الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَساجِدَ: أماكن السجود، والمراد المواضع المعدة للعبادة والصلاة.
لِبَداً: جمع لبدة، مأخوذة من تلبد القوم: إذا تجمعوا، وعليه قولهم: لبدة الأسد للشعر المتراكم حول عنقه. يُجِيرَنِي: ينفعني ويدفع عنى. مُلْتَحَداً أى:
ملتجأ ألتجئ إليه، أو حرزا أتحصن به. أَمَداً: زمنا بعيدا. يَسْلُكُ المراد:
يقيم ويثبت. رَصَداً: حراسا وحفظة.
المعنى:
قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن، وأوحى إلى أن الحال والشأن لو استقام الإنس والجن على ملة الإسلام التي هي الطريقة المثلى، الطريقة المحكمة التي فيها خير الدنيا والآخرة، أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء كثيرا مباركا فيه وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف 96] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [سورة المائدة آية 66] .
لو استقام الخلق لأتتهم الدنيا وكثرت أرزاقهم، ثم أتت مرحلة أخرى هي مرحلة الاختبار والابتلاء ليظهر أهم من الشاكرين أم من الذين يكفرون بالنعم! وهذا معنى قوله تعالى: لنفتنهم فيه، ومن يعرض عن ذكر ربه، ولا يقبل على عبادته فإنه يدخله عذابا يعلوه ويكون هو فيه، عذاب- والعياذ بالله- شديد وبئس هذا المصير.
وأوحى إلى أنه لما قام عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الخير وإلى الهدى والنور، لما قام يدعوه كادوا- أى: الإنس والجن- يكونون عليه متراكمين متكتلين ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن ينصره ويظهر دينه ولو كره المشركون وقد كان ذلك كذلك.
قل لهم يا محمد: ما لكم! وماذا فعلت! إنما أدعو ربي وأعبده وحده ولا أشرك به شيئا فليس هذا بأمر يضركم أو يدعو إلى ما تفعلون.
قل لهم: ما لكم تقفون منى هذا الموقف!! إنى لا أملك لكم ضرّا ولا نفعا، والذي يملك ذلك هو الله، فلم أكن مقصرا في حقكم في شيء!
قل لهم: وماذا أعمل لو لم أدعكم إلى الخير فعاقبنى الله بالسوء!! إنى لن يجيرني من الله أحد، ولن يدفع عنى العذاب أحد، ولن أجد من دونه ملتجأ فأنا مكلف ومأمور بهذا العمل من الله، ولو تأخرت لعاقبنى فما لكم تفعلون معى هذا!! قل لهم: إنى لا أملك لكم شيئا إلا أن أبلغ بلاغا جاءني من الله لكم، هذا البلاغ هو القرآن الذي يهدى إلى التي هي أقوم، إلا بلاغا من الله ورسالاته التي هي أوامره ونواهيه الدينية فمن سمع البلاغ ووعاه، وامتثل جميع الأوامر والنواهي، وتقبل الرسالات الإلهية وتدبرها كانت له الجنة خالدا فيها أبدا.
ومن يعص الله ورسوله في رسالاته وبلاغه، فيعرض عن سماعها وتدبرها والعمل بها فإن له نار جهنم خالدا فيها جزاء وفاقا لتكذيبه وإعراضه وسوء صنيعه.
ولا يزال المشركون سائرين في ضلالهم مغرورين بأنفسهم وبقوتهم، ويستهزئون بك وبوعيدك وبمن معك حتى يروا العذاب، فإذا رأوه فسيعلمون من هو أضعف ناصرا، ومن هو أقل عددا، وسيعلمون أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا!! فاحذروا يا آل مكة هذا.
وكان المشركون حينما يسمعون هذا التهديد بالعذاب يوم القيامة ينكرونه ويستهزئون به فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ما أدرى وقت هذا العذاب، أما نفس العذاب فواقع لا محالة، غير أنى لست أدرى أقريب هو أم بعيد؟ قد جعل له ربي زمنا طويلا.
هو عالم الغيب وحده، لا يطلع على غيبه أحدا، إلا من ارتضاه من رسول فإنه يطلعه على بعض غيبه مما يحتاج إليه في رسالته ويكون من الخير الاطلاع عليه، أما غير ذلك فلا يرقى إلى غيبه مخلوق من إنس أو جن أو ملك، وكيف يكون ذلك؟ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [سورة الأنعام آية 59] .
والخلاصة: أن الله عنده علم الغيب، ولا يطلع عليه أحدا من خلقه إنسيّا كان أو جنيّا حكيما أو كاهنا أو غيرهما، إلا من ارتضى من رسله الذين هم أصحاب الشرائع السماوية، فإن الله أطلعهم على بعض غيوبه فكانت التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وما فيهم. ذلك هو الغيب الذي أطلع الله عليه بعض خلقه بواسطة الوحى به على لسان الأمين جبريل وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [سورة التكوير آية 24] فالمراد بالغيب القرآن، أى: ما هو بمتهم عليه حتى يتصور أنه غير أو بدل.
ويريد الله أن يعلمنا أن هذا الغيب وصل إلى الرسل عن طريق محكم جدّا، وبلغه الرسل بأمانة ودقة وحكمة، لم يكن معه نسيان أو إهمال أو خطأ في شيء، ألا ترى قوله: فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ فإنه يسلك من بين يدي الرسول ومن خلفه حرسا شديدا يحفظونه من الوساوس والاختلاط، والذهول والنسيان حتى لا يترك بعض ما أوحى إليه أو يقصر في تبليغه إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[سورة القيامة آية 17] وهذا ما يسمى في عرف علماء التوحيد بالأمانة والعصمة.
كل ذلك ليعلم ربك علم ظهور وانكشاف- أى: يتحقق هذا في الخارج ويشاهده الجميع- أن قد أبلغوا- أى: الرسل- رسالات ربهم، أو ليعلم أن قد أبلغ جبريل زعيم الملائكة رسالات ربهم، والحال أن الحق- تبارك وتعالى أحاط بما لديهم كله إحاطة العليم الخبير، الناقد البصير، وأحصى كل شيء من هذا الكون حالة كونه معدودا مميزا عن غيره، فهل يعقل أن يتطرق إلى الرسل شك في زيادة أو نقص إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ! [سورة الحجر آية 9] .
وانظر إلى ختام السورة، بإبراز الغيب الإلهى محاطا بسور لا يقربه إلا المرتضى المختار من الرسل الكرام، أما الجن والكهان ومن يدعى علم الغيب فأولئك كذبة فجرة، لا يعرفون أنفسهم..