الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنْ يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه، وإذا قلنا: إنَّ المباح ليس بمأمور فالنهي عنه أولى).
إيضاحُ معنى كلامه رحمه الله:
أن المأمور به إذا كان بعض جزئياته منهيًّا عنه نهي تنزيه أو تحريم لا يدخلُ ذلك المنهيٌّ عنه منها في المأمور به؛ لأنَّ النهي ضدُّ الأمر، والشيء لا يدخل في ضدِّه، خلافًا لبعض الحنفية القائلين بدخوله فيه، فتحيَّةُ المسجد مثلًا مأمور بها، فإذا دخل المسجد وقت نهي، فتلك الصلاة المنهي عنها لوقت النهي لم تدخل في الأمر للمضادة التي بين الأمر والنهي، وهكذا.
وقال الشافعي رحمه الله: إنَّ الصلوات ذوات الأسباب الخاصة لم يتناولها النهي، فهي داخلة في الأمر؛ لأنَّها لم تدخل في النهي.
الحرام
قال المؤلف
(1)
رحمه الله:
(القسم الخامس: الحرام ضد الواجب).
اعلم أنَّ الحرام صفةٌ مشبهةٌ باسم الفاعل، لأنه الوصف مِنْ حَرُمَ الشيءُ فهو حرام.
(1)
(1/ 208).
والحرام في اللغة: هو الممنوع. ومنه قول امرئ القيس:
جالت لتصرعني فقلتُ لها اقصري
…
إني امرؤ صرعي عليك حرام
وقول الآخر:
حرامٌ على عينيَّ أن تطعما الكرى
…
وأن تَرْقآ حتى ألاقيك يا هند
وقوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص/ 12]، وقوله تعالى:{فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [المائدة/ 26]، وقوله تعالى:{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء/ 95] الآيات.
وقوله: "ضد الواجب" يعني أنَّ الحرام في الاصطلاح: هو ما في تركه الثواب وفي فعله العقاب.
وإن شئت قلت: ما نهي عنه نهيًا جازمًا.
وقول المؤلف
(1)
رحمه الله:
(فيستحيل أنْ يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة ومعصية، من وجهٍ واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد. . .) الخ.
إيضاحُ معنى كلامه رحمه الله أنَّ الوحدة ثلاثة أقسام:
1 -
وحدة بالجنس.
(1)
(1/ 208).
2 -
وحدة بالنوع.
3 -
وحدة بالعين.
أما الوحدةُ بالجنس أو النوع فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين، فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضُها حلالًا.
مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير؛ لأنهما يشملُهما جنسٌ واحدٌ هو الحيوان، فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.
ومثال الوحدة بالنوع: السجود؛ فإنه نوع واحد، فالسجود للَّه والسجود للصنم يدخلان في نوع واحدٍ هو اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، وللَّه قربة، كما قال تعالى:{لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)} [فصلت/ 37].
ومثال الوحدة بالعين عند المؤلف رحمه الله: الصلاة في الأرض المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا وبعضها مباحًا.
وإيضاحُ مراده: أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشَغْلُه الفراغَ المملوك لغيره بجسمه تعدِّيًا غصبٌ، فهو حرامٌ، فهذا الركن الذي هو القيام غصبٌ، فهو حرامٌ، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائنٌ فيه في ركوعه، وإذا
سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده، وهكذا، وشَغْلُ الفراغ المملوك لغيره تعدِّيًا غصبٌ، فلا يمكن أنْ يكون قربة؛ لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربةً معصيةً، لاستحالة اجتماع الضدَّين في شيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدة؛ فيلزم بطلان الصلاة المذكورة.
ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الجمهور، قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعلٌ له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان هو طاعةٌ من إحداهما ومعصيةٌ من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاةٌ قربةٌ، ومن حيث هي غصبٌ معصيةٌ، فله صلاته وعليه غصبه.
فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي ردٌّ، للحديث الصحيح:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
فيقول خصمُه: الصلاةُ في نفسها من أمرنا، فليست بردٍّ، وإنَّما الغصبُ هو الذي ليس من أمرنا فهو ردٌّ.
واعلم أن حاصل أقوال العلماء في الصلاة في المكان المغصوب أربعة مذاهب:
الأول: أنها باطلة يجب قضاؤها، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله.
الثاني: أنها باطلة ولا يجب قضاؤها؛ لأنَّ النهي يقتضي البطلان؛
ولأنَّ السلف لم يكونوا يأمرون بقضاء الصلاة في المكان المغصوب، وممن قال به الباقلاني، والرازي. ولا يخفى بُعْدُه.
الثالث: أنَّها صحيحة، وهي رواية أخرى عن أحمد، وعليه الجمهور منهم مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وأكثرهم على أنها صحيحة لا أجر فيها، كالزكاة إذا أخذت منه قهرًا.
والرابع: أنها صحيحة، وله أجر صلاته وعليه إثم غصبه. وهذا أقيس.
فصل
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(مصححوا الصلاة في الدار المغصوبة قسَّموا النهي ثلاثة أقسام. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة أنَّ المنهي عنه إمَّا أن تكون جهة النهي فيه منفردةً، أعني أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك باللَّه والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال.
وإمَّا أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها. وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل. لكنهم عند التطبيق
(1)
(1/ 213).
يختلفون:
فيقول الحنبليُّ: الصلاةُ في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أنَّ الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا، والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصبٌ لا يمكن فيه نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاصٍ به.
أما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإنَّ الجهة منفكة؛ لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة، وعليه إثم لبسه الحرير.
فيقول المالكي والشافعي مثلًا: لا فرق البتة بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب -أيضًا- حرامٌ في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة، وعليه إثم غصبه.
ويقول المالكي -مثلًا-: مثال الجهة غير المنفكة صوم يوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة اللَّه، لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة اللَّه، لأن الإعراض عنهما هو الامتناعُ عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة.
فيقول الحنفي: الجهة منفكة -أيضًا-؛ لأن الصوم من حيث إنه
صومٌ قربةٌ، ومن حيث كونه في يوم العيد منهيٌّ عنه، فالجهة منفكة، ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده.
وقول المؤلف
(1)
رحمه الله في هذا المبحث: (قسَّموا النهي إلى ثلاثة أقسام).
إيضاح معناه: أنَّ المنهيَّ عنه إمَّا أن يكون النهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا: وهو أن المنهيَّ عنه لخارج عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكونُ منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة.
مثال المنهي عنه لذاته: الشرك والزنا، ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار، ومثَّل له المؤلف بالصلاة في حالة السُّكر؛ لأنَّها منهي عنها لوصف السُّكر القائم بالمصلي، ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير، ومثال المنهي عنه لخارج لازم عند المؤلف: الصلاة في المكان المغصوب.
والنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها، وهي: ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه لازمٍ له لزومًا غير منفك.
أمَّا الرابع فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم.
(1)
(1/ 213).
وقد قدمنا اختلافهم في انفكاك الجهة.
وقد بين صاحب "مراقي السعود" بعض المسائل التي اختلفوا في انفكاك الجهة فيها وعدمه بقوله:
مثل الصلاة بالحرير والذهب
…
أو في مكان الغصب والوضو انقلب
ومعطنٍ ومنهج ومقبرة
…
كنيسةٍ وذي حميم
(1)
مجزرة
والمؤلف رحمه الله يرى أنَّ الصلاة في الأمكنة المنهي عنها باطلة، والخلاف فيها مشهور.
فصل
قال المؤلف
(2)
رحمه الله:
(الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه من حيث المعنى، فأمَّا الصيغة فلا، فإنَّ قوله: (قم) غير قوله: (لا تقعد)، وإنَّما النظر في المعنى، وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضدِّه. وهذا قول جمهور المتكلمين.
(1)
ذي حميم: أي الحمَّام؛ لوجود الماء الحار، ومنه قوله تعالى:{وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا} [محمد/ 15]. "عطية".
(2)
(1/ 217).
قالوا: اسكن -مثلًا-، السكونُ المأمورُ به فيه هو عين ترك الحركة، فهو إذن عين النهي عن الحركة -أيضًا-، فالأمرُ بالسكون هو النهي عن الحركة.
قالوا: وشغل الجسم فراغًا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد.
قالوا: ومثل ذلك طلب السكون، فهو بالنسبة إليه أمر وإلى الحركة نهي.
والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينًا، وكون وقته مضيقًا، ولم يذكر ذلك المؤلف، أمَّا إذا كان غير معين -كالأمر بواحد من خصال الكفارة- فلا يكون نهيًا عن ضده، فلا يكونُ في آية الكفارة نهي عن ضد الإعتاق -مثلًا-؛ لجواز ترك الإعتاق من أصله والتلبس بضده، والتكفير بالإطعام -مثلًا-، وذلك بالنظر إلى ما صِدْقِه أي فرده المعيَّن، كما مثلنا، لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء؛ فإنَّ الأمر حينئذٍ نهيٌ عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها.
وكذلك الوقت الموسع، فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيًا عن التلبُّس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر -واللَّه أعلم- أنَّ قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أنَّ الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أنَّ الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأنَّ الأمر النفسي هو المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة، وبقطعِهم النظر عن الصيغةِ واعتبارِهم الكلامَ النفسيَّ زعموا أنَّ الأمر هو عين النهي عن الضد مع أن متعلق الأمر طلب ومتعلق النهي ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك فليس استدعاء شيء موجود.
وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن ضده، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أنَّ الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة.
ويوضح ذلك اشتراطُهم في كون الأمر نهيًا عن الضد أن يكون الأمر نفسيًا، يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحبُ الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله:(من حيث المعنى، وأمَّا الصيغة فلا)، ولم ينتبه لأنَّ هذا من المسائل التي فيها النارُ تحت الرماد؛ لأن أصل هذا الكلام مبنيٌّ على زعم باطل، وهو أنَّ كلام اللَّه مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ؛ لأنَّ هذا القول الباطل يقتضي أنَّ ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها ربُّ السموات والأرض. وبطلان ذلك واضح، وسيأتي له إن شاء اللَّه زيادة إيضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر.
المذهب الثاني: أنَّ الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه. وهذا هو أظهر الأقوال؛ لأنَّ قولك: اسكن -مثلًا- يستلزم نهيك عن الحركة؛ لأن المأمور به لا يمكنُ وجوده مع التلبس بضده؛ لاستحالة اجتماع الضدين، وما لا يتم الواجب إلَّا به واجب كما تقدَّم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصنفاته، وكان يقولُ بالأول.
المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنُه. وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية، واستدلَّ من قال بهذا بأنَّ الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلًا عن ضدِّه، وإذا كان ذاهلًا عنه فليس ناهيًا عنه، إذْ لا يتصور النهي عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلًا.
ويجابُ عن هذا بأنَّ الكفَّ عن الضد لازم لأمره لزومًا لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده، لاستحالة اجتماع الضدين.
قالوا: ولا تشترط إرادة الأمر، كما ألثمار إليه المؤلف رحمه الله.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
قولهم هنا: "ولا تُشترط إرادة الأمر" في هذا المبحث غلطٌ؛ لأن المراد بعدم اشتراط الإرادة في الأمر إرادة الآمر وقوع المأمور به، أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالأمر، فلا بدَّ منها على كل
حال، وهي محل النزاع هنا.
ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة قولُ الرجل لامرأته: إنْ خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت.
فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله:"قومي" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفةً لنهيه المعبَّر عنه بصيغة الأمر، فتطلق.
وعلى أنه مستلزم له، فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول هل هو قول أو لا؟
وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد، ولا مستلزمًا له، فإنَّها لا تطلق.
ومن المسائل المبنيَّة عليها -أيضًا- ما لو سرق المصلِّي في صلاته، أو لبس حريرًا، أو نظر محرَّمًا، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة -مثلًا-، فتبطل الصلاة بناءً على أن النهي يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة؛ فعلى أنَّ النهي يقتضي الفساد فالصلاة باطلة.
وسيأتي لهذا زيادةُ إيضاح -إن شاء اللَّه تعالى-، وخلافُ العلماء في مثل هذه الفروع مشهور.
تنبيه:
تكلم المؤلفُ رحمه الله على الأمر بالشيء الذي له ضدٌّ، ولم يذكر حكم الشيء الذي له أضداد متعددة، وحكمهما واحد، فالأمرُ بالشيء نهي عن الضد الواحد أو مستلزم له. . إلى آخره، ونهي عن جميع الأضداد المتعددة أو مستلزم لها. . إلى آخره.
مثال الواحد: ضد السكون، وهو الحركة. ومثال المتعددة: النهي عن القيام، فضده القعود والاضطجاع.
فصل
قال المؤلف
(1)
-رحمه اللَّه تعالى-:
(التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفةٌ، أي مشقة. قالت الخنساء:
يكلِّفه القومُ ما نابهم
…
وإنْ كان أصغرهم مولدًا)
فقد عرفنا التكليف لغة واصطلاحًا فيما تقدم.
وقوله: (وهو في الشريعة الخطابُ بأمر أو نهي). قد بينَّا فيما تقدم وجه إدخال الجائز في أقسام التكليف مع أنَّه ليس مكلَّفًا به فعلًا ولا تركًا.
قال المؤلف
(2)
رحمه الله:
(وله شروط بعضُها يرجعُ إلى المكلَّف، وبعضُها يرجعُ إلى نفس
(1)
(1/ 220).
(2)
(1/ 220).
الفعل المكلَّف به. . .) إلى آخره.
أما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف فذكر منها: العقل، والبلوغ، وعدم النسيان، وعدم النوم، فجعل السكران الذي لا يعقل غير مكلَّف، ولم يجعل عدم الإكراه شرطًا، فالمكره عنده مكلَّفٌ، وذكر الخلاف في اشتراط عدم الكفر بالنسبة إلى فروع الإسلام، ولذا ذكر أن الكفار اختلف في خطابهم بفروع الإسلام.
وذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، وهي: علم المكلَّف المأمور به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه.
الثاني: كون الفعل المأمور به معدومًا، لأنَّ التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل. وهو محال.
الثالث: كونه ممكنًا، فلا يصح التكليف بالمحال.
هذا حاصلُ ما ذكره من شروط التكليف، ودونك تحقيق المقام في الشروط المذكورة.
أمَّا اشتراط العقل في التكليف فلا خلاف فيه بين العلماء، إذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب، وأمَّا لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له، كالصبي الصغير والمجنون، فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف.
وأمَّا الصبيُّ المميز: فجمهور العلماء على أنه غير مكلَّف بشيء مطلقًا، لأنَّ القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي
بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب، ولا بارتكاب حرام؛ لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعي صبي، وقالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج؛ قال: "نعم ولك أجر".
وأما النائم والناسي: فاختُلف في تكليفهما، فقيل: غير مكلفين، كما درج عليه المؤلف؛ للإجماع على سقوط الإثم عنهما، ولو كانا مكلفين كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها لأجل النوم والنسيان.
وقيل: هما مكلفان؛ بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما، إذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان لما وجب قضاؤها عند اليقظة والذكر؛ لأن ما لم يجب لا يجب قضاؤه.
وجمع بعض محققي الأصوليين من المالكية بين القولين بأنْ قال: إنَّ عدم النوم والنسيان شرطٌ في الأداء لا في الوجوب، فالصلاة واجبة عليهما مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها، فالتمكن من الأداء بعد النوم والنسيانِ شرطٌ في الأداء فقط لا في الوجوب، ومرادُهم بشرط الإيجاب أنَّه شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقادُ وجوب إيجاد الفعل، ومرادهم بشرط الأداء الإيجاب الإلزامي الذي المقصود منه الامتثال الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معًا.
واعلم أنَّ ما جزم به المؤلف رحمه الله من كون الناسي والنائم غير مكلَّفين، يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة، والإجماع على أنَّها قضاء، وقد يُجاب عنه بأنَّ القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وإن منع منه تمامه مانع النوم أو النسيان. واللَّه تعالى أعلم.
وأما السكران الذي لا يعقل: فجزم المؤلف بأنه غير مكلَّف، وبين أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناسي، أنَّ ذلك من خطاب الوضع، وذلك هو مراده بقوله
(1)
: (من قبيل ربط الأحكام بالأسباب)؛ لأنَّ ذلك بعينه من خطاب الوضع.
واعلم أنَّ العلماء اختلفوا فيما يلزمُ السكران، ومما قيل في ذلك: التفصيل؛ لأنَّ السكر قد يذهب جميع عقله حتى يكون لا يعقل شيئًا، وهو المعروف بالسكران الطافح، وقد يذهب بعض عقله، ويبقى معه بعضه.
فالأظهر في الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود ولا العتق ولا الطلاق ولا الجنايات إلا ما كان من خطاب الوضع كغرم قيمة المتلف، وأمَّا الذي لم يفقد جميع عقله فهو الذي فيه قول من قال:
لا يلزم السكران إقرار عقود
…
بل ما جنى عتق طلاق وحدود
(2)
فإنْ قيل: قد دلَّ القرآن على تكليف السكران في قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء/ 43]؛ لأنَّ قوله: {وَأَنْتُمْ
(1)
(1/ 224).
(2)
هذا في غير الطافح، وهو الذي لم يفقد كل عقله. أما الطافح فلا يلزمه شيء. وللشيخ أبيات في ذلك، وهي:
لا يلزم الطافح في عقود
…
ولا جنايات ولا حدود
ومن جميع عقله لن يفقدا
…
فهو الذي ذا البيت فيه أنشدا
لا يلزم السكران. . .
…
. . . . . . . . . . . . البيت
"عطية"
سُكَارَى} جملة حالية، العامل فيها {لَا تَقْرَبُوا} ، وصاحبها الضمير الذي هو الواو، والمعروف في علم العربية أنَّ الحال إن كانت غير مقدرة، فوقتها هو بعينه وقت عاملها، فيلزم من ذلك أن وقت النهي عن قربان الصلاة هو وقتُ السُّكر بعينه، ونهي السكران في وقت سكره يدل على أنَّه مكلَّف.
فالجواب عن هذا الإشكال من الجهتين اللتين ذكرهما المؤلف:
الأولى: أن المراد بالنهي النهيُ عن شرب الخمر في أول الإسلام قبل تحريمها قرب أوقات الصَلاة بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها وهو سكران، لأن من شرب المسكر في وقت يظن فيه أنه يأتي وقت الصلاة وهو سكران فكأنه عالم بأنَّ صلاته تكون في وقت سكره.
ودليل هذا الوجه: أنَّ الآية لما نزلت كانوا لا يشربونها إلا في وقتين: بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأنه يغلب على الظن أن السكران يصحو فيما بين العشاء والصبح، وفيما بين الصبح والظهر، وأما في غير ذينك الوقتين فلا يشربونها؛ لأن وقت الصلاة في غيرهما يدخل قبل صحو السكران، وهو واضح.
الثانية: أن المراد بالنهي خطابُ مَنْ وَجدَ مبادئ النشاط والطرب قبل زوال عقله؛ فإنَّه إن ابتدأ الصلاة في ذلك الوقت قد يتمكن منه السكر في أثنائها.
تنبيه:
قد أشار تعالى إلى ما يُعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهمًا
لما يتكلم به غير طائش عنه، وذلك في قوله:{حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} الآية [النساء/ 43].
وأمَّا المُكْرَه: فجزم المؤلفُ رحمه الله بأنَّه مكلَّف، وإطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، إذ الإكراه قسمان:
1 -
قسمٌ لا يكون فيه المكره مكلفًا بالإجماع، كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلًا، فقهره من هو أقوى منه، وكبَّله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله فيها، فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلَّف كما لا يخفى، إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.
2 -
وقسمٌ هو محلُّ الخلاف الذي ذكره المؤلف، وهو ما إذا قيل له: افعل كذا مثلًا وإلا قتلتك، وجزم المؤلف بأنَّ المكره هذا النوع من الإكراه مكلَّف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرَّم الذي أكره عليه هذا النوع من الإكراه لكان آثمًا، والظاهر أنَّ في ذلك تفصيلًا.
فالمكره على القتل بأن قيل: "اقتله وإلا قتلتك أنت"، لا يجوز له قتل غيره، وإن أدَّى ذلك إلى قتله هو، وأمَّا في غير حق الغير فالظاهر أنَّ الإكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل/ 106].
وفي الحديث: "إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
والحديث وإنْ أعلَّه أحمد وابن أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة.