الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاقتصار على الحكم بدون ذلك الجزء أو ذلك الشرط كان ممنوعًا لا يعتد معه بذلك الحكم، وبعده كان الحكم تامًا، وهذا نسخ.
وأجيب من جهة الجمهور أن ذلك الشرط أو ذلك الجزء إنما كان وقت تشريعه رافعًا للبراءة الأصلية، فلما نسخ رجع سقوطه إلى حكم البراءة الأصلية، والباقي كان مشروعًا، ولم يزل كذلك.
وأشار إلى هذا في "المراقي" بقوله:
والنسخ للجزءِ أو الشرط انتقي
…
نسخه للساقط لا لِلَّذْ بقي
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
يجوز
نسخ العبادة إلى غير بدل
. وقيل: لا يجوز، لقوله تعالى:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة/ 106]).
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
هذا الذي حكاه رحمه الله بصيغة التضعيف التي هي قيل، يجب المصير إليه، ولا يجوز القول بسواه البتة؛ لأنَّ اللَّه جل وعلا صرَّح به في كتابه، واللَّه يقول:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)} [النساء/ 87]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)} [النساء/ 122]؛ {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} الآيات [الأنعام/ 115] أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في
(1)
(1/ 313).
الأحكام.
فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل ووقوعه، مع أن اللَّه يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط رَبْطَ الجزاءِ بشرطِه، ومعلوم عند المحققين أنَّ الشرطية إنَّما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أنَّ هذا الربط الذي صرَّح اللَّه به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيحٌ لا يمكن تخلفُه بحال، فمن ادَّعى انفكاكه وأنَّه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقضُ القاطع كاذبٌ يقينًا، لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق اللَّه العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه جل وعلا.
وقول المؤلف
(1)
رحمه الله (ولنا: أنَّه متصوَّر عقلًا. . .) ظاهر السقوط، لأن صريح القرآن لا يناقض بالتجويز العقلي.
وقوله
(2)
: (قام دليله شرعًا. .) ليس بصحيح، إذ لا يمكن قيام دليل شرعي على ما يخالف صريح القرآن.
وقوله
(3)
: (إن نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي، وتقديم
(1)
(1/ 313).
(2)
(1/ 313).
(3)
(1/ 313).
الصدقة أمام المناجاة، كلاهما نسخ إلى غير بدل، وأن ذلك دليل على النسخ لا إلى بدل. .) غيرُ صحيح؛ لأنَّ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي نسخ ببدل خير منه، وهو التخيير في الادخار والإنفاق المذكور في الأحاديث، وتقديم الصدقة أمام المناجاة منسوخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعًا ابتغاء لما عند اللَّه وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله:{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [المجادلة/ 13].
وقولُ المؤلف
(1)
رحمه الله: (فأمَّا الآية فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر. . .) ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنَّ الآية الكريمة صريحة في أنه مهما نسخ آيةً أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها، كما هو واضح.
وقول المؤلف
(2)
: (على أنَّه يجوز أن يكون رفعُها خيرًا منها في الوقت الثاني، لكونها لو وجدت فيه لكانت مفسدة) يُقال فيه: ذلك الرفع الذي هو خير منها، هو عينُ البدل الذي هو خير منها، الذي هو محل النزاع.
وما أجاب به صاحب "نشر البنود شرح مراقي السعود" تبعًا للقرافي من أن الجواب لا يجب أن يكون ممكنًا فضلًا عن أن يكون واقعًا، نحو: إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان = ظاهر
(1)
(1/ 314).
(2)
(1/ 314).
السقوط أيضًا؛ لأن مورد الصدق والكذب في الشرطية إنَّما هو الربطُ، فتكون صادقة لصدق ربطها، ولو كانت كاذبة الطرفين لو حُلَّ ربطُها.
ألا ترى أنَّ قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء/ 22] قضية شرطية في غاية الصدق، مع أنها لو أزيل منها الربط لكذب طرفاها، إذْ يصير الطرف الأول: كان فيهما آلهة إلا اللَّه، وهذا باطل قطعًا، ويصير الطرف الثاني: فسدتا، أي السموات والأرض، وهو باطل أيضًا، والربط لاشك في صحته، وبصحته تصدق الشرطية، فلو كان فيهما آلهة غير اللَّه لفسد كل شيء بلا شك.
وكذلك لو صحَّ أن الواحد نصف العشرة لصح أن العشرة اثنان، لكنَّه لم يصح أن فيهما آلهة غير اللَّه، ولا أن الواحد نصف العشرة، كما هو معروف، بخلاف الشرط في الآية فقد صح، وبصحته يلزم وجود المشروط.
واعلم أن قول من قال: إن أهل العربية يجعلون الصدق والكذب في الشرطية إنَّما يتواردان على الجزاء والشرط إنَّما هو شرط في ذلك. . . غيرُ صحيح، بل التحقيق أن الصدق والكذب عندهم يتواردان على الربط بينهما كما ذكرنا، كما حقَّقه السيد في حواشيه على "المطول"، وكما حققه البنَّاني في "شرح السلم"، وهو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه؛ لصدق الشرطية مع كذب الطرفين كما بينَّا.