الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات
لِمَ أى: لأى شيء؟ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ المقت: أشد أنواع البغض من أجل ذنب أو معصية أو دناءة يصنعها الممقوت. صَفًّا أى: صافين أنفسهم.
مَرْصُوصٌ والبناء المرصوص: المتلائم الأجزاء المتضام بنظام وحكمة. زاغُوا أى: مالوا عن الحق وانصرفوا عنه. لِما بَيْنَ يَدَيَّ: لما تقدمني من الكتب كالتوراة والزبور. أَحْمَدُ أى: محمد- عليه الصلاة والسلام ولعله خصه بالذكر للإشارة إلى أنه أحمد الناس لربه.
روى عن ابن عباس- رضى الله عنه- أنه قال: قال عبد الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه، وفي رواية أخرى أن هذه الآية نزلت تعيّر المسلمين بترك الوفاء، وتلومهم على الفرار يوم أحد.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله: لأى شيء تقولون ما لا تفعلونه من الخير والمعروف؟! ومدار التوبيخ والإنكار في الحقيقة عدم فعلهم، وإنما وجه إلى قولهم أولا للدلالة على أنهم مؤاخذون على شيئين: الوعد، وترك العمل
«آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»
.
كبر المقت عند الله وفي حسبانه أن تقولوا ما لا تفعلون «1» !! نعم إن قولهم: سنفعل الخير ثم لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، ومبغوض عند الله أشد البغض، ومن هنا كان الخلف في الوعد، والكذب، مذمومين شرعا، ولا يرضى عنهما الله، أما الذي يرضى عنه الله فها هو ذا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ نعم إن الله يحبهم ويرضى عنهم لأنهم يقاتلون في سبيله وابتغاء مرضاته، يقاتلون بنظام ودقة وحكمة صافين أنفسهم مستعدين للقتال على حسب زمانهم، حالة كونهم كالبنيان المرصوص الذي يحمى بعضه بعضا، البنيان المحكم الدقيق الذي لا فرجة فيه ولا خلل، وهذه إشارة إلى إحكام الأمر في القتال والاستعداد له استعدادا مناسبا مع الوحدة والاجتماع التام على الكلمة، ومقابلة العدو بقلوب ثابتة راسخة رسوخ البنيان الشامخ المحكم.
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي؟ وهذا كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال، ومخالفة أمر الرسول، واذكر وقت قول موسى لقومه- والمراد ذكر ما حصل في الوقت-: يا قوم لأى شيء تؤذونني بمخالفة أمرى، وتخلفكم عن القتال حين ندبتم لقتال الجبارين، وقولكم: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ «2» فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «3» .
يا قوم: لم تؤذوننى؟ والحال أنكم تعلمون علما أكيدا أنى رسول الله إليكم، فلما أصروا على الزيغ والانحراف عن الجادة أزاغ الله قلوبهم وصرفها عن الخير لاختيارهم العمى وتركهم الهدى مطلقا، ولا عجب فهم مالوا عن الحق أولا باختيارهم، وهذا بلا شك يؤثر فيهم، فإذا استمروا على ذلك طمس الله على قلوبهم فأمالها عن الحق دائما، وكيف يهديهم ربهم إلى الصواب؟ والله لا يهدى القوم الفاسقين، فاحذروا يا أمة محمد أن تكونوا كهؤلاء، واذكر إذ قال عيسى بن مريم: يا بنى إسرائيل: إنى رسول الله إليكم حالة كوني مبشرا برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد فشريعتى تؤيد
(1)(كبر) فعل يفيد التعجب كبئس، وفاعله ضمير، و (مقتا) تمييز و (أن تقولوا) هو المخصوص بالذم، ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين.
(2)
سورة المائدة آية 22. [.....]
(3)
سورة المائدة آية 24.
الرسل السابقين واللاحقين، وهذا الاسم الجليل- أحمد- من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ويقول حسان بن ثابت:
صلى الإله ومن يحف بعرشه
…
والطيبون على المبارك أحمد
وبشارته- عليه السلام بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم مما نطق به القرآن، وهو الصادق في خبره الذي لا يقبل الشك، فهو الكتاب الوحيد الذي نقل بالتواتر عن صاحبه وقيد كتابة وحفظا قبل لحوق النبي بالرفيق الأعلى، وأما إنكار النصارى لتلك البشارة فأمر لا يعبأ به، كشأنهم في بقية عقائدهم، على أن الإنجيل الذي وصل إلينا فيه البشارة وشأنها أن تكون كناية لا صريحة، ففي إنجيل يوحنا طبع (نيويورك بإمريكا) الإصحاح السادس عشر آية (7) : لكن أقول لكم الحق إنه لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. (8) ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئة وعلى بر وعلى دينونة. (9) أما على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي. (10) وأما على بر فلأنى ذاهب إلى أبى ولا تروني أيضا. (11) وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين (12) إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن (13) وأما متى جاء ذلك ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. (14) ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم.
هذه بشارة بالنبي المرسل الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، يجيء والعالم يكفر بعيسى إذ يعتقد فيه الألوهية أو أنه ابن الله مع أنه ابن مريم، يجيء ليرشد الخلق إلى جميع الحق، فمن غير محمد صلى الله عليه وسلم جاء بهذا؟ على أننا لا ننسى أن هذا ما سلم من التحريف والتغيير والتبديل، والنصارى يؤولون في مثل هذا تأويلا غير مستساغ، ولفظ (البارقليط) ورد كثيرا في كتبهم، قال يسوع المسيح:«إن البارقليط روح الحق الذي يرسله أبى- إلهى- يعلمكم كل شيء» والبارقليط لفظ يفيد معناه الحمد، ولفظ (المعزى) السابق كناية عن خاتم الأنبياء، ولذا جاءت البشارة في إنجيل برنابا صريحة بلفظ (محمد) والظاهر أنها مترجمة عن البارقليط والمعزى.
فلما جاء عيسى- عليه السلام بالمعجزات الظاهرة قالوا: هذا سحر مبين، فانظر إلى الناس جميعا وقد كذبوا برسلهم مع ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق