الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
ق تقرأ هكذا. قاف بإسكان الفاء، وهي قراءة حفص المشهورة.
عَجِيبٌ العجيب: الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب والأعجوبة.
رَجْعٌ أى: رجوع. تَنْقُصُ: تأكل. مَرِيجٍ: مضطرب.
فُرُوجٍ: شقوق تعيبها. زَوْجٍ: صنف من النبات. بَهِيجٍ: يحصل به السرور. مُنِيبٍ: راجع إلى الله وتواب. جَنَّاتٍ: جمع جنة وهي البستان.
الْحَصِيدِ: ما يحصد كالشعير والقمح وغيرهما. باسِقاتٍ: طويلات.
نَضِيدٌ: متراكب بعضه فوق بعض.
المعنى:
لقد افتتح الله هذه السورة الكريمة بحرف من حروف المعجم، ثم بالكلام على القرآن الكريم، وهذا هو الشأن العام في السور المكية المفتتحة بالحروف التي لا تزال سرّا بين الله والنبي فالله ورسوله أعلم بها..
ولقد أقسم الحق- تبارك وتعالى بالقرآن المجيد على أنك يا محمد جئت منذرا بالبعث، فشكوا في صدقك، ويا ليتهم ظلوا في شكهم يتحيرون بل جزموا بخلاف ذلك وأنكروا البعث مطلقا حتى جعلوا إثبات البعث من الأمور العجيبة بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
وفي وصف القرآن بالمجيد بيان لاشتماله على المكارم الدينية والدنيوية التي تكفل السعادة لمن اتبعها في الدارين، ولعل وصف القرآن بذلك لأنه كلام الإله المجيد الرحمن الرحيم ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ
…
هؤلاء الكفار عجبوا لأن جاءهم رسول منهم ينذرهم بالبعث، فأنكر الله عليهم تعجبهم مما ليس بعجب «1» ، وهو أن ينذرهم رجل منهم قد عرفوا فيه العدالة والصدق والأمانة حتى لقبوه بالأمين، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحا لقومه عطوفا عليهم رائدا لهم غير كاذب عليهم- كما أقروا له بذلك قبل البعثة- ومثل هذا الرجل إذا رأى خطرا عليهم أنذرهم به، والنبي صلى الله عليه وسلم أنذرهم بما هو غاية في المخاوف، ونهاية في المتاعب لو ظلوا على شركهم، والله- سبحانه وتعالى ينكر عليهم تعجبهم مما أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة الله- تعالى- على خلق السموات والأرض وما بينهما، وإقرارهم له بأنه خلق العالم أولا، والعقل شاهد عدل بإمكان البعث بل لا بد منه ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالحسنى، وليجزي الذين أساءوا بالسوء.
فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ وتلك حكاية لتعجبهم «2» والإشارة لكونه صلى الله عليه وسلم منذرا بالقرآن، والكلام عن هؤلاء الكفار أولا بالإضمار في قوله: بَلْ عَجِبُوا ثم بالإظهار في قوله: فَقالَ الْكافِرُونَ للإشارة إلى تعيينهم بما أسند إليهم أولا، والتسجيل عليهم بالكفر ثانية.
ثم أكدوا تعجبهم من الإيمان بالبعث فقالوا: أإذا متنا وكنا ترابا نبعث؟!! أى: حين نموت ونصير ترابا نرجع؟ إن ذلك رجوع بعيد جدّا عن الأوهام والعقول والواقع.
ترى أن أساس إنكارهم للبعث وتعجبهم منه أنهم يظنون أن إعادة الجسم بعد التفرق والانحلال والصيرورة إلى تراب أمر بعيد جدّا بل هو محال، ومن الذي يجمع الجزئيات بعد تفرقها في التراب أو ذهابها في بطون السباع والوحوش والأسماك؟ ومن الذي يحصى
(1) - لأن قوله تعالى: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ بل للإضراب الإبطالى مع تقدير استفهام إنكارى لعجبهم هذا.
(2)
- والفاء للتفصيل مثلها في قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ.
كل هذا حتى لا يفلت منه جزئى؟ إن ذلك لرجع بعيد جدا!! فيرد الله عليهم بأبلغ رد وآكده: ببيان علمه الشامل، وقدرته الكاملة، وضرب الشواهد المادية والأمثال على ذلك قد علم ربكم الذي خلقكم ورزقكم، وخلق ما أظلكم وما حملكم قد علم علما أكيدا ما تأكل الأرض من لحومكم وعظامكم، وما يتفرق منها في كل ناحية وهو العليم بكل شيء المحيط بكل ما في السموات وما في الأرض. وعنده كتاب حافظ لتفصيل كل شيء، ولعل المراد بالكتاب تمثيل علمه تعالى بالكليات والجزئيات والأشكال والألوان وبكل شيء أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [سورة الملك آية 14] .
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ وهذا إضراب- أفاده لفظ بل- بل جاء بعد الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بأفظع وأشنع من تعجبهم السابق بالإنذار، والمعنى أن هؤلاء كذبوا بالحق الذي هو القرآن أو النبوة مع قيام الشواهد المحسوسة والمعقولة على ذلك، التي لا تقبل شكا، كذبوا به بمجرد مجيئه من غير تفكير ولا روية وهذا تكذيب أفظع وأشد من الأول، فهم في أمر مضطرب حيث أنكروا النبوة على الإطلاق مرة، ومرة قالوا: إنه لا يستحقها إلا رجل غنى، ومرة قالوا: إن النبي ساحر وتارة كاذب، وأخرى كاهن، وهذا شأن المتردد الذي يبنى حكمه على غير أساس.
وهذه مظاهر قدرته تعالى شاهدة عليهم: أغفلوا فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بناها الله بقدرة قادرة وسواء قلنا: إنها جرم- وهو الأصح- أو قلنا بغير ذلك فهي بلا شك قد بنيت بإحكام، ورفعت بدقة كاملة وقدرة واسعة. وكيف زينها بنجوم للناظرين، وليس لها فروج، وليس فيها شقوق، ولا عيوب.
أفلم ينظروا أيضا إلى الأرض كيف بسطها وكورها، وألقى فيها رواسى شامخات وأنبت فيها نباتا حسنا من كل صنف يأخذ الألباب، ويستهوى القلوب، ويسر الناظرين فعل ذلك كله تبصرة وذكرى لكل عبد تواب منيب وأنزل من السماء ماء مباركا كثير الخير والبركة، كثير النفع والخيرات، فأنبت منه جنات وعيونا، وزروعا وكروما، وأنبت به حب الزرع الذي يحصد كالبر والشعير والأرز وغيره، وانظر إلى النخل الباسقات الفارعات، لها طلع قد صف بعضه فوق بعض بنظام دقيق.