الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرأي المختار:
وبعد فإنني أرى أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن القاتل لا يرث مطلقا سواء كان القتل عمدا أو خطأ هو الأولى بالقبول؛ لظهور أدلتهم.
المبحث العاشر: دية الجنين ولمن تكون:
لقد سبق أن عرفنا أن الجنين إن مات بالاعتداء عليه فإنه تجب فيه الغرة أو الدية حسب التفصيل المتقدم، لكن هذه الدية تكون لمن؟ أتكون للجنين وتورث عنه؟ أم تكون للأم المجني عليها؟ أم تكون للأب؟ اختلف الفقهاء في ذلك على عدة مذاهب:
المذهب الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية في المعتمد إلى أن الغرة حق للجنين فيرثها عنه ورثته، يقسمونها فيما بينهم على سنة المواريث؛ وذلك لأن الغرة التي تجب للجنين تأخذ حكم دية النفس، لا حكم دية الأعضاء، فتكون للورثة لا للأم، ولأنها لو كانت واجبة للأم لما وجب في
الجنين شيء إذا ماتت أمه قبل أن ينفصل منها؛ لأن الميت لا يستحق شيئا بعد موته، والأم قد ماتت قبل جنينها فلا يجب لجنينها شيء على الجاني، وهذا خلاف ما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، يضاف إلى ذلك أن الجنين نفس مستقلة؛ لأنه يمنع القصاص عن أمه وإقامة الحد عليها.
ويناقش هذا: بأن قياس الغرة على دية النفس قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لأن الدية في النفس بدل عن نفس قد قتلت، وأما الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح لم يقتل، فكلامهم السابق يصدق على الجنين الذي نفخت فيه الروح، أي الذي تجاوز الحمل به مائة وعشرين ليلة.
المذهب الثاني: ذهب المالكية في المرجوح وربيعة والليث إلى أن دية الجنين ترثها الأم وحدها؛ وذلك لأن الجنين في جميع مراحله جزء من أجزاء أمه، فهو بعض من أبعاضها ودم من دمها ولحم من لحمها، فهي المجني عليها وهي المتألمة بالجناية، فكانت الغرة للأم دون سواها.
يضاف إلى ذلك أن في دية الجنين تكون مؤجلة إلى سنة، كما في بدل الطرف فإنه يؤجل إلى سنة، وهذا بخلاف البدل في
النفس، فإن ديتها على ثلاث سنين، قل أو كثر.
ويناقش هذا: بأن الجنين لو كان في معنى أجزاء الأم لما انفرد الجنين بحكم بل دخلت الغرة في دية أمه، كما إذا قطعت يد الأم فماتت فإنه تدخل اليد في النفس. ويضاف إلى ذلك أن عاقلة الضاربة لما أنكروا حمل الدية فقالوا: أنودي من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه يطل؟ لم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إني أوجبت ذلك بجناية الضاربة على المرأة لا بجنايتها على الجنين، ولو كان وجوب الغرة فيه لكونه جزءا من أجزاء الأم لرفع إنكارهم بما قلنا، فدل ذلك على أن الغرة وجبت بالجناية على الجنين لا بالجناية على الأم، فكانت معتبرة بنفسه لا بالأم.
المذهب الثالث:
ذهب الظاهرية والليث بن سعد (1). إلى التفصيل في ذلك فقالوا: إن الجناية على الجنين إن تيقنا أنه قد تجاوز الحمل به مائة وعشرين ليلة فإن الغرة تكون لورثته الذين كانوا يرثونه لو خرج حيا فمات على حكم المواريث، وإن لم نوقن أنه تجاوز الحمل له مائة وعشرين ليلة فالغرة تكون لأمه فقط (2)، واستدلوا على ذلك بما يأتي:
(1) سبق تعريقه
(2)
تكملة المحلى لأبي رافع 11/ 32.
{مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (1).
وجه الدلالة في هذه الآية: أن هذه الآية بينت أن القتل الخطأ فيه كفارة ودية، وهذه الدية تكون لأهل القتيل أي لورثته، والقتل لا يكون إلا لحي ينقله القتل من الحياة إلى الموت، والجنين بعد مائة وعشرين ليلة تكون قد نفخت فيه الروح ودبت فيه الحياة، فيكون الاعتداء عليه اعتداء على حي، فيأخذ حكم الأحياء في أن الدية تكون لأهله.
2 -
وما رواه البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى وإما أن يقاد (2)» .
وجه الدلالة من هذا الحديث: هو أن أهل القتيل يخيرون بين القتل وأخذ الدية، فدل هذا على أنهم هم الورثة للقتيل، ولا شك أن الجنين الذي نفخت فيه الروح قتيل، فتكون الدية لأهله وهم الورثة. وأما الذي لم نوقن أنه تجاوز مائة وعشرين ليلة فإنه لم تدب فيه الحياة فتكون الجناية عليه ليست جناية قتل، وإنما هو ماء أو علقة من دم أو مضغة من عضل أو عظام ولحم، فهو في كل ذلك بعض أمه.
(1) سورة النساء الآية 92
(2)
فتح الباري شرح صحيح البخاري 12/ 205، صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 129.
ويناقش هذا: بأن هذا الكلام لا يسلم؛ لأنه لو كان عضوا لما منع من إقامة الحد عليها من أجله، ولما وجبت الكفارة بقتله ولما صح عتقه دونها ولا عتقها دونه. ولو كان في معنى أجزاء الأم لما أفرد الجنين بحكم، بل دخلت الغرة في دية الأم، كما إذا قطعت يد الأم فماتت فإنه تدخل دية اليد في النفس (1).
المذهب الرابع:
ذهب إبراهيم النخعي إلى أن دية الجنين تجب للأب إن كانت أمه هي المعتدية، ولا يجب لأمه شيء؛ وذلك لأن الأب هو سبب وجوده. هكذا حكاه السرخسي وغيره (2).
والتحقيق أن هذا ليس بمذهب
خالف فيه جمهور الفقهاء، فإن انفراد الأب بالغرة هنا ليس بإثباتها حقا له نظرا للأبوة؛ بل بكونه الوارث الوحيد لحرمان الأم من الميراث، وغيرها لا يشارك في ميراث الجنين.
الرأي المختار:
وبعد فإنني أرى أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن دية الجنين تكون لورثته يقسمونها فيما بينهم على سنة المواريث هو المختار؛ لما ذكروه ورد أدلة المخالفين، والله أعلم.
(1) بدائع الصنائع 10/ 4827، المغني لابن قدامة 7/ 805. .
(2)
المبسوط للسرخسي 26/ 28، المنتقى للباجي 7/ 80، تكملة المحلى لأي رافع 11/ 32.