الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
سَأَلَ سائِلٌ: السؤال يكون تارة بمعنى طلب الشيء واستدعائه، ويعدّى حينئذ بالباء فتقول: سألت بكذا، أى: طلبته وعليه قوله: ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ أو بمعنى الاستبخار عن الشيء اعتناء به، ويعدى عند ذلك بعن أو بالباء تقول: سألت عنه وعن حاله. وسألت به وبحاله، وعليه قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً دافِعٌ:
مانع وواق. الْمَعارِجِ: هي المصاعد والدرجات. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ تصعد، والمراد تلقى الأوامر والنواهي. كَالْمُهْلِ: هو مائع كالزيت، أو مائع الفلزات- المعادن- المذابة. ولها لون خاص ضارب إلى الخضرة أو الحمرة. كَالْعِهْنِ: هو الصوف الملون، وقيل: المنقوش. حَمِيمٌ الحميم: صديق المرء وقريبه الذي يهتم به. وَصاحِبَتِهِ: زوجته. وَفَصِيلَتِهِ فصيلة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون. كَلَّا: كلمة ردع وزجر للمخاطب عن اعتقاد أو رأى أو عمل تغالى في التمسك به. لَظى: نار ملتهبة. نَزَّاعَةً لِلشَّوى: هي أعضاء الجسم الخارجية كاليدين والرجلين مثلا، وقيل: هي جلدة الرأس.
كان المشركون حين يهددهم النبي بعذاب الله يستخفون به وبتهديده، وينكرون عليه ذلك، بل ويستعجلونه استهزاء به حتى قال زعيمهم في ذلك وهو النضر بن الحارث: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وربما كان هذا الموقف مع النبي مما يثير نفسه، ويجعله يتمنى أن لو نزل عليهم عذاب يردع أمثالهم فيؤثر هذا في انتشار الدعوة الإسلامية، فأنزل الله هذه الآيات ليطمئن النبي صلى الله عليه وسلم وليهددهم بعذاب واقع عليهم لا محالة، ثم يأمره بالصبر الجميل.
المعنى:
سأل سائل «1» وطالب بعذاب واقع، وكان النضر بن الحارث هو الذي طلب هذا واستدعاه، أو سألك سائل عن عذاب واقع طالما حدثتهم به، ويحتمل أن يكون السائل هو النبي صلى الله عليه وسلم وسياق الآية لا يأباه.
(1) - والتنكير للتحقير، وإذا كان السائل هو النبي فالتنكير للتعظيم.
لقد أجاب الله عن هذا السؤال بقوله: هو للكافرين، ليس له دافع، أى: هذا العذاب معد ومهيأ للكافرين، ليس له مانع يمنعه من الله رفيع الدرجات صاحب المعارج والمراقي إلى الكمالات وهذه المعارج إذا نسبت إلى الحق- تبارك وتعالى كانت بمعنى علو الذات وترفعها عن النقائص ووصفها بكل الكمالات.
تعرج وتصعد إليه الملائكة- وخاصة جبريل- في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سنى الدنيا، تعرج إلى حظيرة القدس، حيث يفاض عليها من التجليات الإلهية، والأوامر الربانية ما به يحصل النظام العام للكون، وما يتعلق بتدبير الكائنات، فليس عروجهم وصعودهم إلى مكان لأنه منزه عن الحلول بالمكان.
وهل هذا اليوم الطويل هو كناية عن أيام الدنيا أو الآخرة؟ قيل بهذا وبذاك، والله أعلم بكتابه، على أن المراد بقوله:(خمسين ألف سنة) هو الكثرة المطلقة لا التحديد بهذا العدد، والعرب تفعل هذا كثيرا في كلامها.
بقي أن نفهم السر في الارتباط بين سؤال السائل والعذاب الواقع، وبين عروج الملائكة وترددها بين الله- سبحانه وتعالى وبين هذه الأكوان بما يريده منها ويقضيه فيها.
الجواب: أن المعنى: هذا معد للكافرين، ليس لهم ما يمنعهم من عذاب الله أبدا، ثم نبههم بقوله: تعرج الملائكة
…
الآية إلى أن هذا العذاب إنما يرونه بعيدا لطول مدة الدنيا في نظرهم، مع أنها ليست كذلك عند الله تعالى، وبالنسبة إلى الأحقاب التي تربط الأبد بالأزل، سوى يوم واحد تعرج فيه الملائكة إلى الله بالتدبير لهذه الدنيا التي ترونها خمسين ألف سنة، فما لكم تستعجلون العذاب؟ فهم يرون العذاب بعيدا جدّا لأن الدنيا في نظرهم طويلة جدّا، وأما عند الله فالدنيا يوم واحد وزمن قليل فما لكم تستبطئون الحساب؟ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «1» ترى أن الله قدر اليوم عنده بألف سنة مرة، وأخرى بخمسين ألف سنة، والمراد الكثرة لا التحديد بزمن- والله أعلم- وقيل: المراد باليوم هو يوم القيامة وصف بأنه خمسون ألف سنة تهويلا وتخويفا للكفار، والخلاصة أن المراد وصف اليوم بالطول مطلقا.
(1) - سورة الحج آية 47.
إذا كان الأمر كذلك فاصبر يا محمد صبرا جميلا لا قلق معه، فإن الموعود به حاصل لا محالة إنهم يرون العذاب الذي يتوعدهم به النبي بعيدا زمانه ونراه قريبا. يوم تكون السماء كدردي الزيت أو مائع النحاس أو الحديد المذاب في النار، والمراد تغير الوضع واختلاف الحال، وتكون الجبال كالصوف المندوف يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [سورة القارعة الآيتان 4 و 5] .
هذه حال السماء والأرض في ذلك اليوم، أما حال الخلائق فهي كما وصف الله، الناس في شغل شاغل فلا يسأل حميم حميما، ولا قريب قريبا إذ كل عنده ما يغني يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ «1» هل هم لا يسألون أحماءهم وأقاربهم لأنهم لا يرونهم؟ الجواب: إنهم يبصرونهم أى: قد جعلهم الله لا يبصر بعضهم بعضا، ولكن لكل منهم ساعتها شأن يشغله عن أى شيء آخر، ومع هذا فيود كل امرئ منهم من صميم قلبه لو يفتدى نفسه من هول ذلك اليوم بأحب الناس إليه وأعزهم عليه كأولاده وزوجته وإخوته وعشيرته التي تؤويه بل يود لو يفتدى نفسه بمن في الأرض، ثم ينجيه من هذا العذاب البئيس الذي هو فيه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة المائدة آية 36] .
وكأن المكذبين بيوم الدين السائلين عن العذاب المستعجلين له، يتعللون بالأمانى الكاذبة، وأنهم يفدون أنفسهم من هذا العذاب، فكذبهم القرآن وردعهم عن هذا بقوله:«كلا» إن جهنم التي أعدت لهم نار محرقة، لهبها شديد لا منجى منها ولا هرب، تكون نزاعة للأطراف من الأرجل والأيادى، وتنزع كذلك فروة الرأس، فما أصبرهم عليها!! هذه النار تدعو من أدبر عنها وتولى، أو من أدبر عن الحق وأعرض عنه في الدنيا، هذا الدعاء على حقيقته كما روى عن ابن عباس أو هو مجاز «2» .
وتدعو من جمع المال فجعله في وعاء وحفظه وكنزه ولم يؤد حقوق الله فيه، فليس الجمع وحده معيبا، وإنما المعيب الجمع مع عدم إخراج حقوق الفقراء والمساكين فيه.
(1) - سورة عبس الآيات 34- 37.
(2)
- حيث شبه تهيؤ جهنم وظهورها للمكذبين وتفتح أبوابها ووقوف الخزنة عليها شبه هذا بالدعاء والطلب لهم، وهذا ما يسمى بلسان الحال، وهذا كثير الشيوع في لسان العرب.