الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويجوز
النسخ بالأخف والأثقل
. . .) إلى آخره.
حاصل هذا المبحث أنه يجوز نسخ الحكم الأثقل بالأخف منه، كما يجوز نسخ الأخف بالأثقل منه.
ومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ الاعتداد بالحول في قوله تعالى: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة/ 240]، بأربعة أشهر وعشر في قوله:{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة/ 234]، ومعلوم أن الأربعة أشهر وعشر ليال أخف من السنة.
وكنسخ مصابرة الواحد عشرة من الكفار، المنصوص في قوله تعالى:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال/ 65] بمصابرة اثنين، المنصوص في قوله تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال/ 66]؛ فإن مصابرة اثنين أخف من مصابرة عشرة.
وكنسغ قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة/ 284] بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة/ 286].
ومثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام،
(1)
(1/ 315).
المنصوص في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة/ 184] بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة/ 185] لأن إيجاب الصوم أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام.
ونسخ حبس الزواني في البيوت، المنصوص عليه بقوله:{فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} [النساء/ 15] بالجلد بقوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور/ 2]، والرجم أثقل من الحبس في البيوت.
ولو قيل: إن آية الحبس في البيوت غير منسوخة؛ لأنَّها كانت لها غاية هي قوله تعالى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)} الآية، وقد حصلت الغاية بجعل السبيل كما قال صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني، خذو عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" الحديث، فذلك السبيل هو الجلد والرجم = لكان حسنًا متَّجهًا.
ومن أمثلته: نسخ إباحة الخمر المنصوص في قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل/ 67] بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة/ 90 - 91]، خلافًا لمن زعم أنَّ تحريم الخمر رافع للبراءة الأصلية، لا حكم شرعي، فليس عنده بنسخ؛ لأنه فسر قوله تعالى:{تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} بأن المراد بالسَّكر الطعم أو الخل لا الخمر، وهو خلافُ الصحيح.
فإن قيل: كيف جاز نسخُ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف مع أن اللَّه يقول: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ، فإن كان الأثقل خيرًا لكثرة الأجر فلم جاز نسخه بالأخف؟ وإن كان الأخف خيرًا لسهولته فلم جاز
نسخه بالأثقل؟
فالجواب: أنَّ الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل، فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه فينسخ به الأخفُّ.
وإنكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل، محتجين بقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة/ 185] وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء/ 28]، ونحو ذلك من الآيات = لا وجه له، لأنَّ المراد بالآيات التخفيف بالجملة، فلا ينافي أنَّه ربما شرع حكمًا أثقل مما قبله، كما أوجب الصوم بعد التخيير، ونحو ذلك.
وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله:
ويُنْسَخُ الخِفُّ بماله ثِقَل
…
وقدْ يجيء عاريًا من البدل
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا نزل الناسخُ فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه. . .) الخ.
حاصل هذا المبحث: أن الحكم اختلف فيه، هل يثبت بمجرد وروده، وإن لى يبلغ المكلف، أو لا يثبت بحق المكلف إلا بعد بلوغه له؟
(1)
(1/ 318).
وقال القاضي: إنه لا يكون نسخًا حتى يبلغ المكلف؛ لأنَّ أهل قباء بلغهم نسخُ استقبال بيت المقدس وهم في الصلاة، فاعتدوا بما مضى من صلاتهم، ولو كان الحكم يستقر بمجرد وروده وإن لم يعلم به المكلف لما اعتدُّوا بما مضى من الصلاة قبل العلم بالناسخ.
قال أبو الخطاب: يتخرَّج أن يكون نسخًا، بناءً على قول الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في الوكيل أنَّه ينعزل بعزل الموكل، وإن لم يعلم الوكيل بالعزل.
ويتفرع على هذا الخلاف نسخُ خمسة وأربعين صلاة ليلة الإسراء، فعلى أن الحكم يثبت بمجرد الورود فهي منسوخة في حق الأمة، وعلى عكسه فلا.
ومن الفروع المبنية عليه: عزل الوكيل بموت موكله أو عزله له قبل العلم، وهل تصرُّفه بعد موت موكله، أو بعد عزله له، قبل علمه بذلك، ماضٍ أوْ لا؟ الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في هذه المسألة.
وينبني على الخلاف في هذه المسألة أيضًا: من أسلم في دار الكفر، ولم يجد من يعلمه أمر دينه كالصلاة والصوم، ومن نشأ على شاهق جبل وهو على الفطرة، ولم يجد من يعلمه، ثم بعد ذلك حصل العلم بأمور الدين لكل منهما، فعلى أن الحكم يثبت بالورود فعليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة والصوم، وعلى أنه لا يستقلُّ إلا ببلوغه للمكلف فلا قضاء عليهما.