الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القرآن والقتال [سورة محمد (47) : الآيات 4 الى 9]
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (6) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8)
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9)
المفردات:
لَقِيتُمُ المراد: لقيتموهم في الحرب. فَضَرْبَ الرِّقابِ أى: فاضربوا الرقاب ضربا، وضرب الرقاب مجاز عن القتل. أَثْخَنْتُمُوهُمْ: أكثرتم القتل فيهم.
فَشُدُّوا الْوَثاقَ الوثاق: هو الحبل الذي يوثق به الأسير كالرباط، وشده إحكام ربطه حتى لا يفلت. فَإِمَّا مَنًّا فإما تمنون منا، أى: تطلقونهم من غير فدية.
وَإِمَّا فِداءً وإما تفادونهم فداء، أى: تطلقونهم في نظير فداء بعض أسراكم عند المشركين. أَوْزارَها: جمع وزر، وهو الحمل، والمراد: أثقالها وأحمالها، وهذا كناية عن انتهائها. فَتَعْساً لَهُمْ أى: هلاكا لهم وخيبة.
جاء الإسلام ينشد العدالة ويدعم أسس الحق، وينشر لواء الحرية، وينادى بأن الناس أحرار في كل ما يفعلون أو يعتقدون في حدود الحرية المكفولة لهم، ولهذا كانت
دعوته الناس إلى الإسلام بلا إكراه ولا قتال: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [سورة البقرة آية 256] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [سورة النحل آية 125] وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [سورة ق آية 45] .
وجاءت آيات في القرآن تدعو إلى القتال وتحث عليه، فعلى أى وجه نفهمها؟ نعم وردت آيات القتال لتنظيم تلك الغريزة الفطرية المطبوع عليها الخلق منذ بدء الخليقة ووضع حدود ثابتة لها، وتوجيهها الوجهة الصالحة، لتكون أداة تعمير لا تخريب.
فرسالة الإسلام إذا لم تحمل الناس على ظبا السيوف، ولم يعتنقها بعضهم تحت ظلال الحراب، وإنما كان طريق الإسلام دائما دعوة رقيقة وموعظة حسنة، مع دعم الرأى بالحجة والبرهان الناصع، فمن قبل الدعوة الإسلامية كان من المسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم، لا فضل لعربي على أعجمى إلا بالتقوى، والناس سواء، كلكم لآدم وآدم من تراب، ومن أبى الدخول في الإسلام فرضت عليه الجزية دليلا على إذعانه، وبرهانا على حسن نيته للمسلمين وتمهيدا لهدايته فعسى أن يشرح الله صدره للحق والخير ويدخل في الإسلام هو أو ابنه من بعده، ومساهمة منه في جيش الدولة التي تحميه، ومن لم يقبل الدعوة ورفض أن يدفع الجزية وجب قتاله، وليس ذلك اعتداء بل ردا لخطر لا شك في وقوعه، وتأمينا للدعوة.
فالإسلام لا يطالبنا بأن نقاتل أهل الكتاب أو الوثنيين أو المجوس مثلا من غير سبب، وإنما يطالبنا بأن ندعوهم إلى الإسلام فإن تركونا أحرارا في بث الدعوة وإقامة البراهين عليها فلا نقاتلهم، وإن قاوموا الدعوة أو اعتدوا على الدعاة قاتلناهم تقريرا لمبدأ الحرية الدينية وحماية للدعوة وكفا لأذاهم، وقد طبق الإسلام هذا المبدأ مع المخالفين جميعا كتابيين ووثنيين، فكان يعرض عليهم أولا الدخول في الإسلام فإن قبلوا ذلك كانوا كالمسلمين، وإن رفضوا هذا العرض وتمسكوا بمعتقداتهم مع ترك الدعاة أحرارا وجب على المسلمين ألا يقاتلوهم أو يعترضوهم في شيء فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [سورة النساء آية 90] .
فإن لم يقبلوا الإسلام واعترضوا دعوته وآذوا دعاته ونقضوا عهودهم كان ذلك إعلانا منهم بالمناوأة، وهؤلاء نطالبهم بالجزية دليلا على الخضوع وكف الأذى، فإن دفعوها أصبحوا رعية للدولة الإسلامية عليها حمايتهم ورعايتهم وتأمينهم على أموالهم
وأنفسهم، وكانت الجزية مقدار ما يتحملون من تكاليف الجيش الإسلامى المدافع عنهم وإن رفضوا دفع الجزية قاتلناهم حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [سورة التوبة آية 29] أى: عن قوة والحال أنهم خاضعون للحكم الإسلامى.
أما مشركو العرب: فقد فرق الإسلام بينهم وبين غيرهم من المشركين فكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو الحرب بينما كان يخير غيرهم في الإسلام أو الجزية أو الحرب، ولعل السبب في ذلك أنهم وقفوا من المسلمين موقفا شاذّا وعاملوهم معاملة قاسية، وعملوا جاهدين على إطفاء نور الإسلام وحاربوه حرب إبادة لا هوادة فيها وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة 217] ولا تتحمل الجزيرة العربية دينا يعبد الله ودينا يعبد الأصنام.
فكان القتال معهم منحصرة أسبابه في رد العدوان، وقطع الفتنة، وتأمين الدعوة وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [سورة البقرة آية 193] .
ومن هنا نفهم معنى
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلّا الله»
فالمراد بالناس هم مشركو العرب خاصة.
ونفهم إذا سر التشديد في قتال المشركين، وأنهم هم المقصودون بالذين كفروا في هذه الآية، ويكون معناها ما يأتى:
إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتم المشركين في الحروب فاضربوا الرقاب ضربا شديدا وكثيرا، ولعل إيثار هذه العبارة على قوله: فاقتلوهم للإشارة إلى أن القتل يجب أن يكون بإطاحة الرءوس وإزاحتها عن البدن، وبقائه ملقى على صورة منكرة، وفي هذا تشجيع للمسلمين وأى تشجيع!.
إذا لقيتموهم في المعركة فالواجب بذل الجهد في قتل الأعداء دون أخذهم أسرى حرب لأن ذلك يجعلنا أعزة وهم أذلة حتى إذا أثخناهم في المعركة جرحا وقتلا، وتم لنا الرجحان عليهم فعلا رجحنا الأسر المعبر عنه في هذه الآية بشد الوثاق لأنه يكون حينئذ من الرحمة الاختيارية، وتكون الحرب ضرورة تقدر بقدرها، وليس المراد بها سفك الدماء وحب الانتقام، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة التي أثخنتموهم قتلا وجرحا فيها مخيرون في أمرهم إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أسراهم بلا مقابل، وإن شئتم
فاديتموهم بمال تأخذونه منهم أو برجال أسرى عندهم، وهو ما يعبر عنه الآن بتبادل الأسرى، والظاهر- والله أعلم- أن هذه الآية نزلت بعد غزوة بدر التي عاتب الله النبي فيها على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذ منهم الفداء ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة الأنفال آية 67] .
وعلماء الأحناف يرون أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة 5] وعند الأكثرين أنها ليست بمنسوخة والإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله بعد المعركة وانتهائها فالإمام عقب المعركة مخير بين الأسر أو القتل، فإذا أسر له أن يمن أو يفادى، وليس له القتل.
وعلماء الشافعية يقولون: إن الإمام مخير بين أربعة خصال، يختار الأحسن منها للإسلام والمسلمين، فله أن يقتل الأسير إن لم يسلم، أو يمن عليه بلا مقابل، أو يفاديه بمال أو بفك أسير عندهم منا، أو استرقاقه، وقد استدلوا على ذلك بأن النبي من على أبى عزة الجمحي، وعلى ثمامة بن أتاك، وفدى رجلا برجلين من المشركين، وأمر بقتل بعضهم، كالنضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، وذلك كله ثابت في كتب التاريخ والسير والسنة.
وهذه الأحكام كلها جارية معهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم وعودة البشرية إلى حالة الهدوء والطمأنينة والحرية الكاملة، وهذا ما ينشده الأئمة والمصلحون، أما تحققه فهو موكول إلى الله، وهذا معنى قوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها «1» الأمر ذلك فاعرفوه، ولو شاء الله لانتصر لكم بإهلاكهم بعذاب من عنده لا جهاد لكم فيه، ولكن مضت سنته وشاءت قدرته أن يجعل سعادة الدنيا والآخرة للناس بأعمالهم وجهادهم، وذلك ليمحص الله الذين اتقوا ويعلم علم ظهور المنافقين من غيرهم.
والذين قتلوا في سبيل الله، واستشهدوا في سبيل الدفاع عن الحق ونصرته فلن يضل أعمالهم، بل سيجازيهم عليها أحسن الجزاء: سيهديهم ويصلح حالهم «2» ، ويدخلهم
(1) - في هذه العبارة مجاز في الإسناد، والمراد حتى تضع أهل الحرب، ومجاز في الحرب أطلق وضع آلة القتال وأراد تركه.
(2)
- الجملة واقعة موقع البيان مما قبلها ولذا فصلت.