الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخلق، ويكون في أمر عجيب وشأن خطير، والمراد أن عدد الخزنة أمر عجيب كالمثل.
جُنُودَ رَبِّكَ: أنصاره وأعوانه، والمراد هنا: صنف من الخلق. ذِكْرى لِلْبَشَرِ: موعظة وعبرة.
المعنى:
لقد رسم الله- سبحانه وتعالى الخطوط لنجاح الدعوة المحمدية باستكمال العقل وتحرره من الشرك، وباستكمال النفس بالخلق الكامل والمثل العليا، وبتطهير الجوارح والروح بالبعد عن المعاصي والمحارم، ولقد ذكر صفتين لهما وضع خاص، هما الجود والصبر، وبعد ذلك بين ما يلاقيه الكفار يوم القيامة، ثم أراد أن يشجع الرسول على التبليغ فذكر أحد زعماء الشرك وتوعده بسقر التي هي لواحة للبشر، هذه هي دعائم نجاح الرسول في دعوته، وتلك سنة الله في الدعوات كلها لا يستقيم لها أمر إلا بهذا.
ذرني ومن خلقته وحدي بلا شريك معى، اتركه لي وثق أنى قادر عليه لقد خلقته وحيدا لا مال له ولا ولد ولا حول له ولا قوة، حتى إذا أنعمت عليه بالمال والولد قام يكفر بي ويكذب رسلي، لقد مهدت له الدنيا ووسعتها عليه توسيعا، ثم بعد ذلك يطمع أن أزيده من نعمى، أو ثم يطمع أن أزيده فأرسله رسولا!! كلا إنه كان لآياتنا القرآنية معاندا ومكابرا، وماذا يكون جزاؤه؟ سأرهقه صعودا، أى: سأحمله من العذاب نوعا شاقاّ عليه تضعف عنه قوته كما تضعف قوة من يصعد في الجبل في طريق وعر، وكأن سائلا سأل: كيف كانت حالته في معاندة الآيات حتى استحق هذا العذاب؟ فأجيب: إنه فكر فيها وقدر، وهيأ في نفسه أمرا وأجال فيها رأيا يقوله ليرضى الباطل وأهله.
فقتل كيف قدر؟ ثم قتل كيف قدر؟ وهذا كما يقولون: قاتله الله ما أشجعه! في معرض التعجب والاستعظام مدحا للشخص الذي يقولون فيه هذا الكلام، وكأنه بلغ حدا يجعل حساده يقولون له هذا، ثم شاع هذا الاستعمال حتى صار يقوله كل معجب بشخص أو كل محب له، أما العبارة في الآية فليس المقصود منها المدح، وإنما هي للتعجب المشوب بالذم، أو المدح الذي فيها للتهكم والاستهزاء، ثم بعد أن فكر وقدر نظر في جمهور النادي نظر المفكر الساهم، ثم قطب وجهه وقلص عضلات حاجبيه واشتد ذلك التقطيب متهيئا للكلام والحكم القطعي في شأن الرسول والقرآن.
ولما كان قوله محض افتراء، ونهاية الإعراض عن الحق والإيمان، وكان ناشئا عن كبر وغمط للحقوق عبر عنه القرآن بقوله: ثم أدبر واستكبر، فماذا قال؟ قال: إن الكلام الذي سمعته ما هو إلا سحر يؤثر عن السحرة من البابليين والآشوريين والمصريين، ثم أكد رأيه بأنه سحر معروف وليس من كلام الله بقوله: ما هذا إلا مثل قول البشر الذين عاشوا في القرون الماضية.
ما جزاء هذا؟ سأرهقه صعودا، سأصليه سقر «1» وما أدراك؟ ما سقر «2» ؟ أى شيء أعلمك ما سقر؟ وهذا استفهام يراد به التعجب من هول سقر، وأنه مهما فكر فيها المفكر لا يمكنه أن يعرف من أمرها إلا ما عرفه الوحى من أنها لا تبقى على شيء يلقى فيها إلا أهلكته، ولا تذر أحدا من الفجار يفلت منها، وهي لواحة للبشر تجعل أجسامهم قطعا سوداء متغيرة، عليها تسعة عشر، وهم خزنتها الموكلون بخدمتها وهل هم تسعة عشر ملكا أو صنفا أو صفا أو نقيبا؟ الله أعلم بذلك، وليس لنا أن نبحث في ذلك بعد قوله تعالى: وما أدراك ما سقر؟ على أن المخاطب بذلك سيد البشر.
وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، أى: ليسوا بشرا، وهذا رد على من قال:
سأكفيكم هذه الآية: ثكلتكم أمهاتكم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من هؤلاء!! فيرد الله عليهم: ليس هؤلاء بشرا بل هم ملائكة، فاسألوا عنهم عادا وثمود وأهل قرى قوم لوط، فإنهم يعرفون الملائكة وقوتهم.
وما جعلنا عدتهم- تسعة عشر- إلا ابتلاء واختبارا للناس، وكانت فتنة وضلالا وإعراضا عن الحق، حيث كفر المشركون بهذا وضلوا، فكانت عاقبة أمرهم ضلالا وإعراضا. أما المؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين وأهل الكتاب فازدادوا يقينا على يقينهم، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون بل هم متيقنون، وكان ذلك ليقول الذين في قلوبهم شك ونفاق كالمنافقين، وليقول الكافرون بالوحي: ماذا أراد الله بهذا؟
أى: ماذا أراد الله بهذا القول- عدتهم تسعة عشر- الذي يشبه المثل في الغرابة والبداعة؟ فيخوفنا بواسطته من سقر وخزنتها التسعة عشر.
(1) تعرب هذه بدلا من الأولى بدل اشتمال.
(2)
ما أدراك (ما) مبتدأ و (أدراك) خبر، وجملة (ما سقر) ساد مسد المفعول الثاني لأدرى، وإعرابها خبر مقدم وسقر مبتدأ مؤخر.
مثل ذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء، ويهدى من أراد لهم ذلك لأنهم على استعداد للخير أو الشر، وقد ساروا بمحض اختيارهم في أحد السبيلين.
وما يعلم جنود ربك إلا هو، نعم لا يعلم خلقه إلا هو، وجنود ربك التي هي وسائط في تنفيذ إرادته وأحكامه من الأمور الغيبية التي نؤمن بها فقط.
وما سقر ووصفها بهذا إلا ذكرى وموعظة للبشر، فيخافون ربهم ويبتعدون عن عقابه وعذابه، أما حقيقتها فشيء لا يعلمه إلا الله.
يكاد المفسرون يجمعون على أن قصة التهديد السابقة نزلت في الوليد بن المغيرة فإنه كان كثير المال والولد عظيم الجاه قوى النفوذ، وكان له عشرة أولاد يحضرون مجلسه لكبر سنهم ورجاحة عقولهم، ويقيمون معه لا يغادرون مكة لغناهم وثرائهم.
ولما اشتد الأمر رأى زعماء الشرك أن دعوة النبي محمد آخذة في الانتشار، وأن محمدا سيجتمع بوفود العرب وسيكلمهم في الإسلام. اجتمعوا للتشاور فيما يقولون ليردوا به العرب عن الإسلام، فقال قائل: نقول: إنه شاعر، وقال آخر: لا، إنه كاهن، وقال ثالث: لا، إنه مجنون، وقال رابع: لا، إنه كذاب! كل هذا والوليد يسمع ولا يتكلم فقالوا له: ما لك لا تتكلم؟؟ فقال: لقد سمعت محمدا يقرأ كلاما ما هو بكلام الإنس ولا الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما يقول هذا بشر. فكان لهذا الكلام وقع شديد على المجتمعين، وقالوا: لقد صبأ الوليد- أى: ترك دين آبائه وأجداده- ولتصبأن معه قريش، وتفرق الجمع وكلهم حزين أسيف.
ولكن أبا جهل ذهب لدار الوليد يحتال عليه وأخذ يكلمه بكلام يثير فيه الحمية الجاهلية، والنخوة الكاذبة فقال له: لقد تركنا قريشا تجمع مالا حتى تكفيك تعرضك لمحمد وماله، فقال الوليد: لقد علمت قريش أنى من أكثرها مالا، فهل أنا محتاج لكسر محمد اليتيم؟ قم بنا إلى دار الندوة، ولأقول كلاما أصحح به وضعي.
اجتمع الناس فقال الوليد: إن محمدا ليس بشاعر، ولا كاهن، ولا كاذب- لقد وصف القرآن الوليد في تلك اللحظة الرهيبة وصفا دقيقا جدّا- فقال: