الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فذكرُ هذا القادح تكرارٌ مع ذكر قادح المنع.
السؤال الثاني عشر: القول بالموجب:
وضابطُه: تسليم المعترض دليل الخصم مع بقاء النزاع في الحكم. أي وذلك بجعل الدليل الذي سلَّمه ليس هو محلَّ النزاع.
كقوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} الآية [المنافقون/ 8]، فابنُ أُبَيٍّ في هذه الآية استدلَّ على أنَّه يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة بأنَّ الأعزَّ قادرٌ على إخراج الأذلِّ، والله سلَّم له هذا الدليل مبيِّنًا أنَّه لا يجديه؛ لأنَّه هو الأذلُّ، حيث قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} الآية [المنافقون/ 8].
واعلمْ أنَّ القولَ بالموجبِ عند الأصوليين يقعُ على أربعةِ أوجه:
الوجه الأول: أنْ يَرِدَ لخللٍ في طرف النفي.
وذلك أنْ يستنتج المستدلُّ من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنَّه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه.
وأكثر القول بالموجب من هذا النوع.
كأن يقال في وجوب القصاص بالقتل بالمثقَّل: التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص، كالمتوسل إليه من قتلٍ أو قطعٍ أو غيرهما لا يمنع التفاوتُ فيه القصاص.
فتفاوت الآلات ككونه بسيفٍ أو برمحٍ أو غيرهما.
وتفاوت القتل ككونه بحزِّ عنق أو قطع عضو.
وتفاوت القطع ككونه بحزِّ المفصل من جهة واحدة، أو من جهتين، أو بغير ذلك.
فيقول المعترض، كالحنفيِّ: سلمنا أنَّ التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن لا يلزم من إبطال مانعٍ انتفاء جميع الموانع، ووجود جميع الشروط بعد قيام المقتضي. وثبوتُ القصاص متوقف على جميع ذلك.
فقول المستدل: "لا يمنع القصاص" نفيٌ، ولأجل ما وقع فيه من الخلل ورد القول بالموجب، فكأنَّ الحنفيَّ يقول للمستدلِّ: ما توهمتَ أنه مبنى مذهبي في عدم القصاص في المثقَّل ليس مبناه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي، بل مبنى مذهبي شيء آخر لم تتعرض له في اعتراضك.
ومعلوم أنَّ موجب منع الحنفيِّ القصاص في القتل بالمثقَّل عدمُ تحقق العلة التي هي قصد القتل، فهو عنده من الخطإ شبه العمد، إذ لا يلزم من قصده ضربه بالمثقَّل قصده إزهاق روحه عنده.
الوجه الثاني: أن يقع على ثبوت.
وضابطه: أن يستنتج المستدلُّ من الدليل ما يتوهم منه أنَّه محلُّ النزاع أو ملازمه، ولا يكونُ كذلك.
كأن يقال في القصاص بالقتل بالمثقَّل: قتلٌ بما يقتل -غالبًا-، لا ينافي القصاص؛ فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار.
فيقول المعترض، كالحنفي: سلَّمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقَّل وبين ثبوت القصاص، ولكنْ لمَ قلتَ: إن القتل بمثقَّل يستلزم القصاص، وذلك هو محلُّ النزاع، ولم يستلزمه دليلك وهو العلة التي هي قوله:"قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص".
فقوله: "يجب فيه القصاص" ثبوتٌ، ولأجل ما ورد فيه من الخلل عنده وقع عليه القول بالموجبِ المذكور.
الوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدلِّ صورةً متفقًا عليها، فيحمله المعترض على تلك الصورة، ويبقى النزاع فيما عداها.
كقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوانٌ يسابق عليه، فتجب فيه الزكاة، كالإبل.
فيقول المعترض: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة.
وهذا أضعف أنواعه، لأنَّ المستدلَّ يقول: عنيت وجوب الزكاة في رقابها.
الوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدلِّ عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو صرَّح بها.
كقول مشترط النية في الوضوء والغسل: كلُّ ما هو قربة تشترطُ فيه النية، كالصلاة، وسكت عن الصغرى وهي: الوضوء والغسل قربة.