الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوةً في القرآن، والنسخ لا يرفعُ ورودها ونزولها، ولا يجعلها كانها غير واردة، بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.
قال المؤلف
(1)
:
(فصل
يجوزُ
نسخُ الأمر قبل التمكن
من الامتثال. . .) إلى آخره.
حاصلُ إيضاح هذا البحث باختصار أنَّ التحقيق هو جواز وقوع نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال.
فإن قيل: فما حكمة الأمر الأول إذا كان ينسخُ قبل التمكن من الفعل؟
فالجواب: أنَّ الحكمة في الأمر الأول هي الابتلاء، هل يتهيأُ للامتثالِ ويظهر الطاعة فيما أُمر به، أو لا؟
ودليلُ هذين الأمرين قصة أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فإنَّه نُسِخَ عنه ذبحُه قبل التمكن من فعله، وبيَّن اللَّه تعالى أنَّ الحكمة في ذلك هي ابتلاؤه، هل يتهيأ لذبح ولده، فتهيَّأ لذلك وتلَّه للجبين، ولذا قال تعالى:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} [الصافات/ 106، 107].
(1)
(1/ 297).
وهذا واضح، كما ترى.
وأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان، فلا نطيل الكلام بها.
تنبيه:
منشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، وهو الحقُّ، أو هي الامتثالُ فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمتُه الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ.
وإلى هذا أشار في "المراقي" بقوله:
للامتثال كلَّف الرقيبُ
…
فموجبٌ تمكنًا مصيبُ
أو بينه والابتلا تردَّدا
…
شرط تمكنٍ عليه انفقدا
وأشار إلى المسألة التي نحن بصددها بقوله:
والنسخ من قبل وقوع الفعل
…
جاء وقوعًا في صحيح النقل
تنبيه آخر:
ذكر بعض أهل الأصول أنَّ هذه القاعدة المذكورة آنفًا التي هي: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، أو هي الامتثال فقط؟ التي هي مبنى الخلاف في جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال = ينبني عليها بعض الفروع الفقهية.
من ذلك -مثلًا-: من علمتْ بالعادة المطَّردة أنها تحيض في أثناء النهار غدًا فبيَّتت الإفطار، ثم حاضت في أثناء النهار بالفعل كما كانت تعتقده. ومن تعتاده حُمَّى الرِّبْع، وعادته أن تأتيه غدًا في أثناء النهار، فبيَّت الإفطار لذلك، ثم أصابته الحمى بالفعل في أثناء النهار كما كان يعتقد.
فعلى أن الحكمة في التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، فتبييت الفطر ممنوع على كل منهما، وقيل فيه بالكفارة إن فعل موجبها قبل حصول الحيض أو الحُمَّى، وهو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى ومن وافقه.
وعلى أن الحكمة الامتثال فقط، فلا كفارة، ولا مانع من تبييت الإفطار؛ لأنه غلب على ظنه انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
والزيادة على النص ليست بنسخ، وهي على ثلاثة مراتب: أحدها: ألا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة ثم أوجب الصوم، فلا نعلم فيه خلافًا، لأنَّ النسخ رفعُ الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه. . .) إلى آخره.
(1)
(1/ 305).
لا يخفى أن زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخًا للصلاة كما ترى.
وإيضاحُ هذا المبحث أنَّ فيه تفصيلًا لابدَّ منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان:
الأولى: أن تنفي ما أثبتهُ النصُّ الأول أو تثبت ما نفاهُ، وهذه لا شك أنها نسخ، ولم يتعرض لها المؤلف رحمه الله.
ومثالها: تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونحو ذلك.
فإن تحريم هذه المحرمات ونحوها زادته السنة على آية {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام/ 145] مع أن هذه الآية الكريمة تدلُّ على إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، بدليل حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والإثبات.
ونظير الآية حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة في النحل والبقرة بقوله تعالى في النحل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [النحل/ 115]، وقوله تعالى في البقرة:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة/ 173].
وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب -أعني مفهوم المخالفة-، وفي المعاني في مبحث القصر، أن (إنَّما) من أدوات
الحصر، وهو الحق؛ فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع -مثلًا- زادت تحريم شيء قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخًا لاشك فيه، وإن خالف فيه كثير من أهل العلم؛ لوضوح النسخ فيه كما ترى؛ لأنه رفع حكم سابق دلَّ عليه القرآن بخطاب جديد.
الحالة الثانية: هي التي ذكرها المؤلف رحمه الله وقسمها إلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة.
والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، تعلق الشرط بالمشروط.
والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحدٌ، كما نصره المؤلف، وكما هو الحقُّ.
وإيضاحُه: أن الأولى منهما زيادة جزء، والثانية زيادة شرط، وحكمُ زيادتهما واحد؛ لأن التغريب جزء من الحد، فزيادته على الجلد زيادة جزء من الحد كما هو واضح، ومثله زيادة ركعتين في الرباعية، بناء على أن الصلاة فرضت اثنتين، ثم زيدت في صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه، كما جاء به الحديث.
ومثال زيادة الشرط: زيادة وصف الإيمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار.
فمذهب الجمهور -وهو الظاهر- أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخًا؛ لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًّا، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل صارف عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.
وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله، فمنع كون التغريب جزءًا من الحد، وإن جاء بذلك الحديث الصحيح، قائلًا: إنَّ الجلد كان مجزئًا وحده، وزيادة التغريب دلَّت على أنه لا يكفي وحده، بل لابدَّ معه من زيادة التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد، وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد؛ لأن آية الجلد متواترة، وأحاديث زيادة التغريب آحاد، والفرضُ عنده أنَّ الزيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد؟ فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك.
ولأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بناء على أنه آحاد، وأنه زيادة على آية {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة/ 282]، وأن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد.
وكذلك قال الجمهور: إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخًا، فيلزم القول به حملًا للمطلق وهو رقبة كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة القتل خطأ.
ومنع ذلك أبو حنيفة بأن الزيادة على النص نسخ، وحمل المطلق
على المقيد لا يصلح دليلًا النسخ.
وإيضاح هذا: أن الجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخُ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما، فالمزيد في مثل هذا مسكوت عنه.
فإن قيل: هو مدلول عليه بمفهوم المخالفة.
فالجواب: أن الحنفية المخالفين في هذا لا يقولون بمفهوم المخالفة أصلًا، ونحن لا نقول به هنا، مع أنَّا لا نُسلِّم دلالة المفهوم عليه، فقوله تعالى:{فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور/ 2] لا يدلُّ على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر، إذ ليس فيه ما يدلُّ على الحصر، فالمزيد مسكوت عنه في النص المتقدم، والزيادة رافعة للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي، ثم تلك الدعوى إنما تستقيم لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر، ثم وردت الزيادة بعده، وهذا لا سبيل إلى معرفته، بل لعله ورد بيانًا لإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه كما أشار له المؤلف.
وإيضاحه: أنَّا لا نُسلِّم أن قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} دلَّ بمفهومه على عدم التغريب، ثم استقر حكم هذا المفهوم بعدم التغريب، ثم وردت الزيادة بالتغريب بعد ذلك، حتى يقال: إنها نسخ، بل يمكن أن تكون زيادة التغريب ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم متصلة بنزول آية الجلد بيانًا أنه لا مفهوم يراد به الاقتصار على الجلد دون التغريب، ويدلُّ لعدم الانفصال بينهما حديث "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن
سبيلا. . . " الحديث، فالسبيل آية الحد، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم التغريب مقترنًا بذكره لها كما ترى، والعلم عند اللَّه تعالى.
وإلى التفصيل المذكور آنفًا أشار في "المراقي" بقوله:
وليس نسخًا كلُّ ما أفادا
…
فيما رسا بالنصِّ الازديادا
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ونسخ جزء العبادة المتصل بها أو شرطها ليس نسخًا لجملتها. . .) إلى آخره.
حاصل هذا المبحث: أن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لنفس ذلك الجزء وذلك الشرط فقط، لا نسخ لجميع الحكم، وهو واضح؛ لأن هذا نُسِخَ وهذا أُبْقِيَ على ما كان عليه.
فمثال نسخ الشرط: أن استقبال بيت المقدس كان شرطًا في صحة الصلاة، فنسخ هذا الشرط ولم يكن نسخُه نسخًا لحكم الصلاة من أصلها، كما ترى.
ومثال نسخ الجزء: نسخ عشر رضعات بخمس، ولا سيما عند من يقول ببقاء حكم خمس رضعات إلى الآن، كالشافعي.
وحجة من قال بأن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لجملة الحكم هو أنَّ
(1)
(1/ 311).