الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَسَيْتُمْ: عسى للتوقع، وهي هنا من الله فتفيد التحقق. أَقْفالُها: جمع قفل.
سَوَّلَ: زين لهم خطاياهم. وَأَمْلى لَهُمْ: مد لهم في الأمل ووعدهم بطول الأجل. إِسْرارَهُمْ أى: سرهم، وفي قراءة: أسرارهم على أنه جمع سر.
وَأَدْبارَهُمْ المراد: ظهورهم. مَرَضٌ المرض: فتور في الجسم، ولا شك أن النفاق فتور في الإيمان، وعلى ذلك فسمى الله شكهم ونفاقهم مرضا. أَضْغانَهُمْ:
أحقادهم الدفينة. بِسِيماهُمْ: بعلامتهم. فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أى: بسببه، ولحن القول: صرف الكلام عن التصريح إلى التلويح والتعريض. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:
نعاملكم معاملة المختبر بالتكليف بالجهاد. وَشَاقُّوا الرَّسُولَ: خالفوه حتى كأنهم في شق وجانب، وهو في شق وجانب. وَسَيُحْبِطُ: سيبطل.
المعنى:
المؤمنون الصادقون حريصون على الجهاد، تواقون لبذل النفس والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله، ولذلك يقولون حرصا منهم على الجهاد وثوابه: هلا أنزلت سورة يؤمر فيها بالجهاد! هؤلاء هم المؤمنون يتمنون أن تنزل سورة وفيها الأمر بالجهاد، أما المنافقون فإذا أنزلت سورة محكمة، لا شبهة فيها ولا خفاء، وذكر فيها القتال على أنه فرض واجب على المسلمين رأيت، ويا هول ما رأيت! رأيت الذين في قلوبهم مرض الشك، ينظرون إليك نظرا كنظر المحتضر الذي لا يطرف بصره، تراهم تشخص أبصارهم إليك جبنا وهلعا، أو من شدة العداوة لك، أو من خوف الفضيحة الفاضحة لهم، وما أروع تصوير القرآن لهم حيث قال:
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فأولى لهم. ثم أولى لهم «1» ! وهذا تهديد لهم ووعيد بقرب هلاكهم، وحصول الويل لهم.
(1) - أولى لهم مبتدأ وخبر.
طاعة وقول معروف خير لهم وأولى بهم «1» وقيل المعنى: أولى بهم من النظر إليك نظر المغشى عليه من الموت طاعة وقول معروف «2» .
فإذا عزم الأمر وجد الجد، فلو صدقوا الله في نيتهم وأخلصوا العمل لكان «3» خيرا لهم وأفضل من نفاقهم وكذبهم، فإن وبال ذلك عليهم وحدهم.
فهل يتوقع منكم إن توليتم عن الحق، وأعرضتم عن القرآن أن تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وتقطعوا الأرحام؟ وهذا التوقع والاستفهام إنما يكون مع غير الله من كل إنسان يقف على أمور المنافقين، ويعرف إسرارهم على حقيقته، والتوقع من الله إنما هو إخبار عن شيء حاصل قطعا وعلى ذلك فمعنى الآية: هؤلاء المنافقون ضعاف في الدين شديد والحرص على الدنيا بشكل ظاهر، فهم جديرون بأن يتوقع منهم الإفساد لا الإصلاح وتقطيع الأرحام لا صلتها، كل إنسان عرف حالهم ويقول لهم: فهل عسيتم
…
؟ والمراد بإفسادهم وتقطيع الأرحام أنهم يعودون إلى الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء التي كانوا فيها، يعودون إليها بعد أن رأوا نور الهدى على يد خير الخلق، وبين سطور القرآن الكريم، فهل يفهم المسلمون الآن أنهم تولوا عن القرآن وأعرضوا عن الدين فأفسدوا في الأرض الفساد، وقطعوا وشائج الأرحام فصب عليهم ربك سوط عذاب حتى وصلوا إلى ما وصلوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!! أولئك الذين لعنهم الله وأبعدهم عن رحمته، فأصمهم عن الحق فلم يسمعوه وأعمى أبصارهم عن النور فلم يروه.
أفلا يتدبرون القرآن، وما فيه من مواعظ وزواجر؟ حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات؟! بل أعلى قلوب أقفالها؟ حتى لا يمكن التدبر والاتعاظ بها، وهم كذلك.
(1) - وعلى ذلك فطاعة مبتدأ وخبره محذوف تقديره خير لهم.
(2)
- وعلى ذلك فأولى مبتدأ ولهم متعلق به على أن اللام بمعنى الباء وطاعة خبر.
(3)
- جواب الشرط (إذا) قوله: فلو صدقوا الله، ولا يضر اقترانه بالفاء، وجواب (لو) قوله: لكان.
إن الذين ارتدوا على أدبارهم، وكفروا بعد إيمانهم، كل ذلك من بعد ما تبين لهم الهدى، وظهر لهم الحق جليا، إن الذين وصفوا بهذا: الشيطان سول لهم وزين خطاياهم «وأملى لهم، أى: مد لهم في الأمل» ، ووعدهم بطول العمر ومد الأجل، هذا الكلام قيل: إنه في أهل الكتاب، والظاهر أنه في المنافقين، والكلام موصول فيهم لا مقطوع بدليل قوله: ذلك الارتداد والكفر بعد الإيمان بسبب أنهم قالوا: أى المنافقون الذين كرهوا ما أنزل الله، وهم بنو قريظة والنضير من يهود المدينة قالوا لهم:
سنطيعكم في بعض الأمر أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [سورة الحشر آية 11] والله يعلم إسرارهم وإخفاءهم.
فكيف حالهم؟ إذا توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم «1» حالة كون الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وضرب الوجه والظهر في حالة الحرب مما يتقيه الكريم، فهم تجنبوا ذلك في الدنيا فضربوا عليها في الآخرة، وذلك كله بسبب أنهم اتبعوا ما أسخط الله من الكفر والمعاصي وكرهوا رضوانه وطاعاته، فأحبط أعمالهم، وأبطل كيدهم، بل أحسب الذين في قلوبهم مرض النفاق أن لن يخرج الله أضغانهم، ويظهر حقدهم وحسدهم المدفون؟ لا تظنوا هذا فالله عالم يعلم الغيب والشهادة، وهو العليم بذات الصدور.
ولو يشاء ربك يا محمد أن تراهم وتعرفهم لعرفك إياهم، فلتعرفنهم «2» بعلامتهم الدالة عليهم، ولتعرفنهم بسبب لحن القول وفحواه.
والمعنى: إنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرضونه عليك من القول ولحنه، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه بقوله، واستدل بفحوى كلامه على فساد باطنه، وضعف إيمانه ونفاقه، ولا غرابة فالله يعلم أعمالكم الظاهرة والخافية.
(1) - الفاء فاء التفريع لترتب ما بعدها على ما قبلها، وكيف خبر لمبتدأ محذوف وتقديره حالهم.
(2)
- الفاء هنا فاء تفريع لمعرفته صلى الله عليه وسلم على تعريف الله عز وجل واللام بعدها كاللام في لأريناكهم واقعة في جواب لو، واللام في «ولتعرفنهم» جواب قسم محذوف.