الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في
البيان
والمبين في مقابلة المجمل.
واختلف فى البيان، فقيل: هو الدليل، وهو ما يتوصلُ بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن.
وقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح.
وقيل: ما دلَّ على المراد بما لا يستقلُّ بنفسه فى الدلالة على المراد.
وقد قيل: هذان الحدان مختصان بالمجمل. . . إلخ.
حاصل هذا الخلاف هو: هل البيانُ يطلقُ على كلِّ إيضاحٍ تقدَّمه خفاء أو لا؟ أو هو إيضاحُ ما فيه خفاء خاصٌّ؟
وأكثر الأصوليين على أنَّ البيان فى الاصطلاح الأصولي هو تصيير المشكلِ واضحًا، والبيانُ يحصلُ بكلِّ ما يُزيل الإشكال من:
أ- كلام: كبيان قوله تعالى: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة/ 1] بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة/ 3].
ب- أو كتابة: ككتابته صلى الله عليه وسلم إلى عماله على الصدقات.
ج- أو إشارة: كقوله: "الشهر هكذا وهكذا" وأشار بأصابعه إلى كونه مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين.
د- أو فعل: كبيانه صلى الله عليه وسلم للصلاة والحج بالفعل، وقال في الأولى:
"صلوا كما رأيتموني أصلي" وفي الثانية: "خُذُوا عني مناسككم".
هـ- أو سكوت على فعل: فإنَّه بيان لجوازه.
وعرَّف في المراقي البيانَ وما به البيان بقوله:
تصيير مشكل من الجلي
…
وهو واجبٌ على النبي
إذا أريد فهمُه وهو بما
…
من الدليل مطلقًا يجلو العمى
فقوله: "بما من الدليل. . . " إلخ يدلُّ على أنَّ كلَّ شيء يزيل الإشكال بيانٌ، واختار المحشِّي أنَّ البيان شامل لكلِّ إيضاح تقدمه خفاء أولا. وهو قولٌ معروف لبعض أهل الأصول، ولا مشاحة فى الاصطلاح.
قال المؤلفُ
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(ولا يشترط حصول العلم للمخاطب، فإنَّه يقال: بيَّن له ولم يتبين).
ومثاله -فيما يظهر لى- أنَّه صلى الله عليه وسلم بيَّن أنَّ عموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء/ 11] لا يتناول الأنبياء، لأنهم لا يورثُ عنهم المال، فلا يقدح في هذا البيان أنَّ فاطمة الزهراء رضي الله عنها وصلى وسلم على أبيها لم تعلم به، وجاءت إلى أبي بكر تطلبُ ميراثها منه صلى الله عليه وسلم.
وإلى هذه القاعدة أشار في "المراقي" بقوله:
(1)
(2/ 581).
ونسبة الجهل لذي وجود
…
بما يخصص من الموجود
ويجوز بيان النص بما هو دونه سندًا، قال بعضهم: أو دلالة، فتبين المتواترات بالآحاد، وهو مذهب الجمهور، وإليه الإشارة بقوله في "المراقي":
وبين القاصر من حيث السند
…
أو الدلالة على ما يعتمد
وأوجبن عند بعض علمًا
…
إذا وجوب ذى الخفاء عما
ومن قال بهذا أجاز بيان المنطوق بالمفهوم، كتخصيص عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"ليُّ الواجد ظلمٌ، يحلُّ عرضَه وعقوبتَه" بمفهوم الموافقة في قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء/ 23]؛ لأنَّ فحواه يقتضي منع الأذى بالحبس فى الدين، فلا يحبسُ الوالدُ في دين ولده.
وكتخصيص عموم قوله: "في أربعين شاة شاة" بمفهوم المخالفة في قوله: "في الغنم السائمة الزكاة" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة.
هكذا ذكر جماعة من أهل الأصول.
وذهب قوم إلى أنَّ الأضعف دلالة لا يمكن البيان به؛ إذ لا يبينُ الأظهرُ بالأخفى.
وأمَّا الأضعف سندًا إذا كان أقوى دلالة فلا مانع من أن يبيَّنَ به الأقوى سندًا الذي هو أضعفُ دلالة.
ومثالُه قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء/ 24]، فإنَّه