يتحرز من الحد متشوق لمعرفة الحكم (سل لي يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك) فيه أن من أراد السؤال عن شيء فاستحيا عن ذكره أن يستنيب غيره في السؤال عنه.
(فسأل عاصم رسول الله) عن ذلك (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل) بفتح
(1)"صحيح مسلم"(1492).
(2)
"المفهم" 4/ 291.
(3)
"مسائل أحمد وإسحاق، رواية الكوسج"(1109).
(4)
"شرح النووي على مسلم" 10/ 121.
الميم جمع مسألة، قيل: كرهها لكثرتها كما قد جاء النص الصريح في النهي عن كثرة السؤال وقيل وقال (1)، ويحتمل أن تكون المسائل من باب التعبير بالجمع عن المفرد، ويكون كره المسألة لقبحها وبشاعة ذكرها، ولهذا قال:(وعابها) أي: عاب ذكر هذِه المسألة، ويدل على هذا قول عاصم: قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها (حتى كبر) بفتح الكاف وضم الباء الموحدة، أي: عظم فهو كبير أي: عظيم.
(على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم) وشق عليه قوله الذي كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر) العجلاني (قال: يا عاصم، ماذا) ذا بمعنى الذي يعني: ما الذي (قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم) عما سألته عنه؟ قال: قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها من جهتك، قال بعضهم: كره السؤال عما لا حاجة للسائل عنه دون ما به إليه حاجة، وذلك أن عاصمًا إنما سأل لغيره لا لنفسه، فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة في ذلك إيثارًا لستر العورات، فأما ما كان من السؤال على وجه التبيين والتعليم فيما تدعو الحاجة إليه من أمر الدين فلا بأس بها وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأَلُ عن الأحكام فلا يكره ذلك، وقيل: كره قذف الرجل امرأته وذكرها بما يكرهه.
(فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها لعله) فهم من قوله: كره رسول الله النهي عن ذكرها والكراهة كراهة تنزيه لا تحريم، ولهذا قال: لا أنتهي، ولو أن النهي للتحريم لكرهه (فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله
(1) رواه البخاري (1477)، ومسلم (593) من حديث المغيرة بن شعبة.
- صلى الله عليه وسلم وهو وسط الناس) بسكون السين أوسط إذا كان بمعنى بين فهو ساكن السين، تقول: جلست وسط القوم، أي: بينهم، أي لم ينتظره حتى يجده منفردًا ويسأله بينه وبينه بحيث لا يعلم أحد بحاله، بل سأله في ملأٍ من الصحابة رضي الله عنهم.
(قال: يا رسول الله، أرأيت) تقدم (رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ ) تقدم جميع ذلك (فقال رسول الله: قد أنزل) الله تعالى (فيك وفي صاحبتك) فيه نسبةُ المرأة (1) للرجل على أن بينك وبينها صحبة ومعاشرة متقدمة (قرآن) قال القرطبي: يدل على أنه صلى الله عليه وسلم علم أنه صاحب المسألة المتقدمة إما بقرائن الأحوال، وإما بالوحي (2). والقرآن قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} (3) الآيات (فاذهب) إليها (فأت بها) فيه أن المرأة إذا احتيج إلى حضورها إلى الحاكم فإرسال زوجها ليحضرها أولى من الأجنبي.
(قال سهل) بن سعد: (فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) تقدم أن الزهري سأل سهلًا: ابن كم أنت يومئذٍ؟ قال: ابن خمس عشرة سنة، كما سيأتي.
فيه أن اللعان يكون بحضرة جمع من الأعيان والصلحاء لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (4) وقد حضر هذا اللعان سهل وابن
(1) سقط من النسخة الخطية.
(2)
"المفهم" 4/ 292.
(3)
النور: 6.
(4)
النور: 2.
عمر وابن عباس رضي الله عنهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على حداثة أسنانهم، فدلَّ على حضورِ كبارهم (فلما فرغا) من اللعان (قال عويمر: كذبتُ) بفتح الذال (يا رسول الله إن) أنا (أمسكتها) قال النووي: هو كلام تام مستقل (1). ثم استوفى الكلام بعده (فطلقها عويمر ثلاثًا قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم) بطلاقها؛ لقوله أنه لا يمسكها وأنه طلقها لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه، فأراد تحريمها عليه بالطلاق.
وقد استدل به أصحابنا على أن جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ليس حرامًا (2)، ووجه الدليل أنه أقره على ذلك ولم ينكر عليه إطلاق لفظ الثلاث.
وأجاب بعض المالكية بأنه إنما أقره على ذلك لأن الطلاق لم يقع إذ لم يصادف محلًا فإنها قد بانت منه بفراغها من اللعان بدليل قوله في الحديث الآخر: "لا سبيل لك عليها" وقوله للذي سمع يطلق ثلاثًا بكلمة: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ "(3) وهو إنكار محقق.
(قال) محمد (بن شهاب) الزهري (فكانت تلك) الفرقة (سُنَّة) بالنصب خبر كان (للمتلاعنين) وفي رواية للشافعي: "قد قضي فيك وفي امرأتك" فتلاعنا وأنا شاهد ثم فارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت سنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين (4).
(1)"شرح النووي على مسلم" 10/ 122.
(2)
"المجموع" 16/ 263.
(3)
أخرجه النسائي 6/ 142 من حديث محمود بن لبيد، وضعفه الألباني رحمه الله.
(4)
"الأم" 5/ 415.
قال القرطبي: قول ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. ظاهره أنه إشارة إلى كونه طلقها ثلاثًا. قال: وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: التفريق بين كل متلاعنين (1). وللعلماء في قوله: سنة المتلاعنين تأويلان:
أحدهما: الفرقة بانقضاء اللعان.
والثاني: استحباب إظهار الطلاق بعد اللعان على مذهب من يستحبه.
[2246]
(أخبرنا عبد العزيز بن يحيى) أبو الأصبغ الحراني، ثقة (ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عباس) بالموحدة والسين المهملة (بن سهل) أخرج له الشيخان.
(عن أبيه) سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعاصم بن عدي رضي الله عنه أمسك المرأة عندك) لعله أبعدها من أهلها وأمرها أن تعتد عند عاصم بن عدي خوفًا عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولي الغامدية أن يحسن إليها إلى أن تضع خوفًا من ذلك، وإذا أبعدت عن أقاربها فصديق زوجها وأقاربها أولى أن تكون عنده، وأن عويمر ابن عم عاصم (حتى تلد) فيه أنه لاعنها وهي حامل، وأن لعان الحامل صحيح.
وفيه أن الحمل يعرف بأمارات وهو المشهور عند الشافعي وغيره (2).
[2247]
(حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي قال: حضرت لعانهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة) استدل به الشافعي على أن
(1)"المفهم" 4/ 293.
(2)
انظر: "الحاوي الكبير" 5/ 326.
اللعان لا يكون إلا بمحضر من طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة؛ لأنه قال: ولما حكى سهل بن سعد المتلاعنين أنه حضر المتلاعنين مع حداثة سنه؛ إذ هو ابن خمس عشرة سنة، وحكاه ابن عمر. استدللنا به أن اللعان لا يكون إلا بمحضر من طائفة من المؤمنين؛ لأن ما يحضره الصغار فالكبار أولى بالحضور، ولأنه أردع للمتلاعنين عن الكذب، وقد تقدم.
(وساق الحديث) المتقدم، و (قال فيه: ثم خرجت) المرأة (حاملًا) فيه أنها كانت عند الملاعنة حاملًا كما تقدم، إلا أنه لم يكن يعلم ثم علم (فكان الولد يدعى إلى أمه) وينسب إليها وإلى مواليها إن كانت مولاة ويرثها وترث هي منه فرضها كما في كتاب الله، ويرث إخوته لأمه ميراث الأخوة للأم، ورواية مسلم أصرح في المقصود؛ فإن لفظه: وألحق الولد بأمه (1).
[2248]
(ثنا محمد بن جعفر) بن زياد أبو عمران، شيخ مسلم (الوركاني) بفتح الواو وسكون الراء، ووركة من أعمال بخارى، وقال السمعاني: من أعمال أصبهان (2).
(ثنا إبراهيم بن سعد) الزهري العوفي المدني.
(عن) محمد بن شهاب (الزهري، عن سهل بن سعد) الساعدي (في خبر المتلاعنين قال) سهل (قال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها) بفتح الهمزة وكسر الصاد، وللبخاري:"انظروا"(3)(فإن جاءت به أدعج العينين) الدعج:
(1)"صحيح مسلم"(1494)(8).
(2)
"الأنساب" للسمعاني (5170).
(3)
"صحيح البخاري"(4745).
شدة سواد العين مع شدة بياضها (فلا أراه) بضم الهمزة أي: أظنه (إلا قد صدق) عليها (وإن جاءت به أحيمر) بضم الهمزة وفتح الحاء، وكذا وقع غير مصروف، والصواب على اللغة الفصحى صرفه تصغير أحمر، وهو الأبيض، وقد يعد شاهدًا لما ذهب إليه قوم منهم أحمد بن يحيى منع صرف المنصرف اختيارًا في غير ضرورة شِعر، وذهب الكوفيون إلى جوازه للضرورة، واختاره ابن مالك (1)، وإذا صحت هذِه الرواية في البخاري وغيره فلا يلتفت إلى قول من خالفه (كأنه وحرة) بفتح الواو والحاء المهملة وهو دويبة حمراء كالعضاه تلزق بالأرض تشبه الوزغة إلا أنها أكبر منها، وهي إذا دنت على اللحم وَحِر فيقال: طعام وحر بكسر الحاء إذا دنت عليه فشبه الولد بها لحمرتها وقصرها والأحمر الشديد الشُّقرَةِ (فلا أراه إلا كاذبًا) عليها، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الشبه بالولد ثم لم يحكم به، وذلك لمعارضة ما هو أقوى منه وهو الفراش، وكذلك صنع في ابن وليدة زمعة لما رأى الشبه قال: احتجبي منه يا سودة (2)، وإنما يحكم بالشبه وهو حكم القافة إذا استوت العلائق كواطئين في طهر من زوج أو سيد.
(قال: فجاءت به على النعت المكروه) زاد البخاري في اللعان من ذلك ولفظه في سورة النور: فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه (3).
(1)"شرح الأشموني" 3/ 176.
(2)
سيأتي تخريجه برقم (2273).
(3)
"صحيح البخاري"(4745).
[2249]
(ثنا محمود بن خالد) بن يزيد السلمي (الدمشقي) قال أبو حاتم: كان ثقة رضى (1)، ووثقه النسائي (2).
(ثنا) محمد بن يوسف بن واقد الضبي (الفريابي) بكسر الفاء وسكون الراء وتخفيف المثناة تحت، وبعد الألف باء موحدة نسبة إلى فرياب من خراسان (عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي بهذا الخبر) و (قال) فيه: (فكان يدعى) - يعني: الولد - (لأمه) استدل به أحمد وعامة أهل العلم كما قال ابن قدامة: على أن الولد لا ينتفي عن أبيه ويلتحق بأمه؛ إلا إن تم اللعان (3) لأنه إنما انتفى هنا باللعان التام بين الزوجين (4).
ومذهب الشافعي: ينتفي بلعان الزوج فقط؛ لأن نفي الولد إنما كان بيمينه والتعانه لا بيمين المرأة، ولا معنى ليمين المرأة في لعانها إلا لدرء الحد عنها (5).
والحديث حجة لأحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الولد عن الأب وألحقه بأمه بالتعانهما جميعًا.
[2250]
(ثنا أحمد بن عمرو بن السرح، ثنا ابن وهب، عن عياض بن عبد الله) أخرج له مسلم (الفهري) بكسر الفاء نسبة إلى فهر بن مالك بن
(1)"الجرح والتعديل" 8/ 292.
(2)
"مشيخة النسائي"(151).
(3)
سقط من النسخة الخطية، والمثبت من "المغني".
(4)
"المغني" 11/ 161.
(5)
"الحاوي الكبير" 8/ 159.
النضر بن كنانة (وغيره، عن) محمد (بن شهاب، عن سهل بن سعد في هذا الخبر) و (قال) فيه: (فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم) استُدِلَّ به على أنه لا يتعلق باللعان فرقة، وإنما حصلت الفرقة هنا بالطلاق الثلاث، قال: فلو وقعت الفرقة باللعان لما قال في هذا الحديث: فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين كما في الحديث الصحيح الذي لا دافع له، وقوله في هذا الحديث: فأنفذه أي: أنفذ الفرقة المتعلقة باللعان، لا أنه أنفذ الطلاق.
(وكان ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة) فيه التصريح بأن ما صنع في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره يكون سنة، والمشهور عند الأصوليين أنه يدل على جوازه ولم يسمحوا بأنه يكون سنة، ولعل المراد بالسنة هنا السنة بين المتلاعنين كما سيأتي بعده.
(قال سهل) بن سعد: (حضرت هذا عند رسول الله فمضت السنة بعد) بضم الدال، على أنه لما حذف المضاف إليه بني على الضم، أي: بعد التطليقات الثلاث (في المتلاعنين) كلما وجد (أن يفرَّق بينهما) أي: يفرق الحاكم بينهما، استدل به أبو حنيفة على أن الفرقة بينهما لا بد فيها من تفريق الحاكم والقاضي بالحديث المتقدم: طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، ومذهب الشافعي والجمهور: الفرقة تتعلق بلعان الزوج (2). وأجيب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن المراد به أن يفرق
(1)"المبسوط" 7/ 46.
(2)
"الحاوي الكبير" 8/ 159.
بينهما في المسكن.
(ثم لا يجتمعان أبدًا) استدل به الشافعي على أن الزوجة إذا كانت أمة فلاعنها ثم اشتراها لم تحل له إصابتها؛ لأن الفرقة وقعت متأبدة، فصارت كحرمة الرضاع، ولا فرق في تحريم اجتماعهما بين أن يكون اللعان في نكاح فاسد أو لا (1).
وقيل: إن كان اللعان في نكاح فاسد جاز اجتماعهما وزيفوه، نعم ولو كان اللعان بقذفه في نكاح ظن صحته ثم بان فساده لم يجز اجتماعهما أبدًا بلا خلاف، وإنما الخلاف في اللعان لنفي النسب، ذكره ابن الرفعة (2).
[2251]
(وثنا مسدد ووهب بن بيان) الواسطي وهو ثقة (3)(وأحمد بن عمرو بن السرح وعمرو بن عثمان قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن) محمد بن مسلم بن شهاب (الزهري، عن سهل بن سعد) الساعدي (قال مسدد) في روايته: (قال) سهل: (شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله وأنا ابن خمس عشرة سنة) تقدم (ففرق النبي بينهما حين تلاعنا) فيه دليل على عثمان بن سليمان البتي في قوله: لا يفرق بين المتلاعنين وهما على نكاحهما، واحتج بهذا أبو حنيفة على أن الفرقة لا تقع حتى يحكم بها الحاكم (4)، وليس كذلك؛ لأن هذا إخبار عن وقوع
(1) انظر: "الحاوي الكبير" 11/ 76.
(2)
"شرح التنبيه" لابن الرفعة 14/ 350.
(3)
"الكاشف" 3/ 243.
(4)
"المبسوط" 7/ 46.
الفرقة المتقدمة التي أوجبها اللعان، وإنما أضيفت الفرقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن اللعان كان بحضوره [كقولك أعطى الحاكم فلانًا حقه، وإنما يحكمُ](1) الحاكمُ بثبوت حق فلان على فلان إذا شهد عليه بذلك أو اعترف به بحضرة الحاكم، وإنما ثبت الحق بالشهادة أو الاعتراف، ثم يضاف إثباته إلى الحاكم (وتم) بفتح المثناة أي: انتهى وكمل (حديث مسدد) هنا.
(وقال الآخرون) وهم أحمد وعمرو ووهب، يعني: زيادة على مسدد (إنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين فقال الرجل) يعني: عويمر (كذبت) بفتح الذال وضم تاء المتكلم (عليها يا رسول الله إن أمسكتها) لفظ البخاري: إن حبستها فقد ظلمتها (2)، وقد استدل به أصحاب أبو حنيفة على أن اللعان ليس بطلاق (3). قالوا: أعتقد أنه يملك إمساكها فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، وجاوب عنه بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر فعله واعتقاده وبين له أنه لا يملك ذلك لقوله عليه السلام:"لا سبيل لك عليها" يعني: ليس لك إمساكها ولا سبيل لك عليها فكيف تطلقها؟ ! .
(قال المصنف: لم يتابع) سفيان (بن عيينة) بالنصب مفعول مقدم (أحد) قال البيهقي: يريد بذلك في حديث الزهري عن سهل بن سعد (4) كما تقدم (على أنه فرق بين المتلاعنين) ومع أن ابن عيينة لم
(1) بياض بالنسخة الخطية، والمثبت هو أقرب للسياق والمعنى.
(2)
"صحيح البخاري"(4745).
(3)
انظر: "المبسوط" 7/ 47.
(4)
"السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 48.
ينفرد بهذِه الرواية، وقد تابعه عليها الأوزاعي عن الزبيدي عن الزهري.
[2252]
(ثنا سليمان بن داود) شيخ الشيخين (العتكي) بفتح العين والمثناة، نسبة إلى العتيك بطن من الأزد، وهو عتيك بن النضر بن الأزد (ثنا فليح) بن سليمان، أخرج له الشيخان (عن الزهري، عن سعد في هذا الحديث: وكانت حاملًا) فيه دليل على أن الحامل تلاعن خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يجوز اللعان لنفي الحمل؛ لأن الحمل لا ينتفي فيكون اللعان مع الشبهة، واللعان يوجب القذف فلا يثبت مع الشبهة (1).
قلنا: الحمل مظنون بدلائل وأمارات، والمظنون بدليل كالمعدوم في تعلق الأحكام، ولهذا علق عليه النفقة في العدة وغيرها من الأحكام. (فأنكر حملها) أن يكون منه ولاعنها على ذلك (فكان ابنها) بعد ذلك (يدعى إليها) وينسب إليها كما تقدم (ثم جرت السنة) في المتلاعنين (أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها) في كتابه العزيز:{فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (2) وهذا مذهب مالك (3) والشافعي (4) وزيد وأهل المدينة والجمهور (5).
وقال ابن مسعود: إن كانت الملاعنة وحدها ورثت جميع ما يتركه
(1)"المبسوط" 7/ 48.
(2)
النساء: 11.
(3)
"المدونة" 2/ 595 - 596.
(4)
"الأم" 4/ 110.
(5)
"بداية المجتهد" 4/ 139.
ولدها (1)، فجعلها عصبة.
[2253]
(ثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إنا) أصلها إننا النون الأولى نون إن التي للتأكيد، والثانية نون ضمير الجمع (لليلة) بفتح اللام الأولى التي تأتي في جواب إن، والثانية التي في ليلة ونصب ليلة على الظرف (جمعة) بضم الميم على الأفصح (في المسجد) خبرُ المبتدأ، ولفظ ابن ماجه: كنا في المسجد ليلة جمعة (2). فيه فضيلة الاعتكاف في المسجد في ليلة الجمعة (إذ دخل رجل من الأنصار) حكى النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" في هذا الرجل قولين: أحدهما: أنه سعد بن عبادة. والثاني: أنه عاصم بن عدي (3).
وأنكر شيخنا العلامة سراج الدين البلقيني القول الأول، وقال: لم يصح هذا عن سعد بن عبادة (المسجد فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلم به جلدتموه) يعني: أربعين أو ثمانين جلدة (أو قتل) الرجل أو المرأة (قتلتموه، وإن سكت) على ذلك الأمر (سكت على غيظ) وفي رواية: على أمر عظيم، وقد عده العلماء من (4) الدياثة، وروى النسائي عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يدخلون
(1) أخرجه ابن أبي شيبة 16/ 302 (31814).
(2)
"سنن ابن ماجه"(2068)، ولكن فيه: ليلة الجمعة.
(3)
"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 305.
(4)
سقط من النسخة الخطية. والمثبت أليق بالسياق.
الجنة: العاق والديوث ورجلة النساء". والديوث بالثاء المثلثة هو الذي يرى في أهله الفاحشة ويقرهم عليها، بين الطبراني في روايته: قالوا: يا رسول الله، ما الديوث؟ قال: "الذي لا يبالي مَن [دخل على](1) أهله؟ " قالوا: فما الرجلة من النساء؟ قال: "التي تَشَبَّهُ بالرجال" (2). فإن استحسن الرجل على غير أهله فهو القواد، والقوادة من الكبائر أيضًا.
(والله لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيه إخبار (3) ما ابتلي به لغير الحاكم، ولا يكون هذا من الغيبة (فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله) عن ذلك.
(فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) يعني: أجنبيًّا (فتكلم به) يعني: إن تكلم به (جلدتموه أو قتل قتلتموه) قال بعض العلماء: في تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على هذا الرجل في قوله: أو قتل قتلتموه. دليل على وجوب قتل من قتل رجلًا وادعى أنه وجده مع امرأته؛ لأن إقراره عليه السلام على القول أو الفعل كحكمه به، ويؤيد ذلك ما في "الموطأ" عن سعد بن عبادة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة؟ قال: "نعم"(4). (أو سكت سكت على غيظ) عظيم.
(1) سقط من النسخة الخطية. والمثبت من "المصادر".
(2)
رواه النسائي في الكبرى 3/ 63، وأحمد 10/ 321، والحاكم في "المستدرك" 1/ 72، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الألباني في "الصحيحة"(1397): وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات من رجال "التهذيب".
(3)
بياض بالنسخة الخطية، والمثبت مقتضى السياق.
(4)
"موطأ مالك" 2/ 566.
(فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم افتح) أي: احكم، والفتاح الحاكم، ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} (1). وفي حديث ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} (2) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أُفَاتِحُكَ، أي: أحاكِمك (3)(وجعل يدعو) الله، وفيه أن المجتهد والمفتي والحاكم إذا سئل عن حكم لم يدر جوابه أن يراجع ويسأل عنه أهل العلم، فإن لم يتبين له فليبتهل إلى الله بالدعاء أن يبين له حكمه ويقول في دعائه: رب افتح وأنت خير الفاتحين.
(فنزلت آية اللعان) سميت آية اللعان لذكر اللعنة في الكلمة الخامسة، وإنما سميت آية اللعنة ولم يقل آية الغضب وإن كانا موجودين في الآية لكون اللعنة متقدمة فيها، وفي الواقع من صورة اللعان {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}) أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا ({وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ}) أي: شهود يشهدون بالزنا عليهن ({إِلَّا أَنْفُسُهُمْ})(4)(الآية) يعني: الآيات كما في مسلم.
(فابتلي به ذلك الرجل) الذي سأل عنه من دون غيره (من بين الناس) لأنه كان السبب لذلك، فمن سأل سؤال تعنت من غير حاجة إليه كما في شأن بقرة بني إسرائيل، فإن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، فلو أخذوا أي
(1) سبأ: 26.
(2)
الأعراف: 89.
(3)
أخرجه الطبري في "تفسيره" 12/ 564. من طريق قتادة، عن ابن عباس.
(4)
النور: 6.
بقرة كانت فذبحوها أجزأتهم، فما زالوا يسألون ويغلظون حتى غلظ عليهم، فلذلك جاء فيهم: شددوا فشدد عليهم (1).
(فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا) ثم بين كيف تلاعنهما (فشهد الرجل أربع شهادات) قال القفال في "محاسن الشريعة": كررت الأربع لتأكيد الأمر، ولأنها أقيمت مقام أربع شهود من غيره ليقام عليها الحد، وهي في الحقيقة أيمان، لكن لما أقيمت مقام الشهود الأربعة سميت شهادات (بالله إنه لمن الصادقين) فيه حذف تقديره: فيما رميت زوجتي به هذِه إن كان أو من إصابة غيري لها على فراشي (ولعن) بفتح اللام والعين أي: لعنة الله في الكلمة (الخامسة عليه إن كان من الكاذبين) فيما رماها به من الزنا، وإن كان له ولد ينفيه بقوله مع ذلك في الكلمات فيقول: وإن الولد الذي ولدته أو هذا الولد إن كان حاضرًا من الزنا، وليس مني.
(قال: فذهبت) المرأة (لتلتعن) بعده (فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: مه) وهي كلمة زجر، قيل: أصلها: ما هذا. ثم حذفت ألف ما وما بعد الهاء وسكنت الهاء، وتستعمل هذِه الكلمة مفردة ومكررة، ومثله: به، بالباء الموحدة فيها بدل الميم.
قال الجوهري: مه كلمة بنيت على السكون، وهو اسم سمي به الفعل ومعناه: اكفف؛ لأنه زجر، فإن وصلت نونت - يعني: مع كسر
(1) قول مأثور عن بعض التابعين كأبي قلابة الجرمي كما عند عبد الرزاق في "التفسير" 1/ 192، وعبيدة السلماني كما عند البيهقي في "الكبرى" 6/ 220.
الهاء - فقلت: مَهٍ مَهْ (1).
(فأبت) أي: امتنعت أن تترك الملاعنة لما يلحقها من العار وغيره عند سكوتها (ففعلت) لفظ مسلم: فلعنت (2)، وهو أصرح من فعلت (فلما أدبرا قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعلها أن تجيء به) أي: بالولد (أسود جعدًا) بفتح الجيم وسكون العين، قال في "النهاية": الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًّا، فالمدح معناه أنه شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشعر وهو ضد السبط؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم، وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق، وقد يطلق على البخيل أيضًا فيقال: هو جعد اليدين ويجمع على جعاد، ومنه الحديث أنه سأل أبا رهم الغفاري:"ما فعل النفر السود الجعاد"(3) انتهى، وظاهر هذا يدل على أن المراد هنا صفة الذم؛ لأن أسود اللون صفة ذم، وكذا صفة الجعودة، وكذا الشعر القطط صفة ذم، ويدل عليه الرواية المتقدمة: فجاءت به على النعت المكروه (فجاءت به أسود) اللون (جعدًا) أي: جعد الشعر.
[2254]
(ثنا محمد بن بشار، حدثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي عدي) البصري (أنبأنا هشام بن حسان) الأزدي مولاهم الحافظ.
(قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن هلال بن
(1)"الصحاح"(مهه).
(2)
"صحيح مسلم"(1495).
(3)
"النهاية في غريب الحديث" 1/ 275، والحديث رواه أحمد 4/ 349، والبخاري في "الأدب المفرد"(754)، وابن حبان (7257).
أمية) بن عامر الأنصاري الواقفي من بني واقف البدري، كما صح في البخاري مرارًا وكان معه راية قومه يوم الفتح، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك الذي نزل فيهم {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. . .} (1) الآية، وتخلف معه كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع (قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال أبو الفضل (2) بن طاهر: اسم امرأة هلال المقذوفة خولة بنت عاصم لها ذكر وليست لها رواية (3)(بشريك بن سحماء) مؤنث الأسحم بالمهملتين وسحماء أمه، سميت بذلك لسوادها، وأما أبوه فهو عبدة بسكون الموحدة بن معتب، وعبدة صحابي أيضًا، قيل: إن عبدة وابنه شريكًا شهدا أحدًا.
(فقال) له (النبي صلى الله عليه وسلم: البينة) بالنصب على إضمار فعل، أي: أحضر البينة (أو حدٌّ) بالنصب أيضًا، ويروى بالرفع فيهما مبتدأ وخبر محذوف، أي: عليك الحد (في ظهرك) الرواية هنا بالرفع فيهما، وفي البخاري روايتان كما تقدم.
قال السفاقسي: فيه دليل على أن من قذف امرأته يحد لها حتى يلاعن، وهو مذهب مالك (4) والشافعي (5)، وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه حد وإن لم يلاعن، بل يحبس حتى يلاعن (6)، واحتج بحديث
(1) التوبة: 118.
(2)
في النسخة الخطية: عبد الله. وهو خطأ.
(3)
"إيضاح الإشكال" لابن طاهر (202).
(4)
"المدونة" 2/ 355، 359.
(5)
"الأم" 5/ 422.
(6)
"المبسوط" 7/ 42 - 43.
العجلاني المتقدم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بين شيئًا لم يلزمه تكراره، وقد سنه النبي صلى الله عليه وسلم في قصة هلال هذِه وهي كانت قبل قصة عويمر العجلاني، وقد صرح في حديث هلال هذا في رواية مسلم: وكان أول رجل لاعَنَ (1) في الإسلام (2)(فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته) زاد البخاري: ينطلق (3)(يلتمس) وفيه حذف همزة الاستفهام، تقديره: أينطلق يطلب (البينة) فيه استبعاد ذلك من جهة العادة؛ فإن جبلة الآدمي ونخوته تأبى ذلك ويشق ذلك على كل من له غَيرة على أهله، وقد تقدم أن السكوت على ذلك من الكبائر العظام.
فيه أن من عزم على فعل شيء يتعلق بآدمي ويخشى من جحده أن يحضر بينة تشهد بذلك لتقبل دعواه عليه، والبينة مشتقة من البيان والإيضاح سميت بذلك لأنها تبين الحق وتوضحه (فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة) بالنصب مفعول فعل محذوف، تقديره: أحضر البينة (وإلا) أي: وإن لم تحضر البينة (فحد) بالرفع فقط، وارتفاعه على أنه فاعل فعل محذوف، أي: وإلا يجب حدٌّ، وعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وإلا فالواجب حدٌّ، وعلى أنه مبتدأ حذف خبره، تقديره: إلا فحدٌّ يجب عليك، وهذِه الأوجه في قوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ} (4)(في ظهرك) فيه شاهد على استعمال في بمعنى
(1) في النسخة الخطية: طالع. وهو خطأ، والمثبت من "صحيح مسلم"، وغيره.
(2)
"صحيح مسلم"(1496)(11).
(3)
"صحيح البخاري"(2671).
(4)
البقرة: 282.
على كقوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (1) أي: عليها، وفيه دلالة على ما ذهب إليه مالك أن الحدود تضرب على الظهر وما يقاربه (2)، وقال الشافعي وأحمد: يضرب على جميع أعضائه إلا المقاتل والوجه؛ لقول علي رضي الله عنه: لكل موضع من الجسد حظ يعني: في الحد إلا الوجه والفرج (3). وأما قول علي؛ فلأن ما عدا الوجه والرأس والفرج ليس بمقتل فهو في معنى الظهر.
(فقال هلال) بن أمية (والذي بعثك بالحق إني لصادق) فيما ذكرته (و) والله (لينزلن) بضم الياء وتشديد نون التوكيد (الله في أمري) اليمين شاملة لصدقه وإنزال الله تعالى في أمره.
وفيه دليل على جواز الحلف على ما يغلب عليه ظن الآدمي في المستقبل كقوله صلى الله عليه وسلم: "والله لأغزون قريشًا"(4). وقول عمر عن ابن صياد: والله إنه هو الدجال (ما يبرئ) بضم الياء وفتح الموحدة وتشديد الراء وهمزة (ظهري من الحد) وقد أنزل الله ما أبرأ ظهره وأبر قسمه كما في الحديث: من أن في عباد الله من لو أقسم على الله لأبره (5).
وفيه: أن الآية نزلت بسببه، وتقدم أنها نزلت في عويمر فلهذا قال
(1) طه: 71.
(2)
"المدونة" 4/ 503.
(3)
انظر: "الحاوي الكبير" 13/ 437، و"المغني" لابن قدامة 12/ 507 - 508.
(4)
سيأتي تخريجه برقم (3285).
(5)
ولفظه: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" رواه البخاري (2703)، ومسلم (1675) وسيأتي عند المصنف برقم (4595).
بعضهم: هما قضيتان، ويحتمل أنهما كانا متقاربين في (1) الوقت، فنزل القرآن، وفي كل من كان في معناهما.
(فنزلت) هذِه الآيات: ({وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}) جمع زوج للمرأة وهي اللغة الفصحى، وفي لغة: زوجة جمعها زوجات {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} ) بالرفع نعت لشهداء، أو بدل منه.
قال أبو البقاء: لو قُرِئ بالنصب لجاز على أن يكون خبر كان، أو على الاستثناء، وإنما كان بالرفع أقوى لأن (إلا) هنا صفة بمعنى غير كما في قوله تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} (2)(قرأ) لفظ البخاري: فقرأ (3) بزيادة الفاء (حتى بلغ {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ})(4) فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم (فأرسل إليهما فجاءا) كذا للترمذي (5) وابن ماجه (6)، ولفظ البخاري (7): فأرسل إليها (فقام هلال بن أمية فشهد قائمًا) فيه دليل على أن اللعان يكون قائمًا، فتلك السنة؛ لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر (والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله يعلم) لفظ البخاري: "إن الله يعلم"(8)(أن أحدكما كاذب) قال ابن دقيق العيد وغيره: فيه رد
(1) سقطت من النسخة الخطية.
(2)
الأنبياء: 22. وانظر: "التبيان في إعراب القرآن" 2/ 965.
(3)
"صحيح البخاري"(4747).
(4)
النور: 9.
(5)
"سنن الترمذي"(3179).
(6)
"سنن ابن ماجه"(2067).
(7)
"صحيح البخاري"(5307).
(8)
نفس المصدر السابق.
على من ذهب من النحاة لأن (أحدًا) لا يستعمل إلا في النفي. قال: وكذلك قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} (1)، وتعقبه الفاكهي بأن هذا عجيب من ابن دقيق العيد مع براعته وحذقه فإن الذي قاله النحاة أن أحدًا التي للعموم لا تستعمل إلا في النفي بهذا القيد الذي لا بد منه نحو: ما في الدار أحد، أما إذا كانت أحد بمعنى واحد فلا خلاف بينهم في جواز استعماله في الإيجاب لقوله تعالى:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} (2)، {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} وكما في الحديث، ألا ترى أن المعنى: الله يعلم أن واحدًا منكما كاذب، وقد جمع الشاعر بين أحد التي للعموم والأخرى بقوله:
لقد ظَهرتَ فما تخفى على أحدٍ
…
إلا على أحدٍ لا يعرفُ القَمرا
فاستعمل أحدًا التي للعموم، والثانية التي بمعنى واحد.
قال ابن الأثير في "شرح المسند": وهو في هذا اللفظ من الأدب الحسن ما لا يخفى على السامعين، وذلك أنه لم يواجه أحدًا منهما بالكذب ولا خصه به، ولعل الله لم يكن أعلمه الكاذب منهما (3).
(فهل منكما من تائب) في قوله تائب تغليب المذكر على المؤنث كما في قوله: أحدكما، وإنما عرض لهما بالتوبة بلفظ الاستفهام لإيهام الكاذب منهما، ولذلك لم يقل لأحدهما بعينه: تب، ولا لأحدهما:
(1) النور: 6.
(2)
الإخلاص: 1.
(3)
"شرح مسند الشافعي" لابن الأثير 5/ 39.
توبا، وفيه دليل على عرض التوبة على المذنبين، وقد يؤخذ منه أن الزوج لو رجع فأكذب نفسه كان توبة، ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم دعاهما (1) إلى التوبة فيما بينهما وبين الله تعالى، وفيه جواز التسجيع في الكلام إذا لم يتكلف له.
(ثم قامت) فيه أن المرأة تقوم للعان كما يقوم الرجل وإن كان أمرهما مبني على الستر، والمشهور أن قيامها مستحب، وفي "الكفاية" عن "التتمة": لو لاعن قاعدًا لم يعتد به إلا أن يكون عاجزًا (فشهدت) أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (فلما كان) كذا للترمذي (2) وابن ماجه (3)، فلما كانت (عند) الكلمة (الخامسة) وهي (أن) فيه قراءتان في السبع، إحداهما تخفيف النون الساكنة على أنها المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولذا كسرت الضاد (غضب) وجعل ماضيًا لزم رفع (الله) ومن شد النون من أنَّ فتح الضاد فصار مصدرًا مضافًا إلى الفاعل فلزم جر لفظ الجلالة، وإنما خص الغضب بالمرأة لأن جريمة الزنا من المرأة أقبح في جناية القذف منه، ولذلك تفاوت الحدان ولا شك أن غضب الله أغلظ من لعنته فخصت المرأة بالتزام أغلظ العقوبتين؛ لأنها هي السبب (عليها إن كان من الصادقين) فيما رماها به، زاد البخاري: وَقَّفُوها (4)(وقالوا لها: إنها موجبة) أي: للعذاب الأليم إن كانت كاذبة في يمينها (قال ابن عباس: فتلكأت) بفتح المثناة فوق واللام والكاف المشددة والهمزة، يقال: لَكِئ بالمكان بكسر
(1) سقط من النسخة الخطية وإثباتها ليتم المعنى.
(2)
و (3) و (4) سبق تخريجه.
الكاف إذا أقام، أي: تباطأت وتوقفت في تمام اللعان أن تقوله، ومنه حديث زياد: فأتي برجل فتلكأ في الشهادة (ونكصت) أي: رجعت، وللترمذي: نكست (1). بالسين، وفيه إن توقف ونكس عند الإقرار بشيء لا يقبل منه شيء ولا يؤاخذ به حتى (2) يفصِحَ عن المقصود عنه حتى ظننا أنها سترجع عن لعانه.
(فقالت) وللبخاري: ثم قالت (3): والله (لا أفضحُ [قومي]) بفتح الهمزة والضاد المعجمة، أي: لا أدخل عليهم الفضيحة، والمراد: بل أسترهم، وفي الدعاء: لا تفضحنا، أي: استر عيوبنا ولا تكشفها بين خلقك (سائر اليوم) أي: في باقي هذا اليوم (فمضت) في لعانه. وفيه إشارة إلى صدق زوجها.
(فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها) بقطع الهمزة المفتوحة وكسر الصاد من أبصر يبصر، يقال: أبصرت الشيء إذا رأيته، وبصرت به إذا صرت به بصيرًا، فهذا من الرؤيا والنظر بما تقدم في حديث عويمر (فإن جاءت به أكحل العينين) الكحل بفتحتين، وهو أن يعلو الجفون سواد كالكحل من غير اكتحال، ومنه: ليسَ التكحل في العينين كالكَحَلِ، وفي حديث:"أهل الجنة جرد مرد كحلى"(4) جمع كحيل مثل قتلى وقتيل (سابغ الأليتين) أي: تامهما وعظيمهما، وفي "مسند الشافعي" (في
(1)"سنن الترمذي"(3179).
(2)
في النسخة الخطية: على و. والمثبت هو اللائق بالسياق.
(3)
"صحيح البخاري"(4747).
(4)
أخرجه الترمذي (2539) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
صورة) (1) شريك بن سحماء: وهو رجل عظيم الأليتين أدعج العينين (2)(خدلج) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللام المشددة ثم جيم (الساقين) أي: عظيمهما وممتلئهما، وساق خدلجة، أي: مملوءة (فهو لشريك بن سحماء) فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الشبه في الولد، ولكن لم يحكم به لأجل ما هو أقوى من الشبه، وهو أن الولد للفراش، وكذلك في وليدة زمعة لما رأى الشبه بعتبة قال:"احتجبي منه يا سودة"(3)، وقضى بالولد للفراش؛ لأن الفراش أقوى منه، وحَكَم بالشبه في حكم القافة إذا لم يكن هناك أقوى من الشبه (فجاءت به كذلك) أي: أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله) أي: من حكم الله من أنه لا يحكم على أحد إلا بإقرار أو بينة (لكان لي ولها) ولم يصرح بالمرأة ولا شريك (شأن) يريد به الرجم، أي: لولا أن الشرع أسقط الرجم عنها لحكمت بمقتضى المشابهة لرجمتها.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: ذكر الشافعي في كتاب "إبطال الاستحسان" فصلًا في أحكام الدنيا إنما هي على ما أظهر الله تعالى للعباد، وأن اللهَ مُدِينٌ بالسرائر، واحتج بأمر المنافقين، وبحديث:"إنكم تختصمون إليَّ"(4) ثم ذكر حديث العجلاني بلا إسناد، وقال
(1) في "المسند" رأيت.
(2)
"مسند الشافعي" ص 264.
(3)
أخرجه البخاري (2218)، وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
"معرفة السنن والآثار" 11/ 158.
في آخره: لا يحكم على أحد إلا بإقراره.
(قال المصنف: وهذا) الحديث (مما تفرد به أهل المدينة) النبوية يعني: برواية محمد (بن بشار حديث هلال) بن أمية المذكور.
[2255]
(ثنا مخلد بن خالد الشعيري) بفتح الشين، نسبة إلى بيع الشعير أو إلى محلة معروفة بالكرج، ومخلد عسقلاني نزل طرسوس وهو شيخ مسلم.
(ثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم بن كليب) أخرج له مسلم (عن أبيه) كليب بن شهاب الفرمي، ذكره ابن حبان في "الثقات"(1).
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا) فيه أن من شرط اللعان أمر القاضي؛ لأنه يمين فلا يعتد به إلا بإذن الحاكم كما في سائر الخصومات، وفي معنى القاضي المحكم إذا (. .) أن التحكيم في اللعان، وكذا السيد إذا لاعن بين عبده وأمته فلا يعتد باليمين إلا بإذن السيد، والمراد بالأمر تلقين المتلاعنين (أن يضع) الرجل (يده على فيه) أي: على فم الملاعن، وذكر الإمام أن الرجل يأتي الملاعِنَ من ورائه، ويضع يده على فيه لعله أن ينزجر ويمتنع، وتضع المرأة يدها على فم المرأة إذا انتهت إلى كلمة الغضب (2)، قال: ولم أره في المرأة في حديث (عند) الشهادة (الخامسة)[. . .](3)(يقول: إنها موجبة) عليك العذاب، كما
(1)"الثقات" لابن حبان 5/ 337.
(2)
"نهاية المطلب" 15/ 57.
(3)
بياض بالنسخة الخطية.
سيأتي في الحديث بعده.
قال الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه": ويستحب أن يقول الحاكم: إنها موجبة للعذاب وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة (1).
[2256]
(ثنا الحسن بن علي) الهذلي الحلواني الخلال، نزيل مكة شيخ الشيخين. (ثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي (أنا عباد بن منصور) النَّاجي، أبو سلمة البصري، ولي قضاء البصرة أيام خرج إبراهيم بن عبيد، وقال المصنف: ولي البصرة خمس مرات، قال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان: قال جدي: عباد بن منصور ثقة لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه، يعني: القدر (2)(عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية) الواقفي تقدم، قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح أن القاذف لزوجته عويمر وهلال بن أمية خطأ (وهو أحد الثلاثة الذين) خلفوا عن غزوة تبوك (تاب الله عليهم) يعني: في قوله تعالى في آخر سورة براءة: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} (3)(فجاء من أرضه) أي: من أرض زرعه (عشيًّا فوجد عند أهله رجلًا) شريك بن سحماء كما تقدم (فرأى) وفي "مسند الشافعي" عن ابن عباس: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله والله ما لي عهد بأهلي منذ عفار النخل. قال:
(1)"التنبيه" ص 190.
(2)
"تهذيب الكمال" 14/ 158.
(3)
التوبة: 118.
وعفارها إذا كانت تؤبر تغيب (1) أربعين يومًا لا تسقى بعد العفار (2) قال: فوجدت مع أهلي أي: رجلًا خدلًا إلى السواد (3).
قال ابن الأثير: عقار النخل (4) بفتح العين المهملة وتخفيف القاف تلقيح النخل وإصلاحها، وقوله: ما لي عهد بأهلي، يريد أنه لم يطأ منذ كذا وكذا، يعني: ولم يرد أنه حضر عندها، وهذِه الرواية تدل على أن المراد بالأرض الأرض التي فيها النخل، وأنه وجده ورآه خدلًا إلى السواد، والخدل السمين الساقين (بعينيه) بشد ياء التثنية (وسمع بأذنيه) الإنسان لا ينظر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه، وهذا من المعلوم لكل أحد، وذكر العينين والأذنين توكيدًا لما رأى وسمع لئلا يتطرق إليه المجاز، ومنه قول الشاعر:
نظرت فلم تنظر بعينيك منظرًا
ومنه قوله تعالى: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (5)(فلم يهجه) بفتح الياء المثناة تحت وكسر الهاء وسكون الجيم، أي: فلم يزعجه ولم ينفره، وقيل: إنه لم يتحرك، يقال: هاج الشيء إذا تحرك، وهاجه غيره، يتعدى ولا يتعدى، قاله المنذري (حتى أصبح ثم غدا على رسول الله
(1) في "المسند": تعفر.
(2)
في "المسند": الإبار.
(3)
"مسند الشافعي" ص 269 - 270.
(4)
قال ابن الأثير: عفار النخل. . . ويروى بالقاف وهذا خطأ، والتعفير: أنهم كانوا إذا أبروا النخل تركوها أربعين يومًا لا تسقى. . . انظر: "النهاية في غريب الحديث"(عفر).
(5)
الأنعام: 38.
- صلى الله عليه وسلم) هذِه الرواية الصحيحة، وروي: غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقال: يا رسول الله، إني جئت إلى أهلي) يعني: امرأتي (عشاء) منصوب على الظرف، أي: وقت العشاء وهو في موضع الحال من الضمير في جئت (فوجدت عندهم) جمع الضمير باعتبار الأهل (رجلًا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به) يعني: الخبر الذي جاءه به (واشتد عليه) أمر ذلك؛ فإن هذا مما يستقبح ذكره وسماعه، (فنزلت) هذِه الآيات:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} ) تقدم ({فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ})(1) هو من إضافة المصدر إلى الفاعل.
وفي رفع شهادة وجهان: أحدهما: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم.
والثاني: هو مبتدأ والخبر محذوف، أي: فعليهم شهادة أحدهم.
(الآيتين) لعله منصوب بأعني محذوفة (كلتيهما) بسكون ياء التثنية (فسري) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة وفتح الياء آخره (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: كشف وزال عنه ما كان يجده، من قولهم: سريت الثوب وسروته إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة.
(فقال: أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين (يا هلال) فيه استحباب بشارة الآدمي بما يسره، وقد تكرر في الكتاب والسنة (قد جعل لك) من الضيق والمشقة الحاصلين لك (فرجًا) من همك (ومخرجًا) من ضيقك.
(قال هلال) بن أمية: (قد كنت أرجو ذلك) لما كان الفرج والمخرج
(1) النور: 6.
متقاربي المعنى أعيدت الإشارة إليهما بالإفراد (من ربي) خص ذكر الرب وإن كان اسم الذات وهو الله جامعًا لكل الأوصاف؛ لأن فيه معنى التربية له وإصلاح أموره وإسباغ نعمه.
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا) بفتح الهمزة وكسر السين (إليها) وتقدم في الحديث المتقدم أنه قال لزوجها: اذهب فأت بها فجعل زَوجَها الرسول (فجاءت فتلا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهما) بالوعظ والتخويف كأن يقول للرجل: أيما رجل جحد ولده احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين، ويقول لها قوله عليه السلام:"أيما امرأة أدخلت على قومٍ ما ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة"(1)(وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا) فاتق الله فإني أخشى إن لم تكن صادقًا أن تبوء بلعنة الله ويقرأ عليه: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} (2).
(فقال هلال: والله لقد صدقت عليها) فيما رميتها به (فقالت) له (كذبت) ولم تقسم كما أقسم (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعنوا بينهما) فيه أنه يجوز أن يلاعن بينهما من آذنه القاضي فإنه بإذنه قائم مقامه كما يقوم مقامه في التحليف بين الخصمين وغير ذلك، أي: وتقدم أنَّ (3) في معنى القاضي المحكم (فقيل) أي: فقال من أذن له النبي صلى الله عليه وسلم (لهلال: اشهد) فيه أن القاضي أو من ينوب عنه يلقن الملاعن فيقول
(1)"مسند الشافعي" 2/ 49.
(2)
آل عمران: 77.
(3)
في النسخة الخطية: أي. والمثبت هو اللائق بالسياق.
للملاعن: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به هذِه من الزنا أربع مرات إلى آخره، ويقول لها في كل مرة: قولي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا إلى آخره، ويكفي في التلقين أن يقتصر الأمر بأوله كما في الحديث (فشهد) اختلف فيه: هل هو يمين أو شهادة؟
فذهب أبو حنيفة وصاحباه (1) إلى حمله على حقيقته وهو أنه شهادة، فلا يصح عندهم إلا من مسلمين حرين عفيفين لا من كافر ومملوك ومحدود في قذف (2)، وذهب الشافعي إلى الأول، وهو الأصح عند أصحابه (3)، وبه قال مالك (4) والليث وأحمد؛ لقوله في آخر الحديث:"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"(5) كما سيأتي. (أربع) منصوب على أنه تابع لمصدر محذوف أي: شهادات أربع (شهادات بالله إنه لمن الصادقين) فيما رميتها به.
(فلما كانت) الشهادة (الخامسة قيل) أي: قال له من استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الملاعنة: (يا هلال اتق الله) فيما تقول (فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) كما قال تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ} (6) أي: أشد من عذاب الناس (وإن هذِه) الكلمة الخامسة هي (الموجبة التي توجب عليك العذاب) الأليم في الآخرة، فإني أخشى إن لم تكن صادقًا أن تبوء بلعنة
(1) في النسخة الخطية: وشاهداه. وهو خطأ والمثبت هو الصواب.
(2)
انظر: "المبسوط" 7/ 43 - 44.
(3)
"الأم" 5/ 195.
(4)
انظر: "بداية المجتهد" 3/ 137.
(5)
"المغني" لابن قدامة 11/ 123.
(6)
الرعد: 34.
الله (فقال: والله لا يعذبني الله) تعالى (عليها) أي: على هذِه الشهادة (كما لم يجلدني) بالمثناة تحت أوله (عليها) رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا قدره الثعلبي (فشهد) الشهادة (الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) فيما رمى به زوجته، ويسميها إن كانت غائبة عن البلد أو عن المجلس لحيض أو كبر ولم يرض الزوج بلعانها في المسجد أو كان ذلك في المسجد الحرام.
(ثم قيل لها: اشهدي) يقال لها ذلك في كل مرة كما تقدم، (فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين) فيما رماها به (فلما كانت الخامسة) وقفها (قيل لها: اتقي الله) بإثبات ياء التأنيث بعد القاف، وخافي من عذاب الآخرة (فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) فإن رآها الحاكم مستمرة على الحلف أتت امرأة من ورائها وقبضت على فيها، وهذا القبض سنة أيضًا (وإن هذِه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت) أي: تباطأت وتوقفت أن تأتي بتمام اللعان كما تقدم (ساعة) حتى همت أن ترجع وتعترف (ثم قالت: والله لا أفضح) بفتح الضاد (قومي) سائر اليوم كما تقدم (فشهدت الشهادة الخامسة أَنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين) كما تقدم (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما) تعلق به من يرى أن الفرقة لا تحصل إلا بقضاء القاضي كأبي حنيفة (1)، وحمله الجمهور على أن المراد به أفتى بالتفريق بينهما وأخبر عن حكم الله تعالى بذلك.
(1)"المبسوط" 7/ 46.
واعلم أن قولهم: فرَّق - بتشديد الراء - في الأجسام وبتخفيفها في المعاني، فإن المراد به في الأغلب وإلا فقد قال الله تعالى:{فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} (1) أي: فلقنا لكم البحر حتى صار {كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} (2) فالباء في الآية بمعنى اللام.
(وقضى) النبي صلى الله عليه وسلم أي: حكم بينهما (أن لا يدعى) أي: لا ينتسب (ولدها) الذي ولد على فراشها (لأب) بل لأم (وألا ترمى) المرأة بعد ذلك بالزنا لسقوطه عنها باللعان (و) أن (لا يرمى ولدها) أيضًا بأنه ولد زنا إذا لم يتبين أمره، ولهذا قال عليه السلام:"أحدكما كاذب"(3). ولم يبين الصادق من الكاذب إذ لم يطلعه الله عليها (ومن رماها أو رمى ولدها) بالزنا (فعليه الحد) أي: حد القذف.
وقد استدل به على أن من قذف الملاعنة يجب عليه الحد، وبه قال مالك (4) والشافعي (5) وأحمد (6) وجمهور العلماء بلا خلاف؛ لأن حصانتها الثابتة بالشرع لم تسقط باللعان، ولا يثبت الزنا به، ولذلك لم يلزمها بعد اللعان حد، وكذا من قذف ابن الملاعنة وقال: هو ولد زنا وجب عليه الحد لهذا الحديث، وكذلك إن قال له: أنت من الذي رميت يجب عليه الحد، فأما إن قال له: لست ابن فلان الملاعن
(1) البقرة: 50.
(2)
الشعراء: 63.
(3)
سبق برقم (2254).
(4)
"المدونة" 4/ 502.
(5)
"الأم" 6/ 744.
(6)
انظر: "مختصر الخرقي" 1/ 134.
وأراد أنه منفي عنه شرعًا فلا حد عليه؛ لأنه صادق.
(وقضى) أي: حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه) أي: بأنه (لا) يجب (بيت لها عليه) تسكن فيه، ولا يجب لها عليه قوت ولا شيء مما يتبعه من النفقات المذكورة للزوجات، ثم بين العلة في أن الملاعنة لا سكنى لها ولا نفقة فقال (من أجل) أي: لأجل (أنهما يتفرقان) بفتح التاء والفاء والراء، وفي بعض النسخ: يفترقان بسكون الفاء وفتح التاء بعدها (من غير طلاق) بل بفسخ، وبهذا قال مالك (1) والشافعي (2) وأحمد (3): أن اللعان فسخ، وقال أبو حنيفة: هو طلاق بائن، قال: لأنها فرقة من جهة الزوج تختص بالنكاح فكانت طلاقًا كالفرقة كقوله: أنت طالق، فيكون لها السكنى والنفقة في العدة إلى انقضائها (4)، وحجتنا عليه الحديث في قوله: يفترقان من غير طلاق، فنفى الطلاق عن الملاعنة (ولا) هي (متوفى عنها) فقد دل الحديث على أن الملاعنة ليس على زوجها نفقة ولا كسوة، وأن من رمى الملاعنة أو ولدها فعليه الحد، وأن التحلية بالنعوت المعيبة إذا أريد بها التعريف لم يكن غيبة يأثم قائلها.
(وقال) النبي صلى الله عليه وسلم: "تحينوا به الولادة" كذا زاده الثعلبي (5)(إن جاءت به أصيهب) بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة تصغير أصهب، قال في
(1)"بداية المجتهد" 3/ 139.
(2)
"الحاوي الكبير" 11/ 54.
(3)
"المغني" لابن قدامة 11/ 147.
(4)
"المبسوط" 7/ 47.
(5)
"الكشف والبيان" 7/ 71 وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 421: غريب بهذا السياق. وفيه تخليط.
"النهاية" في رواية: "إن جاءت به أصهب" يعني: دون تصغير، والأصهب الذي يعلو لونه صهبة وهي كالشقرة، قاله الخطابي (1)، ثم قال: والمعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد.
قال: وفي الحديث: كان يرمي الجمار (2) على ناقة له صهباء (3)(أريصح) بضم الهمزة وكسر الصاد بعدها حاء مهملتين تصغير أرصح، وهو الخفيف عجز الأليتين، أبدلت السين منه صادًا.
قال في "النهاية": المعروف في اللغة أن الأرصح والأرسح هو الخفيف لحم الأليتين (4)، وقال في الأرسح: هو الذي لا عجز له، أو هي لاصقة بظهره (5).
قال: وقال الهروي: الأرصح الناتئ الأليتين (6)(أثيبج) بفتح المثلثة والباء الموحدة بعدها جيم تصغير الأثبج وهو الناتئ الثبج ما بين الكاهل ووسط الظهر، وثبج كل شيء وسطه، ومنه حديث:"يركبون ثبج هذا البحر"(7)، أي: وسطه، وأصل الكاهل من كاهل الجمل وهو مقدم ظهره الذي يكون عليه الحمل، وكاهل الرجل مقدم أعلى الظهر. واعلم أنه قد جاءت هذِه الصفات الثلاث غير منصرفة، وهي عند النحاة
(1)"معالم السنن" 3/ 232.
(2)
"النهاية في غريب الحديث"(صهب)، والحديث رواه النسائي 5/ 270، وابن ماجه (3035)، وأحمد 3/ 413 من حديث قدامة بن عبد الله بن عمار.
(3)
في النسخة الخطية: الجار. وهو خطأ. والمثبت من المصادر.
(4)
"النهاية في غريب الحديث"(رصح).
(5)
"النهاية في غريب الحديث"(رسح).
(6)
"الغريبين" للهروي: رصح.
(7)
رواه البخاري في "صحيحه"(2788) من حديث أنس.
منصرفة، وأن اللغة المشهورة، أن (1) يقال: أصيهبًا وأريصحًا وأثيبجًا، كما تقدم في أحيمر أن أصله أحيمرًا بالتنوين (2)(حمش) بفتح الحاء المهملة وإسكان الميم ثم شين معجمة، يقال: رجل حمش الساقين وأحمش الساقين أي: دقيقهما (فهو لهلال) بن أمية (وإن جاءت به أورق) هو الأسمر، والورقة السمرة، ومنه حديث ابن الأكوع: خرجت أنا ورجل من قومي وهو على ناقة ورقاء، أي: سمراء (جعدًا) بسكون العين، الشعر الجعد ضد السبط وهو المسترسل (جماليًّا) بضم الجيم وتخفيف الميم وتشديد الياء آخره هو الضخم الأعضاء التام الأوصال العظيمة الخلقة، شبه خلقه بخلق الجمل لعظم بدنه، يقال: ناقة جمالية إذا شبهت بالفحل من الإبل العظيم البدن (خدلج) بفتح الخاء والدال المهملة واللام المشددة العظيم (الساقين) كما تقدم (سابغ) بالباء الموحدة (الأليتين) أي: عظيمهما، من سبوغ الثوب، ومنه قوله تعالى:{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} (3)(فهو للذي رميت) بفتح وسكون تاء التأنيث (به) المرأة.
فيه أن ذكر الإنسان بالنعوت التي هي من عيوب الآدمي إذا أريد به التعريف ليس بغيبة ولا يأثم قائلها؛ لأنها من الستة المستثناة كالأعرج والأعمش والأثبج والأورق ونحو ذلك، فقد فعل العلماء ذلك لضرورة
(1) في الأصل: أي.
(2)
ذكر الشارح قبل ذلك نحو هذا، وجانبه رحمه الله الصواب في ذلك، فالصحيح المشهور، منع ذلك من الصرف، وكونه على حاله قبل أن يصغر كما ذكر ذلك سيبويه وغيره. والمجال هنا لا يتسع للشرح وللاستزادة. انظر "الكتاب" 3/ 193.
(3)
لقمان: 20.
التعريف، نعم لو وجد الإنسان عنه معدلًا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى، كما يقال للأعمى: البصير عدولًا عن اسم النقص.
(فجاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين) سوى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بمقتضى اللعان، وحكم بينهما بالظاهر لا بما علمه من باطن الأمر وقرائن الأحوال الذي قال لأجلها: إن جاءت به كذا وكذا فهو لفلان.
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان) بفتح الهمزة جمع يمين (لكان لي ولها شأن) أي: لرجمتها، كما تقدم.
استدل به الشافعي على أن المراد: يشهد فيما تقدم اليمين دون الشهادة (1) كما تقدم؛ لأنه جاء ها هنا يمينًا، ولأنه أيضًا لا يجوز له أن يشهد لنفسه، ولأنه لو كان شهادة ما تكرر أربعًا، وأما تسميته فيما تقدم شهادة لأن الشهادة يراد بها اليمين، وإنما حمل على اليمين ليعرف معنى الشهادة عند الحكام، وفيه شوب شهادة وشوب يمين.
(قال عكرمة: فكان) الابن الذي لُوعن بسببه (بعد ذلك أميرًا على مضر) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير منصرف، ومضر شعب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينتسب إليه قريش وأسد وجديلة وتميم [وخزاعة، وأسلم، وباهلة وغيرهم](2) وهو شعب عظيم (وما يدعى لأب) وفيه جواز إمارة ولد الزنا وأطلق أصحابنا وغيرهم جواز (3) أن يكون قاضيًا.
(1) انظر: "مختصر المزني" 9/ 223، و"الحاوي الكبير" 11/ 41.
(2)
بياض بالنسخة الخطية، والمثبت من "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم.
(3)
بياض بالنسخة الخطية. والمثبت المناسب للسياق، كما في "الروضة" 11/ 245.
[2257]
(ثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو) ابن دينار (سعيد بن جبير يقول: سمعت) عبد الله (بن عمر) رضي الله عنهما (يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: حسابكما على الله) لا على أحدٍ من الآدميين (أحدكما كاذب) تقدم (لا سبيل) أي: لا طريق (لك) على الاستيلاء لك (عليها) ولا على أن تملك عصمتها بوجهٍ من الوجوه، وحمله جمهور العلماء على العموم فلا تحل بوجه من الوجوه؛ إذ لو كان له عليها سبيل إذا أكذب نفسه لا اشتباه، وجوز بعضهم رجوعه إلى المال؛ لقوله بعده (قال: يا رسول الله مالي) فمالي مرفوع على الابتداء والخبر محذوف، أي: أين مالي، أو أنه منصوب على المفعولية بفعل محذوف: أي أطلب مالي، والمراد بماله المهر الذي أمهرها إياه، وإنما جعله ماله مع أن المرأة ملكته بالعقد والدخول لكن سماه ماله باعتبار ما كان عليه، أو ظن أنه رجع إليه وصار ماله بمجرد اللعان، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله؛ إذ (قال) له (لا مال لك) هذا مما لا خلاف فيه إذا كانت الزوجة مدخولًا بها، وأما غير المدخول بها ففيها أقوال: لها الكل، لها النصف، لا شيء لها (إن كنت صدقت عليها) يقال: صدق عليه فيما ظنه كما في كذب عليه، قال تعالى:{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} (1) على قراءة تخفيف الدال، أي: في ظنه، فاتسع في نسبه أما قولهم: صدق في الحديث أو كذب في حديثه أو صدقه الحديث أو كذبه فواضحان، (فهو بما استحللت) أي بسبب ما حل لك من وطئها، ورواية
(1) سبأ: 20.
البخاري: "إن كنت صادقًا فقد دخلت بها"(1)، وبوب عليه البخاري: باب صداق الملاعنة، أي: الصداق الذي دفعه نظير ما استمتع به (من) وطء (فرجها، وإن كنت كذبت عليها) فيما شهدت به (فذلك) يحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى الكذب (أبعد) بالرفع أي: أشد إبعادًا، وإنما صيغ التفضيل هنا من بعد لأنه لازم للإبعاد؛ لأن التفضيل لا يصاغ من الرباعي إلا سماعًا، قال البرماوي: ويجوز أن يكون أبعد مصوغًا من الرباعي مما جاء قليلًا كقولهم: هو أعطاهم للدراهم، وهذا الكلام أخصر من هذاك، ومنهم من جوز ذلك قياسًا مطلقًا، ويجوز أن يكون التفضيل باعتبار أن اللعان قد يبطل حكمه باعتبار ظهور فساد النكاح، أو وقوع بينونة قبله كما قال أبو حنيفة أنه إذا أكذب نفسه حلت له (2)، بخلاف المال فإنها قد ملكته بالدخول على كل حال فلا يعود إليه أبدًا. (لك) اللام في لك للبيان نحو: هَيْتَ لك، وسقيا لك.
[2258]
(ثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسماعيل) ابن علية (حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر) رضي الله عنهما (رجل) جاز الابتداء بالنكرة لتخصصيه بالصفة المحذوفة، تقديره: رجل مزوج (قذف امرأته) أي: رماها بالفاحشة فكأنه رماها بالحجارة، ويسمى رميًا كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} (3)(قال) لفظ البخاري: فقال (فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان) بفتح العين كما
(1)"صحيح البخاري"(5311).
(2)
"المبسوط" 7/ 47.
(3)
النور: 6.
تقدم وأخوي تثنية أخ، والأصل أخ وأخت. قال الكرماني: هو من باب التغليب كالأخ كما جعلت الأم كالأب في الأبوين، وأما إطلاق الأخوة بين الزوجين فبالنظر إلى أن المؤمنين إخوة أو إلى القرابة التي بينهما بسبب أن الزوجين كليهما من قبيلة عجلان (1).
(وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ ) فيه جواز استعمال السجع في النثر إذا لم يتكلف له، وقد كثر استعماله في الأحاديث (يرددها) أي: يردد هذِه الكلمة (ثلاث مرات فأبيا) أن يرجعا إلى التوبة، وقد بين ذلك البخاري، ولفظه: فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " فأبيا وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " فأبيا وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فأبيا (ففرق بينهما) أي: حكم بأن يفترقا حِسًّا لحصول الافتراق شرعًا بنفس اللعان أو قال ذلك تبيينًا [لما أوجب](2) الله بينهما من المباعدة.
[2259]
(ثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله عنهما (رجلًا) كان من الأنصار، كذا في البخاري (لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها) أن يكون منه (ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما) بعد أن أحلفهما كما تقدم (وألحق الولد بالمرأة) كما تقدم أنه ألحقه بأمه.
(1)"الكواكب الدراري" للكرماني 9/ 252.
(2)
تحرفت في النسخة الخطية إلى: طلاق حب. والمثبت من فتح الباري، وغيره ..