الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
تَنْتَشِرُونَ أى: منتشرون في الأرض تبتغون من فضل الله لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يقال: سكن إليه إذا مال إليه مَوَدَّةً وَرَحْمَةً قال السدى: المودة والمحبة والرحمة:
الشفقة الْبَرْقَ: هو الشرارة الكهربائية التي تظهر في الجو وخاصة عند السحب، وينشأ عنها الرعد قانِتُونَ: مخلصون في طاعته الْمَثَلُ الْأَعْلى: الصفة العليا.
وهذه بعض آيات الله الناطقة بوحدانية الله تعالى، الشاهدة بربوبيته، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا يستحق العبادة والتقديس سواه، وهذا كدليل على ما سبق من قوله فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ.. (الآية) .
وقد ذكر الله- سبحانه وتعالى في هذه الآيات بدء خلق الإنسان، وعمارته للأرض وبقاءه فيها بخلق الذكر والأنثى، ثم ذكر من مظاهر الكون السماء والأرض، ثم ذكر من لوازم الإنسان اختلاف ألسنته وألوانه، ومن عوارضه النوم والسعى في الرزق، ثم ذكر من عوارض السماء والأرض البرق والمطر، ومن لوازمهما قيامهما، وإنا نرى أن الله- سبحانه وتعالى ذكر لفظ (ومن آياته) ست مرات جمع فيها بين بدء خلق الإنسان ونهايته خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ.. إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ.
المعنى:
ومن آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب، على معنى أنه خلق أبانا من تراب، ثم خلق أبناءه من ماء مهين، ولنا أن نتوسع ونقول: نحن جميعا مخلوقون من تراب: أما أبونا آدم فظاهر فيه ذلك بنص القرآن الكريم، وأما ذريته فهم من ماء مهين، وهذا الماء من الدم، والدم من الغذاء. والغذاء يرجع في جملته إلى النبات، والنبات من الأرض، فتكون النتيجة أنا خلقنا من تراب، فإذا عبر القرآن بخلق البشر من التراب فهذا هو الأصل والأساس، وإن عبر بأنه خلقنا من ماء مهين فهذا هو الظاهر في ذرية آدم.
خلقكم من تراب يابس جاف لا حياة فيه ولا نمو ولا حركة ثم مع هذا كله إذا أنتم بشر أحياء عقلاء مفكرون تتصرفون في قوام معايشكم، وعمارة أرضكم، واستخدام
قوى الطبيعة لخدمتكم، أليس الله القادر على هذا كله بقادر على أن يحيى الموتى؟ بل إنه هو الواحد الأحد، القادر المنفرد بالألوهية! وانظر إلى تصوير القرآن ذلك التصوير العجيب المستفاد من قوله:(ثم إذا..) فإن كوننا بشرا يأتى بعد أطوار ذكرت في سورة المؤمنون وغيرها ولذا أتى بثم المفيدة للترتيب والمهلة فإنه بعد أطوار النطفة والعلقة إلى آخر ما مر فاجأ بالبشرية والانتشار.
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [سورة الروم آية 21] .
نعم من آياته أنه خلق لكم من أنفسكم نساء أنتم وهن سواء في البشرية والآدمية وفي الطباع العامة والغرائز، خلقهن الله بهذا الوصف لتسكنوا إليهن، فإن النفس ميالة إلى ما يوافقها ويلائمها ويلتقى معها في الغرض العام، وهذا معنى قوله: من أنفسكم.
والإنسان الذي يجتمع مع المرأة في الحلال يدرك بوضوح معنى السكنى إليها والميل لها، والهدوء النفسي عند ما يزورها، ومن هنا سمى المكان الذي يلتقى فيه الرجل بالمرأة سكنا ومسكنا لأن فيه تسكن النفس وتهدأ، ويطمئن الرجل، ويستريح من وعثاء الطريق ومشاق الحياة الكادحة، وفي
الحديث «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتّى تصبح» .
وجعل بينكم مودة ومحبة، وصلة روحية قوية قد تفوق في غالب الأحيان صلتك بأقرب الناس إليك، والشرع الشريف يلاحظ هذا جيدا في تقدير الميراث والنفقات والمخالطة الداخلية، والإسرار إلى الزوجات بذات الصدور.
وجعل بينكم رحمة وشفقة، وعطفا عميقا، ليس مصدره الغريزة الجنسية والاتصال المادي، بل مبعثه اختلاط الأرواح، واتصال النفوس، والاجتماع لغرض واحد وبناء عش الزوجية على أسس كريمة، ودعائم قويمة هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة 187] .
إن ذلك لآيات ناطقة بوحدانية الله، وقدرته وحكمته. وأنه بصير، ولكنها آيات لقوم يتفكرون، لأن الفكر السليم يؤدى إلى الوقوف على تلك المعاني الحية في الحياة الزوجية، هذه يا أخى الحياة الزوجية الصالحة التي يمتن الله بها على عباده، أما ما يحدث من بعض الناس فهذا شيء لا يتحمله الدين، وليس عنوانا على الإسلام.
ومن آياته خلق السموات والأرض: وما فيها من عوالم لا يعلمها إلا خالقها، ومن آياته كذلك اختلاف ألسنتكم في اللغات واللهجات، إذ كل سكان العالم من أصل واحد، ومن أبناء رجل واحد وامرأة واحدة، فمن الذي أوجد اختلاف اللغات واللهجات؟! إنهم يقولون: إن اللغة في الإنسان نشأت لمحاكاته للأصوات التي يسمعها في بيئته، وهذا معقول وجميل، ولكن الذي أودع في الإنسان قوة المحاكاة، وفي الطبيعة تلك الأصوات المختلفة أليس هو الله؟! ومن هنا تدرك السر في اقتران اختلاف الألسنة والألوان بخلق السموات والأرض.
ومن آياته اختلاف الألوان والاتجاهات والمعاني النفسية والخلقية في كل نفس، وهذا الاختلاف يكون بين أبناء الرجل الواحد الذين عاشوا في بيئة واحدة.
إن في ذلك كله لآيات للعالمين بأسرار الكون سمائه وأرضه علويه وسفليه، ونظام الجماعات والأفراد والعلماء بعلوم الاجتماع واللغات والأخلاق، وليس القرآن يخاطب بذلك الفلاسفة وحدهم. لا بل هو خطاب عام، ولكن فهم تلك الآيات فهما واسعا دقيقا إنما هو للعلماء، ولا يمنع أن غيرهم يدرك إدراكا متناسبا مع قواه، ولعل هذا هو السر في قوله تعالى عند خلق الإنسان وخلق الزوجات.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وهنا.. قال: للعالمين.
ومن آياته نومكم بالليل والنهار، وابتغاؤكم من فضله، وتصرفكم في طلب المعيشة بإرادته، نعم من آياته النوم بالليل والنهار. ولا شك أن النوم موت أصغر، وأن هذه الحساسية والتفكير والإدراك تختفى عند النوم الذي يلقى فيه الإنسان بنفسه بين أحضانه فيترك الدنيا ويستريح جزءا من الوقت يكون فيه أشبه بالميت ثم يعود ثانية إلى الحياة نشيطا مجدّا بلا كسل ولا ملل يبتغى من فضل الله ويسعى لجلب الرزق، فهذه القوى العقلية، وأجهزة الإدراك أين ذهبت حساسيتها؟ وكيف تعود؟ إن في ذلك لآيات شاهدة على الألوهية ولكن لقوم يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
ومن آياته يريكم البرق الخاطف الذي يظهر بين السحب المتراكمة المحملة بالماء والذي يبهر الأنظار، أى: يجعلكم ترون البرق خائفين من صواعقه وأمطاره الضارة طامعين في خيره وبره، والله- سبحانه- هو الذي يعلم الضار والنافع، وهو الذي
خلق الخلق على أوضاع: فمنهم من يخاف المطر، ومنهم من يرجوه، وسبحانه من أودع في كل قلب ما أشغله! وهو ينزل من السماء ماء فيحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يستخدمون عقولهم في إدراك تلك الحقائق الكونية، وكيف توجد النار وسط السحب، والنباتات في الأرض القاحلة، فلا غرابة أن توجد حياة بعد الموت والفناء.
ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، فهو وحده الذي حكم بهذا، وهو الذي رفع السماء وبسط الأرض وحملهما بقدرته، وصيرهما بإرادته وأمره الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [سورة الرعد آية 2] .
ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض، أى: وأنتم فيها، كما نقول: دعوته من أعلى البيت فنزل إلى.. تجيبون بلا مكث ولا انتظار كما يجيب الداعي الطائع من دعاه، وليس هنا أطوار ولا انتقالات في الخروج من القبور، بل بعث بسرعة وبلا مهلة ولذا لم يأت هنا بثم فقال: إذا أنتم تخرجون من قبوركم للبعث والحساب والثواب والعقاب.
وله من في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، كل له قانتون ومخلصون في طاعته إن طواعية وإن كرها، فكيف بكم يا من تنكرون البعث وتستبعدونه ظنّا منكم أن الحياة بعد العدم ونفق الأجزاء ضرب من المحال إنه الذي يبدأ الخلق ثم بعد ذلك يعيده فهو أهون عليه بالنسبة لحكمنا العادي في الأمور العادية، وأما بالنسبة لله- سبحانه وتعالى فكل شيء هين إذ قدرته شاملة، وله- سبحانه وتعالى كل شيء.
وله المثل الأعلى والصفة الكاملة التي تتلخص في وصفه بكل كمال، وتنزهه عن كل نقص، وفي أنه لا إله إلا هو في السموات، والأرض، وهو العزيز في ملكه لا يعجزه شيء من خلقه، الحكيم في صنعه، خلق فسوى وقدر فهدى، سبحانه هو الله لا شريك له.
والله- سبحانه وتعالى قد وصف السموات والأرض على ألسنة الخلق، وبأقلام الحق، وبنطق الآيات الكونية فيهما على أنه هو القادر الذي لا يعجزه شيء من بدء وإعادة، القاهرة فوق عباده لا راد لقضائه، الحكيم الذي يجرى كل شيء في الكون على مقتضى حكمته، ووفق علمه وإرادته، فحقّا: له المثل الأعلى في السموات والأرض.