الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عندهم والظاهرية في حالة ما إذا كانت الجناية خطأ.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
1 -
قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: «ودية جنينها عبد أو أمة (1)» وكل جنين ولو أنهم عشرة فهو جنين لها ففي كل جنين غرة عبد أو أمة.
2 -
وما روي عن شهاب أنه قال في امرأة ضربت فأسقطت ثلاثة قال: أرى أن في كل منهم غرة. وروي أن ربيعة قال في امرأة ضربت فألقت جنينين: إنه يدي كل واحد منهما بغرة عبد أو أمة، وكذا روي عن الليث بن سعد الأنصاري أنه قال: في الجنين إذا طرح ميتا غرة عبد أو وليدة فإن كانا اثنين ففيهما غرتان (2)
(1) صحيح البخاري الطب (5758)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1681)، سنن الترمذي الفرائض (2111)، سنن النسائي القسامة (4817)، سنن أبو داود الديات (4579)، سنن ابن ماجه الديات (2639)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 274)، موطأ مالك العقول (1609)، سنن الدارمي الديات (2382).
(2)
مصنف ابن أبي شيبة ج 9/ 250، وأخرج نحوها في السنن الكبرى للبيهقي ج8/ 116. .
المبحث الثالث: على من تجب الغرة:
اختلف الفقهاء فيمن تجب عليه الغرة على النحو التالي:
المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية في الأصح، وأشهب من المالكية (1) إلى أن الغرة تجب
(1) المنتقى للباجي 7/ 82، بداية المجتهد 2/ 251.
على عاقلة الجاني سواء أكانت الجناية عمدا أم خطأ، وسواء مات الجنين مع أمه أو مات منفصلا عنها وذلك لما يأتي:
1 -
ما رواه مسلم بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى عليه السلام أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع (1)» .
وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين، ولقد روي أن عاقلة الضاربة قالوا: أنودي من لا صاح ولا استهل (2)
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 11/ 177
(2)
ولا استهل: أي ولا صاح عند الولادة، كناية عن خروجه ميتا، أي ولا خرج من بطن أمه حيا،
ولا شرب ولا أكل ولا نطق ومثل ذلك يطل؟ (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هذا من إخوان الكهان (2)» . .
وهذا يدل على أن القضاء بالدية كان عليهم حيث أضافوا الدية إلى أنفسهم على وجه الإنكار (3) وأما اعتراضهم على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فظنا منهم أن ما أورده صلى الله عليه وسلم عاما يجوز تخصيصه بما تظهر من حالة الجنين، واعتقدوا أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم إنما خرج على أنه ظن أن الجنين خرج حيا، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بتلك المقولة
2 -
ما رواه البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها
(1) يطل: أي يهدر ويلغى.
(2)
سنن ابن ماجه 2/ 882، طبعة عالم الكتب، وقوله صلى الله عليه وسلم:" إنما هذا من إخوان الكهان " معناه أن الذي يقول بهذا الكلام لا علم عنده إلا ما ورد من الأسجاع التي يستعملها الكهان على وجه الإلباس على الناس والتمويه. انظر. المنتقى للباجي 7/ 79
(3)
بدائع الصنائع 15/ 4816. .
وزوجها، وأن العقل على عصبتها (1)»
وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة وألزم العصبة بتحملها، وهذا يدل على أن عقل الجنين على العاقلة.
3 -
أن الدية بدل النفس لم يتحقق وجودها ولا حياتها فلا يعتد بالعمدية فيها فتكون على العاقلة.
المذهب الثاني: ذهب الحنابلة إلى التفصيل في ذلك فقالوا: إن العاقلة تحمل دية الجنين وهي الغرة إذا مات مع أمه وكانت الجناية خطأ أو شبه عمد أو مات بعدها بتلك الجناية، وذلك لما يأتي:
ما رواه البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها (2)» .
وجه الدلالة من هذا الحديث: أن هذا الحديث يبين أن دية الجنين تجب على العاقلة إذا مات مع أمه وكانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد. فإن كان الجاني قد قتل الأم عمدا أو مات الجنين وحده لم تحمل العاقلة الغرة وإنما يحملها الجاني؛ وذلك
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري 12/ 252.
(2)
فتح الباري شرح صحيح البخاري 12/ 247
لأن العاقلة لا تحمل العمد، ولا تحمل ما دون الثلث عندهم (1) والغرة نصف عشر الدية. وذلك لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الدية ألا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة، والمأمومة (2). فيها ثلث الدية (3).
المذهب الثالث: ذهب المالكية إلى أن دية الجنين وهي الغرة تجب على الجاني سواء كانت الجناية عمدا (4). أو خطأ؛ وذلك لأن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث وهذه الغرة لم تبلغ الثلث فوجبت على الجاني.
المذهب الرابع: ذهب الظاهرية إلى أن دية الجنين وهي الغرة تجب في الخطأ على عاقلة الجاني، سواء كانت الأم أو غيرها، كذلك في العمد قبل أن تنفخ فيه الروح، وتجب على الجاني إذا لم ينفخ فيه الروح أو نفخ وقد تعمد قتله، وإذا كان الجاني غير الأم في العمد بعد نفخ الروح وقد ماتت الأم، وأما
(1) المغني لابن قدامة 7/ 801.،
(2)
هي الجناية التي تصل إلى الدماغ فتهشم عظام الرأس، وفيها ثلث الدية إذا لم يمت الإنسان منها
(3)
كشاف القناع للبهوتي 6/ 62.
(4)
في حالة سقوط القصاص بالعفو أو فوات المحل
بعد نفخ الروح فيه فالقصاص على الجاني والغرة في ماله. وإن تعمدت المرأة إسقاط ولدها فعليها كفارة ولزوجها عليها غرة.
الرأي المختار:
وبعد فإنني أرى أن الجناية إن كانت عمدا فإن الغرة تكون على الجاني؛ وذلك لقول الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1)، ولقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا (2).
ولأن إيجاب الدية على العاقلة هو من قبيل المواساة والتعاون والتضامن الاجتماعي مع المجني عليه. وأما المتعمد في جنايته ليس أهلا للمواساة ولا للتعاون معه.
وأما إذا كانت الجناية شبه عمد كما وردت في الأحاديث السابقة أو خطأ فإن الغرة في هذه الحالة تكون على العاقلة؛ لأن ضرب المرأة بحجر أو عود هو من قبيل شبه عمد، ويدلنا على أنه شبه العمد هو إيجاب الرسول صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة الجانية، ولو كانت الجناية عمدا لأوجبها عليها. والله أعلم.
(1) سورة الزمر الآية 7
(2)
سنن البيهقي 8/ 104، سنن الدارقطني 3/ 177.