الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
الْمُخَلَّفُونَ: هم المتخلفون الذين خلفهم الله عن السير إلى مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم. الْأَعْرابِ المشهور: أنهم سكان البوادي من العرب. ضَرًّا: هو الضد للنفع من هزيمة أو هزال أو سوء حال. يَنْقَلِبَ: يرجع. بُوراً أى:
هلكى وفاسدين لا تصلحون لخير. ذَرُونا: اتركونا نسير معكم.
لا يَفْقَهُونَ: لا يفهمون ولا يعلمون من أمر دينهم إلا قليلا. أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ: أصحاب قوة وشدة. حَرَجٌ: إثم وذنب. الْأَعْرَجِ: من في رجله آفة.
المعنى:
خرج رسول الله عام الحديبية إلى مكة معتمرا لا يريد حربا ولا اعتداء، واستنفر القبائل العربية الضاربة حول المدينة أن يخرجوا معه إلى مكة، ليشهد أكبر عدد ممكن على أنه لا يريد حربا، فإن اعتدت عليه قريش أو منعته ظهر أمرهم للعرب كافة، وليكون في أكبر عدد ممكن من أنصاره حتى لا تتعرض لهم قريش بسوء.
وكان ممن طلبهم للخروج معه قبائل غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم. وأشجع، والديل، فتخلف من هؤلاء أكثرهم حذرا من قريش مع أن النبي أحرم بالعمرة، وساق الهدى معه ليعلم الناس أنه لا يريد حربا.
ومع هذا تخلفت الأعراب، وتثاقلوا عنه، واعتلوا بالشغل، وقالوا: شغلتنا أموالنا التي جمعناها، وأهلونا، وليس لنا من يقوم بها فاستغفر لنا ربك يا محمد وادعه ليقبل العذر، قالوا هذا بألسنتهم، والله يعلم أنهم كاذبون ففضحهم، وأنزل في شأنهم قرآنا
يخبر بخبرهم قبل أن يقولوه، وقال الله تعالى: يقولون هذا الكلام السابق بألسنتهم فقط ولم يكن لهم عذر، ولم يطلبوا المغفرة حقّا.
بعد ذلك أمر صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً من يستطيع لكم إمساك شيء من قدرة الله- تعالى- إن أراد بكم ضرّا أو أراد بكم نفعا؟ لا أحد يقدر على ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فليس الشغل بالأهل والمال عذرا، لأنه لا يدفع ضرّا، ولا لقاء العدو يمنع نفعا أراده الله.
بل الأمر أخطر من هذا، والله بما تعملون أيها المخلفون خبير وبصير وسيجازيكم عليه بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم! والمعنى: السبب الحقيقي في تخلفكم ليس هو كما تقولون، وإنما هو ظنكم أن محمدا وأصحابه قلة فكيف يحاربون قريشا ومن حولها وكانوا بالأمس يحاربونهم على أبواب المدينة- في غزوة الخندق- وزين ذلك في قلوبكم أيها المتخلفون، والذي زينه هو الشيطان وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل 24] أو هو الله وزَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل 4] وظننتم ظنا سيئا، وكنتم قوما هلكى، لا خير فيكم أبدا.
ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فإنا أعتدنا له وهيأنا له نارا وسعيرا لأنه في عددا الكفار ولا عجب فلله ملك السموات والأرض يدبر أمره بحكمة تامة وعلم كامل فيعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، ويغفر لمن يشاء ممن يستحق المغفرة، وهو أعلم بخلقه، وكان الله غفورا رحيما.
سيقول الذين خلفهم الله عن الخروج معكم، وأقعدهم عن السير مع رسول الله وصحبه، سيقولون وقت انطلاقكم إلى مغانم- هي مغانم خيبر-: ذرونا نتبعكم ونسير معكم في الغزو، قالوا هذا لأنهم ظنوا أن المسلمين سيغنمون، هؤلاء المتخلفون يريدون بطلبهم هذا أن يبدلوا كلام الله، إذ هو قد وعد من حضر صلح الحديبية وبيعة الرضوان بالمغانم خاصة فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ على من حضر بيعة الرضوان وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها [سورة الفتح الآيتان 18، 19] .
قل يا محمد لهم: لن تتبعونا في غزو بعد هذا فإنا عرفناكم، مثل ذلك القول الصادر منى أى من النبي صلى الله عليه وسلم وهو لن تتبعونا- قال الله وحكم به، وهو خير الحاكمين، فهو
قد حكم بأنكم لا تتبعون النبي، وأن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية فقط ولما كان هؤلاء المنافقون لا يعتقدون شيئا من هذا، بل يظنون أن هذه حيل يحتال بها المسلمون حتى يفوتوا عليهم غنائم خيبر، وما دفعهم إلى ذلك إلا الحسد والبغضاء قالوا- أى:
المنافقون المتخلفون-: بل «1» تحسدوننا فليس الأمر كما تدعون بل إنما قلتم هذا حسدا وبغيا علينا، هذا ما كان منهم، وقد رد الله عليهم مضربا عن كلامهم مبينا أنهم قوم لا يفقهون من أمر دينهم إلا قليلا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ولذا تراهم يخادعون الله ورسوله، وما يخادعون إلا أنفسهم، وما يشعرون قل يا محمد لهؤلاء المتخلفين:
ستدعون إلى محاربة قوم أولى بأس شديد، والظاهر- والله أعلم- أنهم المرتدون بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، وقد دعا أبو بكر خليفة رسول الله المسلمين- ومنهم هؤلاء المتخلفون- إلى قتالهم حتى يسلموا، والمشركون من العرب والمرتدون هم الذين يقاتلون حتى يسلموا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف بخلاف غيرهم من المشركين والوثنيين والمجوس وأهل الكتاب فإنه يقبل منهم الإسلام أو الجزية أو القتال، وهذا رأى أبى حنيفة بخلاف الشافعى، والحق مع أبى حنيفة.
أيها المتخلفون: إن تطيعوا الله وأمر إمامكم يؤتكم أجرا حسنا، ويقبل منكم التوبة، وإن تتولوا وتعرضوا كما أعرضتم سابقا يعذبكم الله عذابا أليما فهذه فرصة لكم فاهتبلوها بتوبة خالصة صادقة.
وهذه رحمة الإسلام لا يحاسب إلا القادر، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولذا يقول: ليس على الأعمى حرج، وليس عليه ذنب أو إثم في تخلفه عن رسول الله، وليس على الأعرج حرج كذلك، ولا على المريض حرج أيضا في ترك الجهاد حيث لا قدرة له عليه، تلك أعذار مقبولة، والله- سبحانه- هو العليم بذات الصدور،
وصدق رسول الله «إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئ مّا نوى» .
وهناك القانون العام الذي يجمع الخلائق كلها حتى لا يكون عذر لمعتذر: من يطع الله ويطع رسول الله في كل أمر ونهى يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، جنات عرضها السموات والأرض، ومن يتول معرضا عن أمر الله ورسوله مؤثرا نفسه وهواه يعذبه عذابا أليما، ويدخله جهنم، وساءت مصيرا..
(1) - بل هنا للإضراب في الموضعين.