الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واعلم أنَّ المسألة فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنهم مخاطبون بها. وهو الحق.
الثاني: أنهم غير مخاطبين بها مطلقًا.
الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي لصحة الكفِّ عن الذنب منهم دون الأوامر.
وحجة من قال بالإطلاق أن الكفِّ عن المنهيِّ عنه وإن صدر منهم فلا أجر لهم فيه؛ لأنَّ الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة.
وأمَّا الجوابُ عن كونها لا تقضى بعد الإسلام، فهو أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله.
قال المؤلف
(1)
رحمه الله:
(فأماَّ
الشروط المعتبرةُ لفعل المكلَّف به
فثلاثة: أحدها: أن يكون معلومًا للمأمور به حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة اللَّه تعالى، حتى يتصور فيه قصد الطاعة والامتثال، وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب).
إيضاحُ معنى هذا الشرط الأول أنَّ الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعًا أن يكون المكلف يعلمه، فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة؛ لأن التكليف بالمجهول من
(1)
(1/ 233).
تكليف ما لا يطاق، إذ لو قيل للمكلف:"افعل ما أُضْمِرُ في نفسي أنك تفعلُه وإلَّا عاقبتُك" فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به؛ لأنَّ اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علمٍ ليس في طاقته، كما هو واضح.
واعلم أنَّ الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى.
فالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلَّف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور به من اللَّه تعالى، إذْ لابد له من نية التقرب به إلى اللَّه تعالى، ونية التقرب إليه عز وجل لاتمكن إلا بعد معرفة أنَّ الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا.
وأمَّا معقول المعنى فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب، ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى اللَّه تعالى.
ومثالُ ذلك ردُّ الأمانة والمغصوب، وقضاءُ الدَّين، والإنفاق على الزوجة، فمن قضى دينه، وأدَّى الأمانة، وردَّ المغصوب مثلًا لا يقصد بشيء من ذلك وجه اللَّه، بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلًا، ففعلُه صحيح دون النية، وتسقطُ به المطالبة، فلا يلزمُه الحقُّ في الآخرة بدعوى أنَّ قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب، بل القضاء صحيح، والمطالبة ساقطة على كل حال، ولكن لا أجر له إلا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله:(وهذا يختصُّ بما يجب به قصد الطاعة والتقرب).
قال المؤلف
(1)
:
(الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود فلا يمكن إيجاده فيستحيل الأمر به).
إيضاح معنى هذا الشرط أنه يشترط في المطلوب المكلَّف به أن يكون الفعل المطلوب معدومًا، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لابد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به، كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامةً من كلِّ جهاتها، فلا يمكن أمرُه بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أدَّاها على أكمل وجه؛ لأنَّ الأمر بتحصيلها معناه أنَّها غير حاصلة، والفرضُ أنَّها حاصلة، فيكون تناقضًا.
ومن هنا قالوا: تحصيل الحاصل محال، لأنَّ السعي في تحصيله معناه أنَّه غير حاصلٍ بالفعل، وكونه حاصلًا بالفعل ينافي ذلك، فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض، واجتماع النقيضين محال.
تنبيه:
مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} الآية [الأحزاب/ 1] صريح في الأمر بما هو حاصلٌ وقت الطلب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مُتَّقٍ وقت أمره بالتقى.
(1)
(1/ 234).
والجواب: أنَّ أمره بالتقوى يرادُ به الدوام على ذلك أو أمر أمته بأمره لأنه قدوةٌ لهم.
قال المؤلف
(1)
رحمه الله:
(الثالث: أن يكون ممكنًا، فإنْ كان محالًا كالجمع بين الضدَّين ونحوه، لم يجز الأمر به، وقال قوم: يجوز ذلك، بدليل قوله تعالى: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة/ 286] والمحالُ لا يسأل دفعه؛ لأنَّ اللَّه تعالى علم أنَّ أبا جهل لا يؤمن وقد أمره بالإيمان، وكلفه إياه. . .) إلى آخره.
اعلم أن هذه المسألة هي المعروفة عند أهل الأصول بمسألة التكليف بما لا يطاق، وبعضهم يقول: التكليف بالمحال، وفيها تفصيل لا بدَّ منه، ولم يذكره المؤلف رحمه اللَّه تعالى، ولكنه أشار إليه إشارة خفيفة في آخر كلامه.
اعلم أنَّ حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين:
الأولى: من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلًا أن يكلف اللَّه عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلًا؟
الثانية: هل يمكن ذلك شرعًا أو لا؟
اعلم أنَّ أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلًا بما لا يُطاق.
(1)
(1/ 234 - 235).
قالوا: وحكمته ابتلاء الإنسان، هل يتوجَّه إلى الامتثال، ويتأسف على عدم القدرة، ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا للَّه بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي.
ومنهم من يقول: لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال اللَّه؛ لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إيضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس.
وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلًا. قالوا: لأنَّ اللَّه يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه، فهو محال عقلًا.
أمَّا بالنسبة إلى الإمكان الشرعي ففي المسألة التفصيل المشارُ إليه آنفًا، وهو أن المستحيل أقسام، فالمستحيل عقلًا قسمان:
قسم مستحيل لذاته، كوجود شريك للَّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدَّين في شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحد من جهةٍ واحدة، ويسمى هذا القسم: المستحيل الذاتي.
وإيضاحه: أنَّ العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده، أو يقبلهما معًا، فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود، كذات اللَّه جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وإن قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلًا، كوجود شريك للَّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنْ قبل العقل
وجوده وعدمه فهو المعروف بالجائز عقلًا، وهو الجائز الذاتيُّ، كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه.
فالمستحيل الذاتيُّ أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصحُّ شرعًا؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة / 286]، وقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن/ 16]، ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة.
القسم الثاني من قسمي المستحيل عقلًا: هو ما كان مستحيلًا لا لذاته، بل لتعلق علم اللَّه بأنه لا يوجد؛ لأنَّ ما سبق في علم اللَّه أنه لا يوجد مستحيل عقلًا أن يوجد؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي.
وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي، ونحن نرى أنَّ هذه العبارة لا تنبغي، لأنَّ وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة اللَّه، فالذي ينبغي أن يقال: إنَّه مستحيل لأجل ما سبق في علم اللَّه من أنه لا يوجد.
ومثال هذا النوع: إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائزٌ عقلًا الجواز الذاتي؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم اللَّه فيما سبق أنَّه لا يؤمن؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزليُّ.
والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا