الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دياركم وأموالكم وأوطانكم لا لشيء أبدا إلا لأنكم تؤمنون بالله ربكم، عجبا كيف تجعلونهم أولياء وتسرون إليهم بالمودة؟!! إن كنتم خرجتم للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته فلا تتخذوهم أولياء، أى:
لا تتولوا أعدائى إن كنتم أوليائى.
كيف تلقون إليهم بالمودة؟ تسرون «1» إليهم بأخبار الرسول سرّا، وأنا أعلم السر وأخفى، نعم الله يعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل، وأخطأ طريق الهدى والحق.
كيف هذا مع أنهم إن يظفروا بكم ويدركوكم- على أى وضع- يكونوا لكم أعداء ويعاملوكم معاملة العدو اللدود، ويسطوا إليكم أيديهم بالضرب والسبي والقتل وألسنتهم بالشتم والسب والذم، ولا عجب فإنهم يودون من صميم قلوبهم لو تكفرون.
وما لكم توادون أعداء الله وأعداءكم من أجل قرابتكم وأولادكم؟ مع أنه لن تنفعكم أرحامكم ولا قراباتكم، ولن تنفعكم أولادكم وأموالكم في شيء، يوم القيامة يفصل بينكم ويقضى بحكمه فاعملوا لأجل هذا اليوم، وانظروا ماذا قدمتموه لهذا الغد، واعلموا أن الله بما تعملون بصير فسيجازيكم على كل عمل.
أسوة إبراهيم في هذا:
كيف تتخذون أعدائى وأعداءكم أولياء؟ ألا تقتدون بأبيكم إبراهيم؟ قد كانت لكم أسوة حسنة، وقدوة طيبة في أبيكم إبراهيم الخليل والذين معه من المؤمنين إذ قالوا «2» لقومهم: إنا برآء منكم ومما تعبدون فنحن لا نعتد بكم، ولا نحفل بآلهتكم بل أنكرنا، وبدا بيننا وبينكم العداوة لا المحبة، والبغضاء لا الصداقة في كل وقت، كل هذا حتى تؤمنوا بالله وحده، وتكفروا بشرككم. اقتدوا بأقوال إبراهيم وأفعاله إلا قوله لأبيه: لأستغفرن لك.
واستثناء قول إبراهيم هذا من الأسوة- الحسنة، لأنها- واجب اتباعها وتقليد إبراهيم فيها حيث ذكر بعدها هذا الوعيد وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
(1) هذه الجملة بدل بعض من كل في قوله تلقون.
(2)
(إذ قالوا) بدل اشتمال من (إبراهيم) .
واستغفار إبراهيم لأبيه حيث لم يعرف إصراره على الكفر وموته عليه بمعنى الدعاء له بالتوفيق جائز شرعا بدليل قوله: فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، والحكم في الإسلام على هذا بالجواز حيث لم نعلم أن الكافر مصر على الكفر أو مات عليه، فالاستغفار بهذا المعنى جائز لا واجب، ولهذا استثنى من القدوة الواجب اتباعها، وبعضهم أجاب عن هذا بقوله: إبراهيم- عليه السلام استغفر حيث لم يعلم إصرار أبيه، وقد كان وعده، أما أنتم فتعرفون إصرار هؤلاء وفظاعة عنادهم وشدة كراهيتهم لكم فلا ينبغي أبدا أن تجاملوهم وتدعوا لهم بالخير بعد أن وصف الله لكم نياتهم ورأيتم أفعالهم، وهذا تخريج حسن بلا شك.
لأستغفرن لك ربي والحال أنى لا أملك لك من الله شيئا فاعمل بما يرضيه فلن أغنى عنك من الله شيئا يا أبت! ربنا: عليك توكلنا، وإليك وحدك أنبنا وتبنا، وإليك وحدك المصير.
ربنا: لا تجعلنا فتنة للذين كفروا فتعذبنا على أيديهم أو بعذاب من عندك فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل فيفتنوا لذلك، وللأسف ما يحصل اليوم هو هذا. فيا رب لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا سيئاتنا، وقنا عذاب الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
لقد كان لكم في إبراهيم ومن معه أسوة حسنة لمن «1» كان يرجو الله واليوم الآخر، ومن يتول عن ذلك، ولا يقتدى بالصالحين فليعلم أن الله هو الغنى عنه وعن عمله، المحمود في السموات والأرض، وهذا تهديد لمن لا يقتدى بالقدوة الحسنة.
وأما أنتم- أيها المسلمون- فلا يشقن ذلك عليكم عسى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتموهم في الدين من أقاربكم وأهليكم المشركين، عسى الله أن يجعل بينكم وبينهم مودة وصلة وأخوة في الإسلام، والله على كل شيء قدير، وهو الغفور لما فرط من الذنوب الرحيم بخلقه إذا تابوا وأنابوا.
(1) بدل من (لكم) بإعادة حرف الجر وهذا كثير لغة.