الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أضربُ إثباتِ العلةِ بالاستنباطِ
الثلاثة:
الضربُ الأول: إثباتُ العلةِ بمسلك
المناسبة
.
والمناسبةُ لغةً: الملائمة.
وفي الاصطلاح: كونُ الوصفِ يتضمنُ ترتبُ الحكمِ عليه مصلحةٌ، كالإسكارِ فإنَّ ترتب المنع عليه فيه مصلحةُ حفظِ العقلِ من الاختلال، ويسمى: المناسبة، والمناسبة والإخالة.
وضابطُ مسلك المناسبة والإخالة عند الأصوليين: أنْ يقترنَ وصفٌ مناسبٌ بحكمٍ في نصٍّ من نصوصِ الشرع، ويكون ذلك الوصفُ سالمًا من القوادحِ، ويقوم دليلٌ على استقلالَه بالمناسبةِ دون غيره، فيعلم أنَّه علةُ ذلك الحكم.
ومثالُه: اقترانُ حكم التحريم بوصف الإسكارِ في قوله: "كل مسكرٍ حرامٌ"؛ فالإسكارُ مناسبٌ للتحريم، مقترنٌ به في النصِّ، سالمٌ من القوادحِ، مستقل بالمناسبة.
واعلمْ أنَّ الوصفَ مِنْ حيثُ هو قسمان:
1 -
طرديٌ، كالطول والقصر.
2 -
ومناسبٌ، كالإسكار والصغر لتحريم الخمرِ وولايةِ المال.
إذا علمتَ ذلك، فالمناسبُ -عند المؤلفِ- ثلاثةُ أقسام: مؤثرٌ، وملائمٌ، وغريبٌ.
وعند غيره أربعة: الثلاثةُ الأُوَلُ السابقة، والرابعُ: المرسل، وهو
المعروفُ بالمصلحةِ المرسلة.
واعلمْ أولًا أنَّ المراد بالجنس في هذا المبحث القدرُ المشتركُ بين أفرادٍ مختلفةٍ حقائقها، والمرادُ بالنوع القدرُ المشتركُ بين أفرادٍ متفقةٍ حقائقها.
إذا علمت ذلك، فاعلمْ أنَّ المؤثر -عند المؤلف- قسمان:
الأول: ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير عين الوصف في عين الحكم. ومثَّل له المؤلفُ بنفي الفارقِ المتقدم.
الثاني: ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير عين الوصف في جنس الحكم. ومثَّل له المؤلفُ بالأخوَّةِ من الأب والأمِّ فإنَّه مؤثرٌ بالنصِّ في التقديم في الميراث، فيقاسُ عليه ولايةُ النكاح.
والملائمُ -عند المؤلف- هو ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير جنس الوصفِ في عين الحكمِ فيه. ومثَّل له بتأثير جنسِ المشقةِ في إسقاطِ الصلاةِ عن الحائض
(1)
؛ لأنَّه ظهرَ تأثيرُ جنس الحرجِ في عين إسقاط الصلاة، كتأثيرِ مشقة السفرِ في إسقاطِ ركعتين من الرباعية.
والغريبُ -عند المؤلف- هو ما دلَّ الدليلُ المذكورُ على تأثير جنس الوصفِ في جنسِ الحكم فيه. ومثَّل له بتأثير جنسِ المصالح في جنسِ الأحكام.
(1)
المراد إسقاط القضاء؛ لأن قضاء الحائض الصلاة عن أيام حيضها بعد الطهر مشقة عليها. "عطية"
وقال محشِّيه: وذلك كإلحاق الصحابةِ شاربَ الخمرِ بالقاذفِ في جلده ثمانين؛ لأنَّه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى.
وذكر جماعةٌ من أهل الأصولِ: أنَّ المؤثرَ ما دلَّ نصٌّ أوْ إجماعٌ على اعتبار عينه في عين الحكم.
والملائمَ: هو ما دلَّ فيه الدليلُ المذكورُ على اعتبارِ عينه في جنسِ الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم.
وأنَّ الغريبَ: هو ما دلَّ الدليلُ على إهدارِ المصلحةِ التي صار بها مناسبًا.
ومثالُه: جماعُ الملكِ في نهارِ رمضان، فالمصلحةُ تتمحَّضُ في تكفيره بخصوصِ الصوم، لأنَّه هو الذي يردعه، لخفةِ العتقِ والإطعامِ عليه، ولكنَّ الشرعَ ألغى هذه المصلحة.
واعلمْ أنَّ الشرعَ لا يلغي مصلحةِ إلَّا لأجل مصحلةِ أخرى أرجح منها، فإلغاؤه مصلحةَ زجر الملكِ المجامع في نهار رمضانَ بخصوصِ الصومِ إنَّما هو مِنْ أجلِ أنَّ مصلحةَ إعتاقَ الرقبةِ وإطعامِ المساكين أرجحُ في نظر الشرعِ من التضييقِ على الملك بخصوصِ الصومِ لينزجرَ.
والمرسلَ: هو ما لم يقمْ دليلٌ خاصٌّ على اعتبارِ مناسبته، ولا على إهدارِها.
ومثَّلوا لتأثير العينِ في العينِ بتأثير الصغر في عين الولايةِ على المال، وبتأثير مسِّ الذكرِ في نقضِ الوضوء.
ولتأثير العين في الجنس بتأثير عين الصغر في ولاية النكاح؛ لأنَّ عين الصغر اعتبر إجماعًا في جنس الولاية الصادق بولايةِ المال؛ لأنَّ الجنس يوجدُ في كلِّ فردٍ من أفراده من حيثُ هو قدرٌ مشتركٌ بينها.
ومثلوا لتأثيرِ الجنس في العين بأنَّه لو لمْ يَرِدْ دليلٌ على الجمع في الحضرِ لمشقة المطرِ ونحوه فإنَّ الدليلَ دلَّ على اعتبارِ جنس المشَقةِ في عين الحكمِ الذي هو الجمع، كتأثيرِ مشقة السفرِ في الجمع.
ومثلوا لتأثيرِ الجنس في الجنس بتأثير القتل بالمثقل في القصاص، للإجماعِ على اعتبارِ جنس الجناية في جنس القصاص.
واعلم أنَّ للجنس مراتب بعضها أعمُّ من بعضٍ في الأوصافِ والأحكامِ، فأعمُّ أجناس الحكمِ كونُه حكمًا، وأخصُّ من ذلك كونُه واجبًا أو محرَّمًا -مثلًا- وأخصُّ من الواجبِ كونُهُ عبادةً أو غيرَ عبادةٍ.
والمرادُ بغير العبادةِ ما ليس تعبديًّا، كقضاء الدَّين، وردِّ المغصوبِ والأمانةِ، والتعبدي كالصلاة.
ويظهرُ الفرقُ بينهما بأنَّ فاعلهما لا بقصدِ الامتثالِ يصحُّ له الأولُ دون الثاني، وإنْ كان لا يؤجرُ إلا بالنيةِ.
وأَخَصُّ من العبادة كونُها صلاةً أو غيرها.
وأعمُّ أنواع الوصف كونُه وصفًا تُناطُ به الأحكام، وأخصُّ منه كونه مناسبًا، وأخصُّ من المناسبِ كونُه مصلحةً أو درء مفسدة، كالحاجياتِ والضرورياتِ والتتميمات.
إذا علمتَ مراتبَ الأحكامِ والأوصافِ، فاعلمْ أن ما هو أخصُّ مقدَّمٌ على ما هو أعمُّ.
فجنسُ القرابةِ -مثلًا- مؤثرٌ في نوع الميراثِ، فيقدمُ الأخصُّ، فلذا تقدَّمُ البنوةُ على الأخُوَّةِ، والأُخُوَّةُ على العمومةِ -مثلًا-.
ومِنْ هنا قال بعضُ العلماء: يُقَدَّمُ الحريرُ على النجس إذا لم يجد المصلي غيرهما؛ لأنَّ النجسَ أخصُّ بالصلاةِ من الحرير؛ لأنَّ تحريم الحرير لا يختصُّ بالصلاة، فكان تحريم النجس أقوى منه لأنَّه يختصُّ بها.
وأنَّه إن لم يجد المحرمُ المضطرُّ إلا ميتةً وصيدًا أكل الميتةَ دون الصيدِ؛ لأنَّ تحريم الصيدِ خاصٌّ بالإحرامِ، والقاعدةُ تقديمُ الأخصِّ.
وخالف بعضُ العلماء في الفرعين. واللَّه أعلم.
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(النوعُ الثاني في إثبات العلةِ: السبر. . .) الخ.
اعلمْ أولًا أنَّ هذا المسلك مِنْ مسالكِ العلةِ يسمى بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما معًا، وهو الأكثر.
والسَّبرُ -بالفتح- لغةً: الاختبار، ومنه سمي ما يعرفُ به طولُ الجرحِ وعرضه سِبارًا ومسبارًا.
(1)
(3/ 856).
وأصلُ هذا الدليل من حيث هو مبنيٌّ على أمرين:
أحدها: حصرُ أوصافِ المحلِّ، وهو المعبرُ عنه بالتقسيم.
ثانيهما: إبطالُ ما ليس صالحًا للتعليلِ بطريقٍ من طرقِ الإبطالِ الآتية، فيتعينُ الوصفُ الباقي، وهو المعبَّرُ عنه بالسبر.
فإذا عرفتَ معنى هذا المسلكِ، فاعلمْ أنَّ خلاصته ما ذكره فيه المؤلفُ أنَّ أبا الخطَّاب اشترطَ في هذا المسلكِ إجماعَ الأمةِ على أنَّ الأصل المقيس عليه مُعَلَّلٌ، أي غير تعبديٍّ، مع الاختلافِ في تعيين العلة، فيبطل المستدلُّ بالسبرِ جميع ما قالوه إلا واحدةً فيعلم صحتها، كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة.
فنقول: الحكمُ معلَّلٌّ ولا علة فيه إلا كذا وكذا، وقد بطل أحدهما فيتعينُ الآخرُ.
كأنْ يقولَ الحنبليُّ -مثلًا-: علةُ تحريم الربا إمَّا الكيل وإمَّا الطعمُ وإمَّا الاقتياتُ والادخار، فيبطلُ ما سوى الكيلِ، فيتعين الكيلُ.
فهذا المسلكُ متأسِّسٌ على ثلاثةِ أمورٍ -على ما درج عليه المؤلفُ-:
الأول: الإجماعُ على كونِ حكمِ الأصلِ معللًا.
الثاني: كونُ التقسيم حاصرًا لجميع ما يعلل به، وذلك إمَّا بموافقةِ الخصمِ أو عدمِ إبدائه وصفًا زائدًا، سواء أقرَّ بالعجزِ عن ذلك، أو ادعاهُ وامتنعَ عن ذكره.
الثالث: إبطالُ ما سوى ذلك الوصف.
ولهذا الإبطال طريقتان:
الأولى: وجودُ الحكم بدونِ الوصفِ الذي يبطله المستدلُّ بالسبر، فيظهرُ أنَّه غيرُ العلةِ، لوجودِ الحكمِ دونه.
ومثالُه: قولُ الشافعيِّ المعلِّل تحريم الربا في البرِّ بالطعم: إنَّ وصف الكيل والاقتياتِ والادخارِ لغوٌ، بدليلِ وجودِ الحكمِ الذي هو منعُ الربا في ملء الكفِّ من البرِّ مع أنَّه لا يُكالُ، وليس فيه قوتٌ لقلته، فيتعينُ وصفُ الطعم.
ومثَّل لهذا المحشِّي بقول الحنبلي والشافعيِّ -مثلًا-: يصحُّ أمانُ العبدِ لأنَّه صادر عن عاقلٍ مسلمٍ غير متهم، فيصلحُ، قياسًا على الحرِّ.
فيقول الحنفيُّ -مثلًا-: بقي وصفٌ آخرُ هو الحريةُ، لم يوجد في الفرعِ، فيبطلُ القياس.
فيقول المستدلُّ: وصفُ الحرية لغوٌ هنا، بدليلِ الاتفاقِ على صحةِ أمان العبدِ المأذونِ له.
الثانية: أن يكونَ الوصفُ طرديًّا لم يعهد من الشارع الالتفاتُ إليه في إثباتِ الأحكام، إمَّا بالنسبةِ إلى جميع الأحكام كالطولَ والقصر، أو إلى بعضها كالذكورةِ والأنوثةِ بالنسبة إلى العتقِ لأنَّهما يعتبران في غير العتقِ كالشهادةِ والميراث.
ولا يكفي المستدلَّ بالسبر في الإبطالِ المذكورِ النقضُ الذي هو
وجودُ الوصفِ دون الحكم. وسيأتي إيضاحُه في القوادح إنْ شاء اللَّه.
واعلمْ أنَّ المؤلفَ ذكر أنَّه لا يكفي في حصر الأوصافِ أنْ يقول المستدلُّ: بحثتُ فلم أجدْ إلا هذا، وأنَّه لا يكفي في الإبطال أنْ يقول: بحثتُ في الوصفِ الفلاني فما عثرتُ فيه على مناسبةٍ؛ لأنَّ الخصمَ يُعارضُ بمثلِ ذلك.
ثم قال المؤلفُ
(1)
: (فإنْ بيَّن صلاحيةَ ما يدَّعيه علةً، أو سَلَّمَ له الخصمُ ذلك، فإنَّه يكفيه ابتداءً بدون السبر، فالسبرُ إذًا تطويل طريقٍ غير مفيدٍ، فلنصطلح على ردِّه).
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
أكثر المالكية والشافعية على الاكتفاء بقوله: "بحثتُ فلم أجدْ غيرَ هذا، أو عدم ما سوى هذا الأصل"، وعليه فالسبرُ ليس تطويلَ طريقٍ.
ومما يوضحُ ذلك إطباقُ النظَّار على أنَّ مِنْ أعظمِ طرقِ الحصرِ العقلُ والاستقراء، فالاستقراءُ مِنْ طرق الحصر قطعًا، وقوله:"بحثت فلم أجدْ غيرَ هذا" استقراءٌ منه لأوصافِ المحلِّ حتى لم يجدْ غير تلك الأوصاف التي حصرها بالاستقراء، فردُّ هذا الحصر لا وجه له.
والأكثرُ منهم يثبتُ به الحجة للناظر والمناظر معًا، ولا يشترطون الإجماعَ على تعليلِ حكم الأصل؛ لأنَّ الغالبَ في الأحكامِ التعليلُ، خلافًا لأبي الخطَّاب.
(1)
(3/ 859).
تنبيهان:
الأول: اعلمْ أنَّ هذا الدليلَ الذي هو السبرُ والتقسيمُ منقسمٌ عند الأصوليين إلى قطعيٍّ وظنيٍّ:
فالقطعيُّ هو ما كان فيه حصرُ الأوصافِ وإبطالُ الباطل منها قطعيَّيْن.
والظنِّيُّ منه هو ما إذا كانا ظنيَّيْن أو أحدهما ظنِّيًّا.
الثاني: اعلمْ أنَّ المعترضَ إذا أبدى وصفًا زائدًا على الأوصافِ التي حصرها المستدلّ، فإنَّ السبر يبطلُ؛ لبطلان أحدِ ركنيه وهو الحصرُ.
ومحلُّ هذا ما لم يبين المستدلّ أنَّ الوصفَ الزائد الذي أبداه المعترضُ طرديٌّ لا دخل له في التعليلِ، فإنَّه يكونُ وجوده وعدمُه سواء، فيستقيمُ حصرُ المستدلَّ بالسبر، ولا يبطلُ دليلُه.
وقد أوضحنا البحث في هذا الدليل، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وغيره، وذكرنا بعض آثاره العقائدية والتاريخية، وبيَّنا المراد به عند الأصوليين، والجدليين، والمنطقيين، وما تسميه به كلُّ طائفةٍ منهم، في كتابنا "أضواء البيان" في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى:{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)} [مريم/ 78].