الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي هذه الآيات تكلم الحق- تبارك وتعالى عن نزول القرآن وأنه من عند الله الموصوف بصفات ست، ثم تعرض للكفار الذين كفروا به وجادلوا بالباطل ومآلهم.
ثم تعرض لموقف من آمن به وطمأنهم غاية الاطمئنان حيث جعل الملائكة تدعو لهم وتستغفر للمؤمنين.
المعنى:
هذا القرآن الكريم الذي بين يديك يا محمد تنزيله من الله، فأنت صادق فيما تدعيه من أنك رسول الله وأن القرآن من عند الله، هذا القرآن يجب اتباعه، والسير على طريقته لأنه منزل من عند الله الخالق لكل شيء، القادر الذي له ملك السموات والأرض، العزيز الذي لا يغلبه غالب، العليم الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب والشهادة، وهو مع هذا يغفر الذنوب جميعا ويقبل التوبة من عباده لأنه كتب على نفسه الرحمة، وهو مع هذا شديد العقاب لمن عصى وبغى، ولم يرع ذمة ولا عهدا، ولم يرجع نادما تائبا عما فرط منه، وهو صاحب الطول، وواهب الفضل ومجزل العطاء، وصاحب النعم في السراء والضراء، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، ترى أن الله وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه لما كان جديرا بهذه الصفات ولما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحدا ليس له شريك ولا شبيه، كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، وكانت هذه الصفات به جديرة.
فلذلك قال هنا: لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه، واعلموا أنه إليه وحده المرجع والمآب فاحذروا عقابه وارجوا ثوابه. روى عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فقيل له: تتابع في هذا الشراب وأصبح من أهل المدام، فقال عمر لكاتبه: اكتب إليه: سلام عليك وأنا أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ.. إلى قوله إِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم أمر عمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته صحيفة عمر، جعل يقرؤها ويقول: وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه وذكرني بنعمه فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع نفسه مما هي
فيه وتاب فأحسن التوبة، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه.
هذا هو القرآن الكريم الذي أنزل على النبي الصادق الأمين، والذي أنزله رب العالمين غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذو الطول. لا إله إلا هو إليه المصير، فهل آمن به كل الناس؟ لا: من الناس من كفر بالله وجادل في كتاب الله جدالا بالباطل الذي لا حق فيه، وقال تمويها وتضليلا: إنه سحر أو شعر أو كهانة أو هو أساطير الأولين، وإنما يعلمه بشر، وأمثال هذا كثير مما كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ولذا يقول الله هنا: ما يجادل في آيات الله جدالا بالباطل لا بالحق، وإلا فالجدال لإظهار الحق ولتفهم المعنى مطلوب شرعا، ما يجادل بالباطل إلا الذين كفروا، وهؤلاء سنريهم آياتنا، وحسابنا العسير لهم في الدنيا والآخرة، فلا يغررك ما هم فيه من نعمة، ولا يهمنك تمتعهم في الدنيا فهو متاع قليل، مأواهم جهنم وبئس المصير، انظر تر أن العذاب الذي لحقهم سببه أنهم عزموا على إيذاء الرسول وقتله، وجادلوا بالباطل لإزهاق الحق فكانوا بذلك من أصحاب النار.
وهذه سنة الله مع من يكذب رسله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فقد كذبت قبلهم قوم نوح، وكذبت عاد وثمود وقوم فرعون وإخوان لوط، هؤلاء تحزبوا ضد أنبيائهم، وتجمعوا للكيد بهم، وعزمت كل أمة منهم لتأخذ رسولها أسيرا فتهلكه وتقتله، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين، فعلوا هذا، وما علموا أن الله ينصر رسله ويدافع عنهم وعمن آمن معهم.
وهؤلاء الذين كذبوا رسل الله وهموا أن يأخذوا رسلهم ليقتلوهم، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ويطمسوا معالمه، أخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر، فكيف كان عقاب؟! وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ أى: كما وجب وثبت حكمه- تعالى- وتحقق هلاك هؤلاء المتحزبين على الأنبياء، وجب وتحقق حكمه- سبحانه وتعالى بالإهلاك على هؤلاء المتحزبين عليك أيضا من قريش لأنهم أصحاب النار «1» فالسبب واحد والعلة واحدة.
(1) هذا إشارة إلى أن (أنهم) منصوبة بنزع الخافض، ويجوز إعرابها بدلا، (وأن وما دخلت عليه) بدل من (كلمة ربك) .