الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا وأسأل الله عز وجل أن يوفقني للقول الصواب والعمل السديد، وأن يجنبني الزلل في القول والعمل، وأن يرزقني النية الصالحة والأجر الجزيل، والرفعة في الدرجات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الفصل الأول:
آراء الإمام ابن ماجه في مباحث الأحكام والأدلة:
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مدلول لفظ الكراهة
.
المبحث الثاني: مدلول لفظ الرخصة.
المبحث الثالث: حجية القياس.
المبحث الأول: مدلول لفظ الكراهة:
أطلق الإمام ابن ماجه حكم الكراهة في عدد من المسائل في تراجم أبواب سننه في بضع عشر موضعا، والأغلب أنه لا يريد بلفظ الكراهة ما اصطلح عليه أخيرا، وإنما يريد بلفظ الكراهة التحريم بحسب المصطلحات الأصولية المتعارف عليها عند المتقدمين، ويدلك على أن الإمام ابن ماجه يقصد التحريم بلفظ الكراهة أمور:
أولها: أنه أطلق لفظ الكراهة في مسائل ورد الحديث بالنهي عنها بلفظ النهي الصريح المفيد للتحريم (1)، ومن ذلك:
(1) سيأتي بحث ذلك مفصلا في المبحث الثالث من الفصل القادم.
قوله: (باب كراهية لبس الحرير)(1)، واستدل عليه بحديث:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الديباج والحرير (2)» .
ومن ذلك: قوله: (باب كراهية المعصفر للرجال)(3)، واستدل عليه بحديث:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفدم (4)» .
ومن ذلك: قوله: (باب ما يكره من الأسماء)(5)، وأورد فيه أحاديث صريحة في النهي عن عدد من الأسماء.
ثانيها: أنه أطلق لفظ الكراهة على أفعال في مسائل استدل عليها بأحاديث وردت بترتيب العقوبة على فاعل هذه الأفعال،
(1) سنن ابن ماجه ص1187 كتاب اللباس باب رقم 16.
(2)
ورد من حديث البراء أخرجه ابن ماجه برقم 3589، والبخاري 1239، ومسلم 2066.
(3)
سنن ابن ماجه ص1191 كتاب: اللباس باب رقم 21.
(4)
ورد من حديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه برقم 3601. قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(5)
سنن ابن ماجه ص1229 كتاب الأدب باب رقم 31.
وهذا مما يدل على تحريم هذا الفعل (1)، ومن أمثلة ذلك: قوله: (باب كراهية الخلع للمرأة)(2)، واستدل عليه بحديث:«لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة (3)» ، وحديث:«أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة (4)» .
ومن أمثلته: قول ابن ماجه: (باب ما جاء في كراهة الأيمان في الشراء والبيع)(5)، واستدل عليه بحديث:«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم (6)» الحديث.
ومن أمثلته: قول ابن ماجه: (باب كراهية لبس الحرير)(7)، واستدل عليه بحديث:«من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة (8)» .
(1) سيأتي بحث هذه القاعدة في المبحث الخامس من الفصل الثاني.
(2)
سنن ابن ماجه ص 662 كتاب الطلاق باب رقم 21.
(3)
أخرجه ابن ماجه برقم 2054 من حديث ابن عباس قال في الزوائد: إسناده ضعيف.
(4)
أخرجه ابن ماجه برقم 2055 من حديث ثوبان، وأخرجه الترمذي 1187، وأبو داود 2226، وأحمد 5/ 277، قال الترمذي: حديث حسن، وأخرجه ابن حبان في صحيحه 4184، وقال الحاكم 2/ 200: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، مع أن أحد رواته ليس من رجال البخاري.
(5)
سنن ابن ماجه ص 744 كتاب التجارات باب رقم 30.
(6)
صحيح مسلم الإيمان (106)، سنن الترمذي البيوع (1211)، سنن النسائي البيوع (4458)، سنن أبو داود اللباس (4087)، سنن ابن ماجه التجارات (2208)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 158)، سنن الدارمي البيوع (2605).
(7)
سنن ابن ماجه ص 1187 كتاب اللباس باب رقم 16.
(8)
ورد من حديث أنس أخرجه ابن ماجه برقم 3588، والبخاري 5832، ومسلم 2073
ثالثهما: أنه أطلق لفظ (الكراهة) على أفعال ورد النهي عنها بصيغة (لا تفعل) الدالة على التحريم عند تجردها من قرائن على قول جمهور العلماء.
ومن ذلك: قوله: (باب كراهية البول في المغتسل)(1)، واستدل عليه بحديث:«لا يبولن أحدكم في مستحمه (2)» . ومن ذلك: قول ابن ماجه: (باب كراهة مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين)(3)، واستدل عليه بحديث «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه (4)» ، وبحديث:«إذا استطاب أحدكم فلا يستطب بيمينه ليستنج بشماله (5)» ، ومن ذلك: قول ابن ماجه: (باب كراهية النخامة في المسجد)(6)، واستدل على ذلك بحديث: «إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل
(1) سنن ابن ماجه ص111 كتاب الطهارة باب رقم 12.
(2)
من حديث عبد الله بن مغفل، أخرجه ابن ماجه 304، وأبو داود 27، والنسائي 1/ 34، والترمذي 21، وأحمد 5/ 56 وإسناده حسن.
(3)
سنن ابن ماجه ص113 كتاب الطهارة باب رقم 15.
(4)
ورد من حديث أبي قتادة أخرجه ابن ماجه 310، والبخاري 154، ومسلم 267.
(5)
ورد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه 312، وبنحوه أخرجه أبو داود 8، والنسائي 1/ 38.
(6)
سنن ابن ماجه ص251 كتاب المساجد باب رقم 10.
وجهه (1)».
رابعها: أنه في مسألة النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، أورد الحديث فيها بأنه:«كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها (2)» ، وقد حمل العلماء هذا الحديث على الكراهة دون التحريم؛ لأدلة وردت في ذلك، ولهذا لما ذكر ابن ماجه المسألة لم يعبر عنها بلفظ الكراهة مع موافقة ذلك للفظ الحديث، وإنما عبر عنها بلفظ النهي، والنهي يشمل المكروه عند جماهير العلماء؛ ولذلك قال ابن ماجه:(باب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعدها)(3).
وبمقارنة رأي الإمام ابن ماجه في إطلاق لفظ الكراهة بمعنى التحريم بآراء الأصوليين، لا نجد هذا الرأي خارجا عن طريقتهم، فإن الأصوليين ذكروا أن لفظ الكراهة تطلق على عدد
(1) ورد من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أخرجه ابن ماجه برقم 761، والبخاري 408، ومسلم 548. ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه 763، والبخاري 406، ومسلم 547.
(2)
ورد من حديث أبي برزة أخرجه ابن ماجه 701، قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات، كذا جعله من الزوائد وهي في الصحيحين، أخرجه البخاري 547، ومسلم 647.
(3)
سنن ابن ماجه ص 229 كتاب الصلاة باب رقم 12.