الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لما بين الله حال المؤمنين الأوابين بذكر قصة داود وسليمان بين هنا حال الكفار الضالين الذين قابلوا النعم بالعصيان، فكان جزاؤهم الحرمان.
المعنى:
لقد كان لسبأ في مساكنهم باليمن آية وعلامة على قدرة الله التي تحيى الأرض بعد موتها، والتي تخرج من الحبة شجرة يانعة الثمار ذات قطوف دانية، وهذه الآية جنتان عن يمين بلدهم وشماله، وليس المراد بستانين فقط، بل المراد نوعان من البساتين: نوع عن اليمين وآخر على الشمال، وبعض العلماء يفسر الآية في قوله:(آية جنتان) بأنها قصة السبئيين وأنهم قوم أنعم الله عليهم بالنعم ثم أعرضوا فأرسل الله عليهم ما أهلكهم وبدد شملهم، وفي هذا عبرة وعظة فهل من مدكر؟! والسبئيون قوم سكنوا بلاد اليمن وأسسوا مدنا عظيمة ذات حصون وقلاع وقصور شامخة، وقد أنعم الله عليهم بالخصب والمطر، وقد هداهم تفكيرهم إلى إقامة سد عال بين جبلين حجزوا به الماء في الوادي، وصرفوه بحكمة وهندسة، فأخصبت أراضيهم، وزرعوا الزروع، وأنشأوا الحدائق الفيحاء ذات الثمار الكثيرة،
روى أنه كانت المرأة منهم تسير وسط الحدائق حاملة مكتلها- المقطف المصنوع من الخوص- فوق رأسها فلا تمضى في السير مدة حتى يمتلئ المكتل من الثمار المتساقطة من الشجر.
اتسعت لديهم النعمة، وفاض عندهم الخير، فأكلوا من رزق ربهم، وتمتعوا بنعمه، وقيل لهم على ألسنة الرسل: اشكروا ربكم الذي أنعم عليكم!!
وهذه الرقعة من الأرض- بلا شك- بلدة طيبة الثمار والهواء، كثيرة الخيرات والبركات، والمنعم بها عليكم رب غفور ستار يستر الذنوب، ويعفو عن السيئات.
فكان أهل سبأ خلقاء أن يشكروا الله على نعمه، وأن يحمدوه على ما أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ورزقهم من الطيبات، ولكنهم لم يسيروا في الطريق المستقيم بل كذبوا وأعرضوا، وغرتهم الدنيا بزخارفها وغرهم بالله الغرور، كذبوا رسلهم وأعرضوا عن نصائحهم، فأراد ربك أن يذيقهم وبال أمرهم، وأن يريهم عاقبة كفرهم ليكونوا عبرة لغيرهم، وآية ناطقة لمن تحدثه نفسه أن يفعل فعلتهم ويسلك مسلكهم، فأرسل عليهم سيل العرم فتهدم السد، وتقوض البناء الذي كان يحجز المياه لهم لوقت
الحاجة، ولم يستطيعوا أن يحجزوا السيول المتدفقة بل ضاعت سدى في وقت الفيضان في جوف الصحراء بعد أن هدمت مساكنهم وعاد الوادي قطعة من الصحراء الجرداء لا نبات به سوى أشجار لا تثمر إلا كل مر بشع، وأثل لا غناء فيه ولا نفع، ولم يبق إلا شيء من سدر قليل، فقد بدل الله أفراحهم أتراحا ونعيمهم بؤسا وسرورهم حزنا، وهربت العصافير والبلابل، وخلفتها البوم والغربان تصحيح فوق الخرائب والقصور المتهدمة.
أما الأهلون الذين كانوا يرفلون في ثوب النعيم والاستقرار فقد نزحوا عن الديار، وتفرقوا في البلاد حتى ضرب بهم المثل فقالوا:(تفرقوا أيدى سبأ) .
ذلك- أى: التبديل والانتقال من حال النعيم إلى البؤس- جزاء بما كانوا يعملون، فقد أعرضوا وكذبوا وكفروا بالله ورسله، فكان هذا، وهل نجازي إلا الكفور؟.
فاعتبروا يا أهل مكة بهؤلاء!! وبعد أن كانوا آمنين مطمئنين ينتقلون بين قراهم ومدنهم المتجاورة الآمنة بلا مشقة ولا خوف للرحلة والنزهة والتجارة القريبة، فكانوا يسيرون فيها ليالي ذوات العدد، وأياما قليلة في أمان وهدوء، تعير الحال وتبدل، وقالوا كفرا وبطرا: ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم، فحق عليهم العذاب، وتمت كلمة ربك فيهم، وجعلناهم أحاديث للناس يضرب بهم المثل، ومزقناهم كل ممزق، وفرقناهم في صحراء العرب، فكان منهم الغساسنة في الشام، وقبائل أنمار في يثرب، وجذام في تهامة والأزد في عمان.
إن في ذلك لآيات لكل صبار كثير الصبر على النعمة وغرورها، شكور لله على ما تفضل، فكثير من الناس أبطرتهم النعمة، وأضلهم المال وغرهم بالله الغرور، فاعتبروا يا أهل مكة، ولا يغرنكم بالله الغرور!! ولقد صدق عليهم إبليس ظنّا ظنه فيهم، فإنه قال: لأغوينهم جميعا، وقال لما طرد:
لأحتنكن ذريته، أى: آدم إلا قليلا، فصدق ظنه فيهم، واتبعوه في إغوائه إلا فريقا منهم هم المؤمنون إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ «1» .
وما كان لإبليس عليهم من سلطان وحجة تتسلط عليهم، لكن كان ذلك لنعلم علم
(1) - سورة الحجر آية 42.